​​​​​​​جريمة أولوف بالمه والمؤامرات الّتي استهدفت نضال حرّيّة الشّعب الكرديّ

بتاريخ 28 شباط عام 1986 قُتل رئيس وزراء السويد أولوف بالمه وزوجته جرّاء هجوم مسلّح تعرّضا له أثناء خروجهما من إحدى صالات السينما، وفيما بعد بدأت سلسلة اعتقالات بحقّ الكرد، ولكن وبعد مرور 34 عاماً ظهرت الحقيقة. فمن هم القتلة الحقيقيّون؟ ولماذا تعرّض الكرد لهذه المؤامرة؟ وما هو المطلوب من الكرد من الآن فصاعداً؟

كان لهذا الحادث صدى واسع في جميع أنحاء العالم. ظهر هذا الزعيم الاشتراكي والديمقراطي، وقال إنّ من حقّ الكرد الحصول على حقوقهم كباقي شعوب العالم، ممّا أثار استياء العديد من الدولة الأوروبية، وكذلك الولادات المتحدة الأمريكية، فلماذا ومن قتله؟

قُتل أولوف بالمه في تمام الساعة 23.00، ولكن الصحف التركية التي كانت تطبع تصدر في الساعة 05.00، أي أنّها طُبعت قبل مقتله، نشرت عناوين عريضة مثل "حزب العمال الكردستاني قتل أولوف بالمه". وفيما بعد وقبل الحصول على أية أدلّة ادعى رئيس الشرطة في استوكهولم هانس هولمر أنّ حزب العمال الكردستاني قتل أولف بالمه، وأطلق حملة اعتقالات ضد الكرد. فتمّ اعتقال المئات من الكرد، وأخضعوا للتحقيقات فيما سجن بعضهم لسنوات.

ومن جهة أخرى فإنّ العديد من الأطراف الأوساط الأخرى قالت إنّ هذه الجريمة ارتكبت من قبل تنظيم الكلاديو التابع لحلف الناتو وبتواطؤ مع جهاز الأمن السويدي (سابو). ونظراً لأنّ الإعلام التركي نشر الخبر قبل حدوث جريمة القتل، فإنّ ذلك يزيد من احتمال أن يكون الكلاديو التركي مشاركاً في الجريمة.

بعد 34 سنة، وفي العاشر من شهر حزيران من عام 2020، عقد كل من رئيس لجنة التحقيق في حادث مقتل أولوف بالمه كريستر بيترسون وعضو اللجنة هانز ماليندر مؤتمراً صحفياً للإعلان عن نتائج التحقيقيات في القضية. وأعلن كريستر أنّ قاتل أولوف بالمه هو عضو في إحدى الأحزاب اليمينية ويُدعى ستيغ بيغرستروم، وأنّ الدعوى أغلقت لأن مرتكب الجريمة متوفي.

وبعد هذه التصريحات بدأ أبناء الشعب الكردي وأصدقاؤهم في أوروبا وسائر أنحار العالم بالتحرّك. لأنّ قضية مقتل أولوف بالمه لم تكن قضية عادية، كما أنّها فتحت المجال للدولة الفاشية التركية لتصعيد وشرعنة هجماتها ضد الشعب الكردي. كما تم تجريم واتهام الكرد فتعرّضوا لهجمات إبادة. وشكّلت تلك الجريمة حجّة لتصعيد الهجمات ضد الكرد في العديد من الدول مثل ألمانيا وفرنسا والدول الأوروبية الأخرى. وبالتالي إعلان حزب العمال الكردستاني كمنظمة إرهابية، ممّا شجّع الدولة التركية وبدأت بإفراغ القرى الكردية، وتصعيد جرائم (الفاعل المجهول)،  ارتكاب المجازر في جزير وسور ونصيبين كذلك قتل ساكينه جانسيز وليلى شايلماز وفيدان دوغان في باريس. حيثُ تعرّض الآلاف من الكرد في أوروبا للتحقيق والتوقيف والحكم عليهم بعقوبات مادية، كما حرموا من حقوق الجنسية والإقامة، كل هذه الأمور حدثت بعد تلك الجريمة. وإذا كانت الدولة الفاشية التركية تتمكّن بكل سهولة من احتلال مناطق شمال وشرق سوريا مثل عفرين وكري سبي وسري كانيه، أو قصف قرى وجبال جنوب كردستان بشكل متواصل، فإنّ أحد أسباب ذلك يعود إلى جريمة مقتل أولوف بالمه التي اتّهم بها حزب العمال الكردستاني.

