​​​​​​​في ذكرى انطلاق الأزمة.. القوى الخارجية تبحث عن مصالحها والسوريون بدون حلول

أحد عشر عاماً وخريطة الصراع في سوريا تتغير كمسلسل درامي أجزاؤه غير محددة. حكومة تسعى بشتى الوسائل إلى البقاء في الحكم، ومجموعة مرتهنة للخارج أصبحت بيدقاً للقتال من أجل مصالح تركيا في مختلف أصقاع العالم. مسارات ومفاوضات ومباحثات بين الخصوم والحلفاء لمناقشة مصالحهم، ولكن وسط هذا الظلام الدامس تمثل مناطق شمال وشرق سوريا بقعة الضوء المنيرة.

أحد عشر عاماً والمواطن السوري يرزح تحت الحرب والدمار، لا لشيء، فقط لأن مصالح قوى عالمية وإقليمية لا تزال ترسم مخططاتها على حساب الشعب السوري، تبيع وتشتري مصالحه في بازارات السياسة الدنيئة.

وفي هذا التقرير سنلخص مسار الأزمة السورية بشكل مقتضب، منذ انطلاقتها عام 2011 وحتى دخولها عامها الثاني عشر.

الجنوب وشرارة الأحداث

على وقع الأحداث في تونس ومصر، أمل الشعب السوري في اللحاق برياح ما يسمى الربيع العربي، لتنطلق ثورته في 15 آذار عام 2011 من الجنوب السوري التي كانت حادثة إقدام بعض الأطفال في محافظة درعا على كتابة عبارات مناوئة لحكومة دمشق مجرد أعواد ثقاب أشعلت الحطب الذي ظل يتيبس منذ أكثر من 40 عاماً، إلا أن الأمر تحول إلى حرب أهلية لم تنته رغم أنها تدخل عامها الثاني عشر.

وسرعان ما توسعت هذه التظاهرات، إذ شهدت مدينة حمص وريف دمشق تظاهرات ضخمة تم مواجهتها من قبل قوات حكومة دمشق بالعنف، ما أدى إلى سقوط عدد من الضحايا، ودخل الحراك السوري مرحلة جديدة تلوّح بالدموية، بعد دخول قوات حكومة دمشق إلى مدينة حمص وسقوط المزيد من الضحايا.

تصاعد العنف وأحداث مفصلية

مع بداية عام 2012، تصاعد العنف بعد رفض حكومة دمشق مبادرة الجامعة العربية لحل الأزمة في سوريا والتي تضمنت تشكيل حكومة وطنية على أن يسلم بشار الأسد لاحقاً كامل صلاحياته إلى نائبه بالتعاون مع هذه الحكومة لإنهاء الأزمة.

غير أن حكومة دمشق، وفي آذار/ مارس من العام نفسه، وجهت ترسانتها العسكرية إلى حمص وهاجمت حي بابا عمرو وأعلنت السيطرة عليه بعد قتال عنيف استمر قرابة 26 يوماً، فيما أعلن العقيد رياض الأسعد قائد ما يسمى الجيش السوري الحر أن جنوده نفذوا انسحاباً “تكتيكياً” من الحي بعد أن حل فيه الدمار وسقط العديد من الضحايا.

وفي شهر تموز/ يوليو، أخذت الأزمة السورية منعطفاً آخر بعد أن أعلن تلفزيون حكومة دمشق مقتل كل من وزير الدفاع داوود راجحة ونائبه آصف شوكت، وحسن تركماني معاون نائب رئيس الجمهورية في تفجير استهدف مبنى الأمن القومي السوري في حي الروضة بدمشق.

