​​​​​​​حقوقية تونسية: زيارة النساء الكرديات فتحت مسلكًا جديدًا والتجربة الكردية في افتكاك الحقوق دفع إضافي

قالت ناشطة حقوقية تونسية إنّ زيارة النساء الكرديات إلى تونس فتحت مسلكًا جديدًا في مسار الحقوق الإنسانية المتعثّرة، مبينة أن "مبادرة مناهضة الاحتلال وإبادة النساء من أجل الأمن والسلام" التي عرضها الوفد على عضوات الاتحاد الوطني للمرأة التونسية حظيت بترحيب كبير وتفاعل مبدئي إيجابي.

لبحث السبل وتمكين العمل المشترك، التقت رئيسة رابطة جين النسائية في لبنان، بشرى علي وعضوة مكتب العلاقات الخارجية في مؤتمر ستار زينب محمد، عددًا من الشخصيات النسائية الفاعلة خلال زيارتهم إلى العاصمة التونسية.

ولتسليط الضوء على أهمية الزيارة تحدثت لوكالتنا الناشطة الحقوقية التونسية وعضوة لجنة المرأة والأمن والسلام في الاتحاد الإفريقي FemWise-Africak سلوى قيقة.  

وقالت: "في البدء، يشرفني من خلال هذا التواصل، أن أعبّر عن أواصر الصداقة التي تربطني منذ سنوات عديدة بالمنظمات النسائية الكردية، وأن أكون الخيط الرابط بين المنظمات والشخصيات من الجانبين الكردي والتونسي، وحتى مع منظمات من بلدان شمال إفريقيا".

وأضافت: "تعدّدت اللقاءات منذ أن التقيت أول مرة مجموعة من ممثلات المنظمات الكردية خلال المنتدى الاجتماعي العالمي الذي انعقد في تونس من 26 إلى 30 آذار/ مارس 2013، ولأن الحضور كان في مختلف الورشات عالميًّا متنوعًا، فعلى هامش الملتقى حاولنا عقد اجتماعات جانبية حضرناها معًا، وتبادلنا خلالها الرؤى وتعاهدنا على التنسيق والعمل المشترك، ومنها انطلقت مساهمتي في عدد من الملتقيات المشتركة التي احتضنتها مدينة آمد (ديار بكر) في حزيران/ يونيو 2013، وفي أيلول/ سبتمبر 2014، وفي رها (أورفا) في آذار/ مارس 2014، والسليمانية في تموز/ يوليو 2016، وكاتمندو (النيبال) في أيلول/ سبتمبر 2015.

هذه لقاءات اكتسبت بُعدًا عالميًّا، أفضى إلى تأسيس منظمة نسائية عالمية لها تمثيليات في كلّ القارات The World Women’s Conference))، ولعبت فيها المنظمات الكردية دورًا أساسيًّا نظرًا لعمق تجربتها النضالية العريقة ولدورها البطولي في مواجهة العدوان الداعشي بالعزيمة والسلاح، فأغلب هذه اللقاءات العالمية احتضنتها المنظمات الكردية واستبسلت في الدفاع عن حق وجودها من خلال المساهمة الفاعلة في إنشاء منظمة عالمية مستقلة بحكم اعتراض بعض الهياكل الأممية عن حضور اللقاءات الأممية الرسمية. وقد سمحت مختلف هذه الفرص بتوضيح الرؤى والتقارب والاتفاق على قواعد العمل المشترك على المستوى العالمي والإقليمي الذي مكننا أخيرًا من وضع الأسس لـ "مبادرة مناهضة الاحتلال وإبادة النساء من أجل الأمن والسلام".

وأشارت سلوى قائلة: "في إطار هذا التبادل والعلاقات التي تأسست على المبادئ المشتركة، كانت الزيارة الأخيرة التي أداها الوفد النسائي الكردي إلى تونس، ممثلًا في رابطة جين النسائية من لبنان ومركز علاقات مؤتمر ستار من شمال شرق سوريا.

لا يمكنني أن أتغافل عن الدافع الرئيس لقدوم الوفد إلى تونس، للمشاركة في فعاليات المؤتمر الذي نظمته الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، الجمعية المستقلة التي تأسست في 1989. ولئن تمّ تأجيل المؤتمر بسبب الإجراءات الصحية التي اتخذتها السلطة بمنع التجمعات العامة، فإنّ بعض الاجتماعات المضيقة مكنت من تبادل الرؤى بين الطرفين. ومن هذا المنطلق، تمّ تنظيم عدد من اللقاءات مع مجموعة من المنظمات منها أساسًا الاتحاد الوطني للمرأة التونسية".