هذه الحادثة تهم حركة الحرية بشكل مباشر، لذلك يجب عدم اعتبارها قضية اعتيادية حدثت في أوروبا.

ما دواعي ارتكاب مثل هذه الجريمة واتهام الكرد ولصق صفة الإرهاب بحزب العمال الكردستاني؟

بعد الثورة الإيرانية، استلم الإسلاميون سدة الحكم، فداهم الإيرانيون السفارة الأمريكية في طهران، واستولوا على العديد من الوثائق. إحدى تلك الوثائق تتطرّق لموضوع "الآبوجيين" ويتم تقييمها على أنها حركة يجب إيقافها. هذا التقييم يؤكّد أنّ الولايات المتحدة الأمريكية وكلاديو حلف الناتو كان مستعداً لتنفيذ أشكال مختلفة من النشاطات ضد حزب العمال الكردستاني. وفي مراحل سابقة أيضاً كان ممثّل الكلاديو التركي دوغو برنجك وصحيفة أيدنلك، تتصرّف وفق وجهة النظر الإمريكية منذ بداية ظهور الآبوجيين. ومن جهة أخرى ظهرت مساعي وتحرّكات مماثلة من قبل بعض التنظيمات التي كانت تدّعي أنها تنظيمات كردية والتي تمثّل التوجّه القومي العنصري والبرجوازية الصغيرة. حتى أنّ الحزب الديمقراطي الكردستاني – تركيا، كان يهدّد بشكل علني أعضاء المجموعة الذين خرجوا من أنقرة وتوجّهوا إلى كردستان. فاغتيال حقي قرار على يد الكلاديو التركي كان إشارة إلى الأحداث التي تلتها. لذلك فإنّ المجموعة عانت الكثير من الصعوبات خلال مرحلة ولادتها وتطوّرها. والعديد من التنظيمات التي تأسست بدعم المستعمرين والعملاء دخلت في حرب للقضاء على المجموعة. وكانت هذه الهجمات تنفّذ عبر إعلام مضاد مضلل. وحتى قبل أن يكون هناك حزب أو نشاطات حزبية، كان هناك كم كبير من الأعداء، مما كان يشير بوضوح إلى أنّ حركة الحرية كانت تسير على مسارها الصحيح. وفي مواجهة هذه الهجمات والاعتداء تمّ اعتماد النضال المسلّح، وتجسد هذا الخيار من خلال تأسيس حزب العمال الكردستاني.

بعد الهجمات الفاشية التي اعقبت الانقلاب العسكري في تركيا في 12 أيلول، تم تصفية وإنهاء العديد من التنظيمات، فيما خرجت أخرى إلى خارج الوطن. وبسبب الظروف المعاشة، وبهدف التحضير، فإنّ القائد آبو يقود طليعة العمل من أجل تأسيس جبهة مشتركة مناهضة للفاشية. بمعنى أنّ الخروج بالنسبة للقائد آبو لم يكن بمثابة فرصة للبدء بحالة جديدة، بل على العكس كان مكاناً وميداناً للتحضير والاستعداد وأداء العهد الذي عاهدوا به الشعب والشهداء.

بعد هذه المرحلة أطلقوا حملة مناهضة للقائد باسم "لا لآبو" كانوا يسعون من خلال هذا الشعار إلى فرض الاستسلام على حزب العمال الكردستاني وأن ينسى عاهده. وفي نفس الفترة وخلال مرحلة مقاومة السجون يتمّ فرض الاستسلام. ولأنّ القائد آبو وحزب العمال الكردستاني اختارا سلوك درب المقاومة من أجل حرية الشعب الكردي، فقد تعرّضا لهجمات وحصار شديديين. وعندما رأت الدولة التركية أنها لا تستطيع تحقيق أي نتيجة ضد القائد وضد حزب العمال الكردستاني، فقد استنجدت في عام 1985 بحلف الناتو. وبالتالي فإنّ حركة حرية الشعب الكردي دخلت مرحلة جديدة. بعد الأوساط التي كانت تدّعي أنّها معارضة، كانوا يقولون إنّ المقاومة هي السبب في الهجمات، وكانوا يرفضون مبدأ المقاومة، وبدلاً من محاربة ومقارعة الفاشية، كانوا يتّهمون حزب العمال الكردستاني ويسعون إلى تشويه صورة القائد آبو. والحقيقة أنّ هذا الأسلوب كان من أحد أساليب الحرب الخاصّة، ولا يزال هذا الأسلوب متواصلاً حتى يومنا الراهن.