استمرار للعنف وزيادة توافد الإرهابيين عبر الحدود التركية

شهد عام 2013 استمراراً للاقتتال العنيف بين المجموعات التي تلقت الدعم من دول إقليمية في المنطقة، وفي مقدمتها تركيا وقطر، وأطلقت على نفسها اسم المعارضة من جهة، وقوات حكومة دمشق من جهة أخرى، كما تنامت بشكل كبير أعداد الجماعات الإرهابية، وأعداد المرتزقة الأجانب الذين توافدوا من مختلف الدول ودخلوا عبر الحدود التركية إلى الأراضي السورية.

وعن هذه المرحلة الزمنية من عمر الأزمة، قال المعارض السوري والمنسق العام لتيار اليسار الثوري في سوريا، غياث نعيسة: "أغلب الثورات الكبرى في التاريخ الحديث هُزمت، ولكن على الرغم من هزيمتها تبقى آثارها متفاوتة وطويلة الزمن بمعنى أنها تغيّر عميقاً في مسار البلدان والمجتمعات المعنية وتقلبها رأساً على عقب".

وأضاف: "بالنسبة للذكرى الحادية عشر للثورة السورية ومسارها، فقد تميزت من جهة في البدايات بمشاركة واسعة من الشعب السوري في كل أماكن وجوده مطالبة بالحرية والعدالة والعيش الكريم والكرامة والمساواة. مطالب عظيمة ومهمة حملتها جماهير شعبية والشباب السوري خلال الأشهر الأولى للثورة ولكن من جهة قمع النظام وعنفه وقتله لأفضل المناضلين والقادة لهذه الثورة من جهة، وأيضاً غياب قيادة سياسية؛ لأن سوريا كانت مصحّرة سياسياً بسبب النظام الاستبدادي، وممنوعة من العمل السياسي والمعارضة والعمل الثقافي والاجتماعي وغير ذلك".

وأوضح نعيسة أنه كان "هناك تصحر في الواقع السوري خلال أكثر من ٥٠ عاماً من الحكم الاستبدادي، فغياب القيادة السياسية الوطنية والثورية للثورة أضعف من قدراتها على مواجهة العنف الفظيع من قبل هذا النظام، ومن جهة أخرى تدخّل القوى الإقليمية وبعض القوى الدولية التي دفعت بمسارات أخرى تخدم مصالحها، وليست مصالح الشعب السوري، وبالتالي، فنحن منذ عام ٢٠١٢ و٢٠١٣، لاحظنا هيمنةً لقوى ما تسمى الثورة المضادة الرجعية والدول الإقليمية على حساب القوى الثورية في الثورة السورية، وصولاً إلى هزيمة في أغلب المناطق باستثناء شمال وشرق سوريا".

وفي أيار/ مايو من نفس العام، سيطرت قوات حكومة دمشق وعناصر من حزب الله على مدينة القصير الاستراتيجية في ريف حمص، بعد 18 يوماً من القتال العنيف.

وشهد شهر آب / أغسطس، أحد الفصول الأكثر إيلاماً في الأزمة السورية، حيث سقط مئات الضحايا من سكان الغوطة الشرقية بعد استنشاقهم لغازات سامة ناتجة عن هجوم بغاز الأعصاب، بعد ثلاثة أيام من وصول بعثة المفتشين الدوليين إلى دمشق.

وعلى الرغم من ما حققته المجموعات المسلحة من تقدّم على حكومة دمشق ودخولها العديد من المدن، إلا أن دمشق غيّرت من استراتيجيتها وخططها؛ هرباً من الاستنزاف، مُركّزة سيطرتها على المدن الاستراتيجية ذات الأهمية والتي سميت "سوريا المفيدة" لكن الدعم الإيراني وإرسال المجموعات الشيعية، ومن بينها حزب الله اللبناني، وكذلك تنامي المجموعات الإرهابية مثل جبهة النصرة وداعش، شكل عبئاً مضافاً على الحراك في سوريا مما خلط الأوراق وجعل المشهد يبدو ضبابيّاً.