ونوّهت أنه "لم يكن اختيار الاتحاد الوطني للمرأة التونسية اعتباطيًا لأنها أقدم منظمة نسائية في تونس، نشأت مع بداية دولة الاستقلال في 1956، بتشجيع ودعم من السلطة السياسية التي آمنت بمشروع مجتمعي حداثي ساهم في محاربة الجهل والتمييز المسلط على النساء. وتعود جذور الاتحاد إلى التنظيمات النسائية التي انخرطت في الحركة الوطنية ضد الاستعمار منذ العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، لذلك دفع الاتحاد عبر تاريخه إلى مشاركة النساء بصفة فاعلة في الحياة العامة وفي نشر قيم السلم والأمن في العالم.

وفي هذا الإطار حظيت "مبادرة مناهضة الاحتلال وإبادة النساء من أجل الأمن والسلام" التي عرضها الوفد على عضوات الاتحاد بترحيب كبير وتفاعل مبدئي إيجابي، خصوصًا في ظل الظروف الإقليمية الحالية التي تهدد استقرار المنطقة وتكشف الواقع الاستغلالي والنوايا التوسعية التي يضمرها الإسلام السياسي الحالم بعودة نظام الخلافة العثمانية من جديد".

'شجاعة النساء الكرديات كان لها أثر عميق في نفوسنا'

وأكدت سلوى قيقة قائلة: "لئن اختلفت مظاهر السعي إلى الهيمنة الاستعمارية بين التدخل غير المباشر وما يتبعه من ابتزاز مبرمج للانهيار الاقتصادي التي تعيشه بلادنا حاليًّا، وبين التدخل العسكري المباشر الذي تصدّت له النساء الكرديات لدحر المدّ الداعشي في العراق وشمال شرق سوريا، فإنّ القضيّة واحدة. لكنّ شجاعة النساء الكرديات كان لها الأثر العميق في نفوس كل الحاضرات، اعترافًا ببسالتهنّ في الدفاع عن الأرض وعن كرامة الإنسان في المنطقة المنكوبة".

وحول النقاشات التي جرت بين الاتحاد والوفد الكردي، قالت سلوى قيقة: "إنّ ما فتح آفاقًا للتعاون وتبادل الخبرات بين الوفد والاتحاد هو الاتفاق على أهمية العمل الميداني الذي يمثل أساسًا للفعل في الواقع وتحقيق النتائج في مرحلة مفصليّة من تاريخ المنطقة. فتجربة الاتحاد من خلال انتشار فروعه في كل المدن والقرى، وعلى الرغم من المعوقات التي تعترضه منذ 2011، فإن لها دور أساسي في حملات التوعية بحقوق النساء والسعي إلى إلغاء مظاهر التمييز، وإنجاز البرامج المتعلقة بمحو الأميّة والتربية على المواطنة الفاعلة والرعاية الصحية ومنها الصحة الإنجابية، والتمكين الاقتصادي وتشغيل مراكز التدريب والتكوين المهني، للقضاء على الفقر وضمان الاستقلالية المادية الداعمة للكرامة والحرية والمساهمة في التنمية.

وقد كانت زيارة مركز الإنصات والتوجيه وإيواء النساء ضحايا العنف، التابع للاتحاد فرصة لطرح قضايا العنف المسلط على النساء وآليات التصدّي له، ولتناول مسألة التعاون في هذا المجال، باعتبار الرؤية المتكاملة التي قام عليها المركز منذ افتتاحه في 2003.

لذلك، لنا في القانون الأساسي رقم 58 الصادر في 2017 والمتعلٌق بالقضاء على العنف ضدّ المرأة في تونس مثال على الحوار الذي دار حول القانون والفجوة الواضحة بين منطوق النصّ الذي يعتبره المختصون متقدّمًا حتى بالنسبة إلى القوانين الغربية، والواقع الذي تعيشه النساء في المدن كما في الأرياف. وقد تناولنا إمكانية ترويج فحوى القانون الذي تجنّد المجتمع المدني إلى إقراره وساهم في بلورته ومناقشة فصوله، وتعرضنا إلى محاولة العمل المشترك من أجل القضاء على كافة أشكال العنف".

وأشارت سلوى إلى أنّ التجربة الكردية في مجال افتكاك الحقوق والتمسك بالمساواة في جميع المستويات مثّل دفعًا إضافيًّا لدعم أسس التعاون بالنسبة إلى كلّ الحاضرات في لقاء الاتحاد الوطني للمرأة التونسية وفي لقاءات أخرى مع ممثلات جمعيّة النساء التونسيات للبحث حول التنمية أو ممثلة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.

