​​​​​​​حالة المجتمع الذي يستحق المأساة- رؤوف قره قوجان

لقد سئم معظم المجتمع التركي من فاشية حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية. إذ أنّ الجميع مستاءٌ منهما. ففي اليوم الذي وصل فيه حزب العدالة والتنمية إلى السلطة بدأت المصائب تسقط كحجارةٍ من السماء فوق رأس المجتمع. لقد أدرك البعض ذلك سريعاً. أمّا البعض الآخر فلم يرَ تلك الحجارة والمصائب إلّا بعد فوات الأوان فقد كانت حالتهم أشبه بذاك الضفدع الذي لم يدرك غليان الماء إلّا بعد احتراقه.

كانت حركة التحرر الكردستانية هي أول من أدرك أنّ حكومة حزب العدالة والتنمية تخفي نهجها وتصورها الحقيقي. وتعدّ قفزة الأول من حزيران عام 2004 التي تقرر فيها خوض المقاومة ضد سلطة حزب العدالة والتنمية الفاشية أوضح مثال على هذا. وانكشفت خطاباتهم المبينة على الأكاذيب مع مرور الوقت. وقد كان حزب العمال الكردستاني هو الذي كشف الوجه الحقيقي لحزب العدالة والتنمية منذ البداية وقام بفضحه. إلّا أنه وللأسف لم تُقيّم جيداً تحليلات القائد آبو حول المجتمع وتحذيراته ومقترحاته وتوجيهاته للحل.   

ولو أمعن المرء النظر في ملاحظات اللقاءات في إمرالي لرأى أنّه تم توقّع الوصول إلى هذه الأيام منذ ذلك الحين. هذا ليس تنبّؤاً بل بُعداً في النظر وتحليلاً جيداً جداً للظروف المحيطة والشروط السائدة ومعرفةً تاريخيةً لا مثيل لها، وقراءةً سياسيةً جيدة، وتحليلاً جيداً للحداثة الرأسمالية وأنظمة الدول القومية. كل هذا كان عبارة عن دعوةٍ للشعوب التركية، الأطراف السياسية وحتّى الحكومة وجميع مَن يعيش ضمن هذه الجغرافية.

في نظام التعذيب في إمرالي بدأوا بفرض ظروف عزلةٍ مشدّدة على القائد آبو، وقاموا في الوقت نفسه بوضع مخططات إبادة الكريلا. وقد جاء الدور الآن على أولئك الذين تجاهلوا ما كان يقوله القائد آنذاك ولم يعد المجتمع قادراً حتّى على التنفس. بدأ الجوع، وازدادت معدلات الفقر وانتحار العاجزين بشكلٍ كبير. وقد حدّد الديكتاتور أردوغان طريقه بقوله: "هذه ما زالت أياماً جيدة". وجاء الآن وقت الأيام السيئة. إذ يتطاولون على الخصوصيات الاجتماعية عشوائياً وبشكلٍ لا مسؤول.   

وأولئك الذين تجاهلوا الأحداث التي تجري في الجغرافية الكردية وكانوا غير مبالين حيالها بدأوا الآن بأنفسهم البكاء والشكوى واللوم. أولئك الذين لم يستمعوا إلى نصائح الكرد يشتكون من المصائب التي حلّت على رؤوسهم فقط. هذا الموقف غير كافٍ لوقف الفاشية. فالسلطة الفاشية ازدادت عدوانية وهجومية. إذ بدأت بالتدخل المباشر في نمط حياة المجتمع.  

سعوا جاهدين لبناء مجتمع فاسدٍ ومنحل. إذ تُمارس هندسة اجتماعية بهذا الصدد. تصاعدت حدّة التعصب الديني في عهد حزب العدالة والتنمية. فقد جعلوا من تركيا مركزاً لأكثر الجماعات الإسلامية الإرهابية رجعيةً في الشرق الأوسط. ويستلزم بناء حياة تتماشى مع الشريعة الإسلامية المتطرفة بالنسبة لهم الهجوم على الفن والفنانين. ويعدّ حظر الموسيقا أبرز مثالٍ على ذلك. انهار النظام البيئي للبلاد ولم يعد بمقدور أحد المناقشة أساساً. ورغم كل هذا التدمير للطبيعة إلّا أنّ ذلك لا يقابله سوى بعض الأصوات الخافتة. وبسبب تغيّر أهداف المجتمع فقد وضع الضيق الاقتصادي الناس في أصعب الأوضاع. 

تعتبر جميع الأطراف المعارضة بأنّ تركيا تسير نحو الانهيار. هذه الرؤى صحيحة إلى حدٍّ ما لكنها ناقصة، كما أنّ أساليب النضال أيضاً خاطئة. لن يتوصّلوا إلى أي حلّ حتّى يتخلّوا عن الإصرار على أنّ الشعب الكردي هو من أوصل تركيا إلى هذا. وهم لا يزالون بعيدين عن حقيقة المشكلة. وتوقع شيءٍ من المعارضة هو توقّع عقيم. ففي تركيا التي تتجّه نحو الانتخابات أصبحت الحكومة أكثر استبداداً، ولا يزال موقف المعارضة من حلّ القضايا الرئيسة غير واضح. وطالما لا يتم حلّ القضية الكردية في تركيا، فسوف يقحمون المجتمع في وضعٍ يستحق فيه المأساة الحالية.

تسعى السلطة الفاشية إلى تربية المجتمع بالتجويع وتسخّر الموارد الاقتصادية للحرب. تهاجم حركة التحرر الكردستانية وتسعى لاحتلال روج آفا. وطالما لا تقف الشعوب التركية في وجه هذه الهجمات فإنّها ستزداد فقراً وسيزداد لديها الفساد والانحلال. لا تتحرك الأطراف الراديكالية المعارضة بالشكل الكافي. فهم يكتفون فقط بالصراخ والشكوى عندما يحين دورهم، وهذا غير كافٍ. ولا يحقّق النضال أي نتيجة لانعدام النضال المشترك، وعدم القيام بتوحيد القوى والتركيز على الهدف الأساسي.

إذا كانت الحكومة لا تكفّ عن شنّ الحروب وإراقة الدماء وارتكاب المجازر فالأمر الوحيد الذي يجب القيام به حينها هو القضاء على مواردها. ومنع الحرب. لن يتمكّنوا من التخلّص من فاشية حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية هذه، حتّى تتوقّف هذه الحرب المسبّبة للفقر.

يجب إدراك أنّ السلطة الفاشية لحزبي العدالة والتنمية ستقوم بكل أنواع الشرور للحفاظ على نفسها. علينا أن نعلم أنّ عشرات الأشخاص يتعرضون للاعتقال والاعتداء والتعذيب يومياً، وأنّهم لن يكتفوا بالقيام بهذا فحسب. إنّ انطلقت حقبةٌ كالتي سبقت انقلاب الـ 12 من أيلول عام 1980 التي كانوا يحاولون فيها إثارة استياء المجتمع ثم بعد ذلك اعتقال أفراده، فلن يكون هذا تنبّؤاً.