وفتحت تركيا مطاراتها لاستقبال الإرهابيين من كافة أنحاء العالم وسهلت عبورهم إلى الأراضي السورية، كما حولت حدودها إلى معابر يتدفق منها السلاح إلى الإرهابيين والمرتزقة في سوريا، وقدمت كافة أشكال الدعم المادي والمعنوي والطبي لهم. أما إيران فحشدت الشيعة أينما كانوا، وأرسلتهم إلى سوريا للقتال إلى جانب حكومة دمشق.

وفي هذا السياق، قال نعيسة: "إن تدخل بعض القوى الإقليمية والدولية وتركيا بشكل خاص، كان هدفه مثل النظام تحديداً في جهة منه، بمعنى منع انتصار ثورة شعبية عميقة جذرية وتدعو إلى الديمقراطية وتغيير سياسي واجتماعي عميق في منطقة حساسة جداً، وانتصار هذه الثورة في سوريا كان يعني انقلاباً عميقاً وجذرياً وواسعاً في النظام الإقليمي القائم هناك على حساب حكومات ومصالح أنظمة قائمة لا علاقة لها بمصالح الشعوب وأهدافها والتحرر والمساواة".

وأضاف: "بالتالي، مشاركة هذه القوى والدول الإقليمية والدولية هدفها منع قيام نظام جديد وشعبي وديمقراطي وثوري في سوريا، بشكل أساسي، ومن جهة أخرى توسيع مناطق نفوذها ومصالحها في المنطقة الحساسة من العالم، يعني شرق المتوسط ودور تركيا، التي هي جارة لسوريا، بالتأكيد كان فاعلاً أكثر من غيره على صعيد الميدان؛ لأنه من أجل تعزيز نفوذها في سوريا استندت بشكل أساسي على أكثر القوى رجعية وتخلفاً وجهادية من قوى الثورة المضادة وكان له تأثير سلبي جداً في إجهاض الثورة الشعبية في سوريا".

داعش يحتل بشكل متسارع

ونتيجة للصراعات الدولية والإقليمية واستخدام الشحن الطائفي والقومي في المنطقة كوسيلة لتجنيد المسلحين، احتل مرتزقة داعش صيف 2014، مساحات كبيرة من سوريا والعراق، إذ احتل في بداية شهر حزيران مدينة الموصل العراقية، وفي الشهر نفسه، مدينة الرقة وأعلنها عاصمة لخلافته المزعومة في 29 حزيران.

كما احتل داعش الغالبية العظمى من محافظة دير الزور، بالإضافة إلى وجوده في كل من حلب، وإدلب، وحماة، وريف دمشق وعدد من المناطق السورية الأخرى، وبذلك بات يحتل ما يقارب نصف مساحة سوريا.

قوات دمشق تنهار

وانهارت قوات حكومة دمشق عام 2014، كما تقدمت المجموعات المسلحة التابعة للقوى الإقليمية، وخاصة مرتزقة جبهة النصرة وبعض المجموعات التابعة للإخوان المسلمين المدعومين من تركيا وقطر، واحتلت مساحات كبيرة من حلب، وإدلب، وحماة، ودرعا، وحمص، والقنيطرة.

وانحصر وجود قوات حكومة دمشق في المدن الرئيسة فقط، في حين كانت وحدات حماية الشعب والمرأة قد حملت على عاتقها مهمة الحفاظ على مقاطعات الإدارة الذاتية الثلاث التي أعلنت في روج آفا في كانون الثاني 2014 والمتمثلة في مقاطعات الجزيرة وعفرين وكوباني.

وقال المعارض السوري غياث نعيسة: "منذ تمور ٢٠١٢، هناك صيرورة أخرى حافظت على قيم الثورة وقيم التقدم والتحرر في سوريا، فهذه هي الحالة الآن في الوضع السوري، مسار الثورة السورية تفاوت في الأحوال، يعني أن هناك هزيمة للثورة السورية، ولكن كل دوافعها وكل مطالبها وكل ما قامت عليه ما يزال فاعلا وحياً، ووجود شمال وشرق سوريا والتجربة الدائرة فيها وأيضاً القوى الديمقراطية واليسارية الموجودة في المناطق السورية الأخرى، توضح أن أهداف الثورة ودوافعها والحاجة إلى التغيير العميق الديمقراطي والاجتماعي في سوريا ما يزال قائماً".