وأضافت أيضًا "لم تشذّ عن الطرح مسألة المساواة في الميراث بين الجنسين، وهي مسألة خلافية خلقت جدالًا إيديولوجيًّا في بلادنا وكان فيها النموذج الكردي مثالاً يحتذى به، وكان الإجماع على أنّ تكاتف الجهود ورصّ الصفوف بين المنظمات النسائيّة الفاعلة في المنطقة، هو الضامن للتغلّب على العقليات الأبوية الرجعية ولتغيير القوانين وتغيير الواقع، من أجل تكريس الحقوق العامّة والفرديّة وإرساء الحرية والديمقراطيّة والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانيّة والمساواة الفعليّة.

المهمّ في تحديد الرؤية وأساسها الخطة الاستراتيجيّة والأهداف النوعيّة والمرحليّة التي يجب الاتفاق عليها باعتبار الأولويات. فالمتابعة الدائمة للأوضاع والمستجدّات يمكن أن تجرنا في كلّ مرّة إلى تحديد هدف مرحلي مشترك، نسعى فيه إلى جعل التحركات والشعارات والبيانات وعمليات الضغط والاقتراح متناغمة في الزمان، متوزعة على المكان".

'زيارة الوفد الكردي مثلت نقطة الضوء أنارت الأذهان '

وقالت الحقوقية سلوى قيقة أيضًا "زيارة الوفد الكردي قد مثّلت نقطة ضوء أنارت الأذهان بخصوص حقّ الأقليات في منطقة يريد لها البعض، بحكم مواقفهم الإيديولوجيّة، أن تقضي على التنوع والثراء الفكري والثقافي وتحصره في مكوّن واحد يسمي كامل المنطقة بأنها "العالم العربي الإسلامي".

لذلك، فإنّ زيارة بعض المواقع في مدينة قرطاج وغيرها، فتحت المجال لإثارة العمق التاريخي والتنوع الحضاري والثقافي للبلدان وللعلاقات المتأصلة بين الشعوب منذ عصور ما قبل الميلاد، وهو دافع أساسي لاعتبار انتمائنا إلى الإنسانيّة وتمسّكنا بمبادئ حقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها، وهي المبادئ التي طالما نادى بها القائد الكردي عبد الله أوجلان الذي بُـثّت مواقفه ضمن بعض النقاشات بخصوص النظام الفيدرالي وقدرته على وحدة الأوطان مع احترام الخصوصيات والتنوع والاختلاف، وكلنا أمل في إطلاق سراحه وسراح جميع المعتقلين من المناضلات والمناضلين من الكرد، ولعلّ في توحيد وإعلاء أصواتنا وتوجهنا إلى الاتحادات والمنظمات الأمميّة ما يساهم في تحرير ضحايا الاستبداد والتسلط".

وأضافت "طالما أثيرت في النقاشات عبارة دافعة إلى الشعور بوجود قضية مغمورة في بلداننا وبدأت تتسرّب إلى الوعي حين يتمّ الربط بين القضية الفلسطينية والقضية الكردية، فنتذكّر ما ورد ضمن بيان 2014 الصادر في لقاء ديار بكر/ آمد بخصوص: "فلسطين المحتلّة وكردستان المنسية". فلعلّ تكرّر الربط بين القضيتين يساهم في التحجيم لمنزع القومية العربية التي غالبًا ما تقف حاجزًا أمام حقّ الشعب الكردي في إثبات الذات وتقرير المصير".

واختتمت الحقوقية تونسية سلوى قيقة حديثها قائلة: "إنّ زيارة الوفد الكردي إلى تونس فتحت مسلكًا جديدًا في مسار الحقوق الإنسانية المتعثّرة، ولا شكّ أنّ التعثرات عديدة، لكنّ قصص النجاحات كثيرة، ولتكن لنا من الفطنة، في إطار التعاون والعمل المشترك، ما يمكّننا من الاستثمار في التجارب الناجحة في جميع المجالات التشريعيّة والاجتماعية والثقافية والسياسية، علّنا نساهم من مواقعنا في تحقيق الهدف الاستراتيجي الذي أعلنا عنه في لقاء 2014 بديار بكر: "ليكن القرن الواحد والعشرون قرن إلغاء كلّ أشكال التمييز، وتحقيق المساواة بين النساء والرجال وبين الفئات والجهات".

(س و)

ANHA