​​​​​​​في باشور كردستان...السجن مصير من يطالب بحقه ويناهض الاحتلال

كان بمثابة أكبر حلم تحقق في باشور كردستان حينما حصد الشعب نتاج ثوراته والمتغيرات التي حصلت في العراق إبان حرب الخليج الأولى والثانية، ولعل التوق إلى الحرية أكبر ما دفعه (الشعب) إلى قيادة انتفاضة آذار 1991، ليحقق نصرًا على النظام البعثي البائد و يعيش حريته المنشودة، إلا أن الكثير من أبناء هذا الجيل في إقليم باشور كردستان العراق صفعتهم الصدمة حين رأوا انهم أصبحوا ضحية رأيهم وتعبيرهم وتوجهاتهم السياسية فيكون مصيرهم السجون، وليصل بهم الحال أن يتساءلوا "كنا قد انتفضنا على النظام البعثي و انتصرنا عليه من أجل الحرية، وها نحن نواجه القمع في ظل حكومتنا لمجرد أننا نتظاهر من أجل المطالبة بحق العيش الكريم أو بطرد الاحتلال التركي، أو بإجراء إصلاحات ومحاربة الفساد".

اقتصاديًّا

وعلى هذا المنطلق يشهد باشور كردستان أزمة مالية منذ الحرب على داعش، حين اعتمدت السلطات على سياسة الاستقلالية الاقتصادية وبيع النفط بشكل مستقل عن بغداد، تفاقمت الأزمة المالية وحالت دون صرف رواتب كاملها ولا بمواعيدها، فيشكو الموظفون، وبطبيعة الحال، أغلب شرائح المجتمع المتأثرين بالرواتب باعتبارها محرك الأسواق، من سوء الأحوال المعيشية، وتأثرهم الشديد بالأزمة، محملين الحكومة مسؤولية تردي الأوضاع بسبب افتقارها لخطط و برامج اقتصادية، حيث قبض موظفو باشور كردستان رواتب 3 أشهر فقط من أصل 8 أشهر من العام الجاري، بعد استقطاع نسبة 21% مما تم صرفه.

بلا شك فإن انخفاض أسعار النفط في العالم هو أحد أسباب الأزمة، لكن هذا في حال إذا كان عمر الأزمة من عمر وباء كورونا، لكن ماذا عن الأزمة ما قبل كورونا؟ هذا ما يجيب عليه خبراء اقتصاديون بتحليل شهير وهو أن البلد الذي يعتمد على مورد اقتصادي وحيد بغض عن شفافية وارداته من عدمها، سيكون مصيره الأزمة، خاصة إذا كانت دول من الجوار تتدخل في شؤون البلد وتسلب قراره على كافة الصعد، كما الحال في جنوب كردستان الذي يعيش تحت وطأة التدخل التركي والإيراني، فجعلاه سوقًا لتصريف منتجاتهما، في حين كان بإمكان باشور إحداث تطور كبير في اقتصاده ذاتيَّا بعمره الذي تجاوز الـ29 عام.

الحديث المقتضب أعلاه عن الوضع الاقتصادي وتبعاته وأسبابه يأتي استكمالًا للقضية اللاحقة التي تخص أوضاع المواطنين حول ما يتعلق بحرية الرأي وحق التظاهر، إذ أن ما ذكر هي بعض العوامل التي دفعت الناس إلى الاحتجاج على السلطات و ليس كلها، فلازال الإقليم يشهد بين الفترة والأخرى احتجاجات أو مظاهرات للمطالبة بمحاربة الفساد و صرف الرواتب واجراء الإصلاحات وتحسين الأحوال المعيشية، لكن ما يواجهه المواطن في الفترة الأخيرة وخاصة في مناطق سيطرة الديمقراطي الكردستاني (هولير ودهوك) هو آلة القمع، فكان الاعتقال نصيب العشرات من المحتجين هؤلاء مثل الأستاذ بلد برواري  وزملاء له في سجون دهوك، لمجرد أنهم دعوا إلى تظاهرة للمطالبة بصرف الرواتب.

الوطنية ومناهضة الاحتلال

قلنا إن ما ذكر ليس إلا بعض العوامل التي دفعت الناس إلى الاحتجاج على السلطات وليس كلها، إذ إلى جانب الاحتقان الشعبي نتيجة الظروف التي يمر بها، هناك خطر أكبر بكثير من الأمور الاقتصادية بغض النظر عن العلاقة الوطيدة بين القطاعين الاقتصادي و السياسي، ألا وهو الاحتلال التركي وما تشهده مدن باشور من فعاليات مناهضة له على عكس موقف السلطات التي تريد منح شرعية للعمليات التركية واحتلالها لأراضي باشور كردستان، وشن هجمات جوية وبرية أسفرت عن سقوط العشرات من الشهداء والجرحى بمناطق متفرقة طالت حتى عمق الأراضي في شنكال ومخيم مخمور، وكلها تحت ذريعة محاربة العمال الكردستاني، علمًا أن الرد الشعبي الذي فنّد هذه الذريعة دخل التاريخ، حين اشتعلت انتفاضة غاضبة في شيلادزي في مطلع 2019 وخلالها دمّر الشبان قاعدة عسكرية تركية، وبالتزامن انطلقت مظاهرات في الكثير من المدن والبلدات للمطالبة بطرد القوات التركية المحتلة، وتكرر هذا الحراك المحتج في منتصف 19 حزيران الفائت في شيلادزي التي انتهى بها الحال لتكون منطقة شبه عسكرية مطوقة بسيطرات أمنية تمنع شعبها من اتخاذ أي موقف ضد تركيا، وبدلًا من أن تنال هذه الاحتجاجات ثناءً من السلطات باعتباره موقفًا وطنيًّا، نال المنتفضون جزاءهم في السجون، فاعتقل منهم العشرات، لتكون بمثابة صدمة أخرى تحت كنف حكومة كردستانية من المفترض أن تقف إلى جانب تطلعات شعبها ،وليس أن تزج في السجن كل من يناهض محتلًا، كما حال الصحفي ابن شيلادزي قهرمان شكري الذي لازال معتقلًا منذ 27 حزيران الفائت، وغيره من الناشطين المدنيين و السياسيين من بينهم كوادر في حركة حرية المجتمع الكردستاني الذين اعتقلوا في حملة نفذتها الأسايش خلال شهر آب الفائت.

حرية التعبير في أدنى مستوياته

واعتقلت سلطات الحزب الديمقراطي الكردستاني العشرات من الصحفيين والناشطين والمدنيين، في مناطق دهوك، وهولير  وزاخو، ما أثار القلق والخوف على مصير آخر أنفاس حرية التعبير، حيث يعبر الصحفيون وخاصة ممن يعملون خارج مؤسساتها الحزبية، عن قلقهم إزاء خنق الحريات وتقييد العمل الصحفي في حدود محافظتهم.

حيث بلغ عدد المعتقلين خلال الحملة التي شنتها السلطات في دهوك خلال الشهر الفائت نحو 50 شخص بينهم ناشطين وصحفيين وآخرون موظفين في القطاع الحكومي، أطلق سراح بعضهم بكفالة، بينما لازال آخرون ينتظرون مصيرًا مجهولًا.

وما يثير الريبة، هو أن عمليات الاعتقال حصلت دون العودة إلى القانون ولا حتى بمذكرة قضائية، ما يعني أن قوة الأسايش والحزب تعتلي القانون والقضاء، فتستهدف كل صوت معارض.

(آ س)

ANHA


إقرأ أيضاً