روسيا تتدخل لمنع سقوط حكومة دمشق

ونتيجة لتدهور حكومة دمشق، على الرغم من الدعم الإيراني ووصول المجموعات المسلحة إلى وسط العاصمة دمشق واقترابها من القصر الجمهوري، تدخّلت روسيا ووقّعت اتفاقاً مع دمشق في آب / أغسطس 2015، يمنح الحق للقوات العسكرية الروسية باستخدام قاعدة حميميم في كل وقت من دون مقابل، ولأجلٍ غير مسمى، وابتداءً من أيلول / سبتمبر 2015، عززت روسيا حضورها العسكري في سوريا.

القوات الأميركية رسمياً في سوريا

بحثت الولايات المتحدة الأميركية منذ بداية الأزمة السورية عن فصائل سورية مسلحة، وقامت باختبار بعض المجموعات المسلحة، ففي الـ 4 من آذار/ مارس وصلت مجموعة من 50 مقاتلاً مزودين بجميع أصناف الأسلحة الحديثة من اللواء 51 بعد تلقيهم تدريبات ضمن إطار البرنامج الأميركي لتدريب "المعارضة المسلحة" إلى سوريا، عبر معبر باب السلامة في مدينة إعزاز، ولقي أفراد هذه المجموعة وخلال أيام معدودة مصرعهم، فيما فرّ آخرون وسلموا أنفسهم لمرتزقة داعش مع أسلحتهم.

إلا أن الإدارات الأميركية كانت تراقب جدارة وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة في محاربة داعش؛ لذا وبعد الإعلان عن تشكيل التحالف الدولي المناهض لداعش عام 2014، اضطرت قوات التحالف الدولي لتقديم الدعم الجوي لوحدات حماية الشعب والمرأة، وخاصة في معركة كوباني في أيلول عام 2014، ليستمر هذا الدعم فيما بعد حتى إعلان تشكيل قوات سوريا الديمقراطية وإلى الآن.

وحررت قوات سوريا الديمقراطية عموم شمال وشرق سوريا من داعش، وأبرز المناطق التي تم تحريرها هي منبج والرقة ودير الزور وصولاً إلى الباغوز. حيث تم الإعلان عن القضاء على الخلافة المادية لداعش.

بعد العداء والقطيعة.. تركيا وروسيا شركاء في أستانا

بعد أن تم القضاء على داعش ونشوء قوة ديمقراطية متمثلة بالإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا تخلت تركيا عن غطرستها وعدائها مع روسيا والذي تزايد بعد إسقاط تركيا في 24 تشرين الثاني من عام 2015، طائرة حربية روسية من طراز سوخوي- 24، وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن الطائرة الروسية أسقطت فوق سوريا على بعد 4 كيلومترات من الحدود مع تركيا. ووصف إسقاط الطائرة بأنه "طعنة في الظهر من شركاء الإرهابيين".

وبعد قطيعة استمرت أكثر من نصف عام، وصف خلالها حكومة دمشق وداعميه في إشارة إلى الروس بالمجرمين، اعتذر الرئيس التركي عن إسقاط الطائرة وأعرب عن حزنه، وبذلك انحاز أردوغان إلى جانب الروس وأراد تحقيق أطماعه في سوريا من البوابة الروسية، فيما سعت روسيا لاستغلال تركيا لإيقاف الدعم المقدم للمجموعات التابعة لها الأمر الذي سيمكنها من تقوية حكومة دمشق.