وبهدف مواجهة هذه الهجمات والحصار المفروض على الحركة، كانت القيادة تسعى إلى كسب تأييد بعض الدول الأوروبية، وكانت السويد الدولة الأكثر ملائمة لذلك. وبدأت المساعي لتقديم طلب اللجوء السياسي إلى ذلك البلد. وبسبب مواقف أولوف بالمه من قضايا شعوب العالم الثالث، والاتفاقيات المتعلّقة بالشعب الكردي، فإنّ السويد كانت الدولة الأكثر ملائمة لذلك. وفي هذه المرحلة بالذات تعرّض بالمة للقتل. وكانت السويد بالنسبة للقائد تعتبر دولة صديقة، ولكن بعد جريمة مقتل أولف بالمه، تحوّل هذا البلد إلى ساحة يتم فيها إصدار أوامر موت حزب العمال الكردستاني. فمقتل أولوف بالمه شكّل بداية مرحلة إدراج حزب العمال الكردستاني في قائمة المنظمات الإرهابية وتجريم الشعب الكردي.

بعد 34 عاماً من الحادثة، فإنّ أحداثاً مشابهة لا زالت تتكرّر. فبعض الأوسط التي تعتبر نفسها تنظيمات كردية، وبدلاً من اتهام الدولة التركية الفاشية فإنهم يوجّهون الاتهامات لحزب العمال الكردستاني في شمال وجنوب كردستان وشمال وشرق سوريا. ويضعون أيديهم في أيدي المحتلّين، ويسعون إلى القضاء على مكتسبات الشعب الكردي. إنّ القوى التي تطالب بخروج حزب العمال الكردستاني من جنوب كردستان، ومن روج آفا، وتطالب بإعلاق حزب الشعوب الديمقراكي، أو التي تطالب من حزب الشعوب الديمقراطي باتهام حزب العمال الكردستاني بالإرهاب، فإنّ هذه القوى يبدو أنّها لم تستفد من دروس التاريخ. من الواضح أنّ القوى التي تتهم حزب العمال الكردستاني تسير بنفس النهج القديم، فهي تتعاون مع القوى المحتلّة ومع دولة الاحتلال التركية، وبالتالي يتحوّلون إلى لاعبين أساسيين في المؤامرة الدولية.

فالّذين اختاروا طريق المقاومة، فإنّهم يتركون ميراثاً كريماً مشرّفاً للتاريخ. أمّا الخونة والعملاء ومهما فعلوا فإنّهم سوف يهزمون أمام المقاومة. اليوم، على القوى التي لم تكن يوماً إلى جانب المقاومة، والتي كانت على الدوام تقف إلى جانب العدو وتتحالف معه باتفاقيات قذرة ومشبوهة، عليهم اليوم أن ينظروا إلى أوضاعهم، يجب أن ينظروا إلى المساعي المتعلّقة بالوحدة الوطنية، وكذلك على قضية أولوف بالمه. هذه الدعوى أكّدت مرّة أخرى أنّ الحقيقة لا يمكن أن تبقى مخفيّة إلى الأبد.

المجرم معروف، إنّه الناتو الكلاديو التركي، وعليه فإذا استمرّوا في تجريم الشعب الكردي وتبرئة الدولة التركية الفاشية، رغم ظهور الحقيقة، فهذا يعني أنّ هناك مخططاً كبيراً للخيانة والعمالة.

في سياق جميع هذه الحقائق، يجب التحقيق في قضية أولوف بالمة والكشف عن المجرمين. حزب العمال الكردستاني والكرد بريئون من الجريمة، ولكن يجب طرح سؤال؛ من هم المجرمون؟ كما يجب تذكير الأطراف العميلة أنّهم سيبقون بمثابة شركاء في الجريمة طالما أنهم لم يغيّروا مواقفهم. وهم المتّهمون في احتلال عفرين وسري كانيه وكري سبي، وغضوا الطرف عن الاحتلال، وأيّاً كان المنتصر، فإنّ الذين يدعون إلى هزيمة حزب العمال الكرستاني هم عملاء أعداء الشعب الكردي.

(ك)

ANHA