وفي نهاية عام 2016، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من اليابان أنه اتفق مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول محادثات السلام السورية، وقال إنهما اتفقا لاستمرار المحادثات في العاصمة الكازخية الأستانا.

سبع عشرة جولة من أستانا عقدتها هذه الدول (روسيا – تركيا – إيران) بدءاً من 23 – 24 كانون الثاني 2017 حتى 21 كانون الأول/ ديسمبر 2021، لمناقشة أزمة السوريين دون حضور أصحاب الأزمة، إلا أن أهداف النقاشات ونتائجها كانت واضحة، وهي استمرار التفاهمات الروسية – التركية، ليس إلا.

جولات متتالية طغى عليها أسلوب الصفقات والبازارات السياسية، فكان يسبق كل جولة من أستانا جولة تصعيدٍ على الأرض، يستثمرها الرابح في طاولة المفاوضات التي تنتهي بتبادل النفوذ في المناطق السورية.

واستغلت تركيا هذا الاتفاق من أجل احتلال عفرين وسري كانيه وكري سبي وأجزاء من أرياف إدلب واللاذقية وحلب، في المقابل مكّنت روسيا حكومة دمشق من السيطرة على مناطق سورية واسعة.

وحول ذلك، قال نعيسة: "أستانا هي منصة للدول الثلاث الفاعلة في الوضع السوري روسيا وتركيا وإيران، لتنظم خلافاتها في سوريا من جهة، وأيضاً لتنظم تقاسم مصالحها ونفوذها في سوريا. هذه الأمور جرت وتجري على حساب مصالح الشعب السوري، وبالتالي ليس لها دور آخر سوى المحافظة على تقسيم سوريا الجاري والمحافظة على نفوذ هذه الدول في سوريا مهما كان الثمن، إن كان الإبقاء على سوريا مقسمة أو عذاب الشعب السوري أو معاناته، هذا الأمر لا يعنيها، وبالتالي هذا المسار هو مسار مناهض ومعادي تماماً لمصالح الشعب السوري في حياة كريمة وفي سلام وإعادة توحيد بلاده المقسمة اليوم".

اجتماعات ومنصات لبيع الوهم للسوريين

وتعددت المبادرات الدولية بشأن التسوية السياسية للصراع في سوريا دون أن تسفر أي منها عن حلّ سياسي، ومن ثم فإن بقاء الصراع واستمراره حتى تتبلور وتنضج عوامل التسوية السياسية أصبح أمراً واقعاً يعكسه تعامل القوى الكبرى مع الأزمة.

ولم تتمكن محادثات جنيف التي تخلى خلالها كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي وستيفان دي مستورا كمبعوثين للأمم المتحدة عن مهامهم ليتسلم فيما بعد غير بيدرسن المهمة التي لم تتوصل إلى نتائج ملموسة حتى الآن، على الرغم من أن كل جولة تنتهي بجملة من القرارات لا تطبق على أرض الواقع. حيث بدأت الجولة الأولى في 30 حزيران 2012 بناء على دعوة المبعوث الأممي إلى سوريا كوفي عنان ومجموعة العمل من أجل سوريا، ولكنها فشلت لعدة أسباب أهمها عدم دعوة ممثلي الشعب السوري واختلاف الأطراف المعنية بالأزمة على تفسير بنود الاتفاق.

كما عقد مؤتمر سوتشي للحوار السوري في 30 كانون الثاني 2018، وسط مقاطعة غربية وعدد من الأحزاب والكيانات السياسية الفاعلة على الساحة السورية، وبحضور عدد من ممثلي المجموعات المرتزقة المرتبطين بتركيا وممثلي حكومة دمشق.

وبعد أكثر من عام ونصف العام على المشاورات، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في الثالث والعشرين من أيلول / سبتمبر 2019، تشكيل ما تسمى اللجنة الدستورية التي تقرر تشكيلها في مؤتمر سوتشي برعاية روسية تركية وإيرانية، وتحولت جنيف إلى مقر لاجتماعات ما تسمى اللجنة الدستورية.

وفي 22 تشرين الأول 2021، اختتمت اللجنة الدستورية أعمال جولتها السادسة دون تقدم في أعمالها، في خطوة وصفها المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن بـ "محبطة للغاية".

وفي هذا السياق، قال نعيسة: "مسار جنيف وهيئة التفاوض واللجنة الدستورية وغير ذلك من الأشكال التي فرضتها الدول الكبرى والإقليمية، ليست سوى منصات لتسويق الوقت والمماطلة وساحات لرمي الناس بالوهم بأن هناك شيء ما يجرى لحل القضية السورية، هذه المنصات ليست شيئاً آخر سوى ساحات تقرر فيها الدول المعنية الكبرى ما يجب أن يكون عليه الوضع في سوريا. تتفاوض فيما بينها وتقرر ما تشاء وعلى المشاركين السوريين فيها أن يوقعوا في نهاية المطاف في حال توافقت هذه الدول الماسكة بهذه المنصات فيما بينها".

وأضاف: "بالتالي لا قيمة لهذه المنصات كلها في حل القضية السورية وإعادة الكرامة والحرية للشعب السوري، هذه منصات للدول الإقليمية والدولية فحسب؛ لترسيخ مصالحها وحل خلافاتها فيما بينها، ولا علاقة لها بالقضية السورية والشعب السوري ولا بمصالحه إطلاقاً".

شمال وشرق سوريا.. بقعة ضوء وسط محيط مظلم

وبعد أن تم سرقة الثورة من الشعب السوري؛ نتيجة تسليم ما تسمى المعارضة السورية قرارها للقوى الإقليمية وخصوصاً تركيا، عانى السوريون المآسي نتيجة الحرب والدمار والحصار، ولم تستطع كل هذه الاجتماعات التي شارك فيها من يطلقون على أنفسهم المعارضة، أن تجد حلاً للأزمة التي يعيشها هذا الشعب، لكن بقعة الضوء كانت في شمال وشرق البلاد.

ففي هذه البقعة الجغرافية، كان هناك مسار مختلف، حيث تم تشكيل قوات عسكرية تتخذ من مبدأ الدفاع المشروع أساساً لها، ودافعت عن أراضيها في وجه هجمات مرتزقة داعش وجبهة النصرة ومرتزقة تركيا، وحررت مساحات شاسعة من الإرهاب، وتزامنت هذه الانتصارات مع عمل مؤسساتي مكثف تم خلاله إنشاء إدارات ذاتية ومدنية للمناطق المحررة تتشارك فيها كافة شعوب المنطقة ووضعت قوانين تنظيم كافة مفاصل الحياة بناء على التنوع السكاني وخصوصية كل منطقة.

ويجري الآن إعداد عقد اجتماعي جديد يناسب ويلائم التطورات الاجتماعية والسياسية في المنطقة.

وحول ذلك، قال المعارض السوري: "أنا واثق أن تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا هي تجربة فريدة ما سمح بولادتها هي الثورة السورية، إنها الابن الشرعي للثورة السورية الشعبية العظيمة هذا من جهة، من جهة أخرى بخلاف ما حصل في كل المناطق الأخرى حيث هُزمت القوى الثورية نجد هنا مشروع تقدمي يجري في شمال وشرق سوريا وهو الإدارة الذاتية".

وأضاف: "هذه التجربة للأسف طبعاً تجري في شروط قاسية وصعبة جداً، بمعنى أن هناك قوى معادية عديدة، مثل تركيا، بالإضافة إلى الخلاف بين الدول الكبرى في المنطقة، النظام وتهديده الدائم لها، إقليم كردستان العراق الذي يغلق الحدود أحياناً، العقوبات المفروضة على سوريا، مسائل داعش ومخاطر الإرهاب، تأمين الحياة الكريمة للناس هناك، بالتالي تتم هذه التجربة في ظروف جداً قاسية".

وأردف: "طبعاً تقييمنا لها إيجابي جداً وتضامني وفي الوقت نفسه، نعتقد أن عليها على الرغم من الظروف الصعبة التي تعيشها أن تطور هذه التجربة لتتحول إلى نموذج جذاب للسوريين عموماً على صعيد المشاركة الشعبية والسياسية وعلى صعيد السياسات الاقتصادية والاجتماعية ونموذج الحوكمة فيها، هذا مشروع جبار يجب على كل السوريين المساهمة من أجل تطويره وإنجاحه".

العين على السويداء

وعلى الرغم من حديث حكومة دمشق وروسيا عن فرض الاستقرار في كامل مناطقها، شهدت محافظة السويداء جنوب البلاد، مظاهرات لا تزال مستمرة كل يوم جمعة ترفع مطالب سياسية ومعيشية وخدمية.

وحول إمكانية تطبيق نموذج الإدارة الذاتية في المناطق السورية الأخرى، قال نعيسة: "في الوقت نفسه، الشروط التي سمحت بإقامة مشروع الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا ليست بالضرورة أن تكون متوفرة في عموم المناطق السورية الأخرى، ولكن إن ما يجب أن نناضل من أجله بالاستناد والارتكاز على مشروع الادارة الذاتية لشمال وشرق سوريا هو بناء نظام ديمقراطي جديد في سوريا يقوم على التعددية واللا مركزية، هذا هو المشروع الاستراتيجي لكل الديمقراطيين السوريين واليساريين السوريين الذي لا يمكن بناؤه إلا بالاستناد والارتكاز على تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا".

مسار الأمور في المرحلة المقبلة والمطلوب من السوريون

المعارض السوري حاول استقراء مسار التطورات السورية خلال الفترة المقبلة، قائلاً: "إذا بقيت الأمور على حالها، فهذا يعني أن الدول الإقليمية في أستانا والدول الكبرى تتصرف وكأنها مالكة لمسار الأمور في سوريا ولكن ما يزال حتى الآن عامل مهم، لكنه ضعيف. بمعنى حتى الآن لم نعرف كيف نحشد عوامل القوة لدينا نحن السوريين لكي نستعيد الإمساك بمصيرنا وحقنا بتقرير مصيرنا وحقنا في رسم مستقبل شعبنا وبلادنا".

وأوضح في هذا السياق "من عوامل القوة هذه التي أراها ويجب العمل عليها وتعزيزها هي أولاً، مشروع الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، يجب الارتكاز عليه من قبل كل القوى والشخصيات الديمقراطية السورية عموماً والاستناد إلى هذا المشروع ودعمه وأيضاً دعم الإدارة الذاتية لهذه القوى والشخصيات الديمقراطية واليسارية في عموم سوريا".

وأضاف: "من جهة أخرى علينا أن نشكل الكتلة الديمقراطية المهمة والوازنة التي تشمل أغلب القوى والشخصيات الديمقراطية واليسارية الثورية على أساس برنامج واضح يرسم مستقبل سوريا وفق ما نريده، وأيضاً على أساس برنامج عملي، وكيف نصل إلى ذلك بتوحيد طاقاتنا، حينها نصبح وزناً نوعياً في المعادلة القائمة في المنطقة وسوريا ولا يمكن في هذه الحالة إغفال دور السوريين في رسم مستقبل بلادهم وشعبهم وهذا ما يجب العمل عليه ليل نهار".

واختتم المعارض السوري والمنسق العام للتيار اليسار الثوري في سوريا، غياث نعيسة، حديثه قائلاً: "يجب بناء قيادة سياسية وطنية ثورية في سوريا، إنها ما يفتقر له السوريون، وهذا ما نفتقره حتى الآن".

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً