​​​​​​​في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة.. تسقط كافة أشكال العنف – هيفيدار خالد

العنف ضد المرأة مسار ممنهج عبر تاريخ الإنسانية، تشترك فيه منظومات دينية، اجتماعية، سياسية، والغاية واحدة، ألا وهي تهميش المرأة، وتكبيل جناحيها، وإلغاء دورها من مراكز وعمليات صنع القرار، واستبعادها عن أدوارها الحقيقية التي كانت مخوّلة بها منذ آلاف السنين في المجتمع.

فالمرأة صاحبة موقع اجتماعي ودور ريادي في المجتمع عبر التاريخ، حققت إنجازات كبيرة على الصعيدين الاجتماعي والإنساني؛ من خلال تقديمها العديد من الاكتشافات والتي خدمت البشرية لآلاف السنين، إلا أنه مع سيطرة الرجل على السلطة؛ فقدت موقعها الطبيعي في الحياة وانكمشت مكانتها، وأصبحت عبدة لا حول لها ولا قوة، وخادمة مطيعة، لا تتعدى كونها أداة للمتعة، وعاملة دون أي أُجرة أو مقابل. يُفرض عليها القيام بأصعب الأعمال حتى لو كلّف ذلك حياتها. أمّا ثمن ذلك، فهو الإجبار على أنْ تكون "ناقصة" أكثر قليلاً.

المرأة وصلت لدرجة باتت تَقبل نفسها "ناقصة" في المجتمع، فأخذت تمسك بيد الرجل وسطوته، وأصبحت أرخص أنواع السلع، وما من مجال إلا وقد استخدمت أو استثمرت فيه، نراها في الإعلانات بصور عارية ملصقة على علب الشاي والبسكويت والعلكة وأكياس المنظفات، بالإضافة إلى كونها عنصراً فعالاً في معارض موديلات السيارات الحديثة وسلعة جاهزة لشركات الدعاية والإعلان.

العقلية الذكورية التي تستخدم جسد المرأة في شتى المجالات والأماكن خدمة لمصالحها وأهدافها بأساليب وطرق غريبة فيها من الخداع والحيل الكثير، تُدمّر حياة المرأة وتقضي على كيانها من الجذور، وبهذا الخصوص يقول القائد عبد الله أوجلان في عبارة معبّرة جداً لفتت انتباهي (عقلُ الرجل، عقلُ ألفِ حيلةٍ وحيلة، عقل الكذبِ ووحشيةِ الحربِ والانحرافِ الأيديولوجي، وباختصار، العقلُ المدمِّرُ للمجتمعِ وبيئته).

في اليوم العالمي لمناهضة العنف، لا بد أن نذكّر الجميع ونصدح بأعلى صوتنا، بأن مكان المرأة ليس المنزل، وأنها تتعرّض للعنف بشكل ممنهج على أيدي المنظومات الدينية والاجتماعية والسياسية.

وعلى الرغم من الجهود التي حققتها المرأة والمنظمات النسوية في الشرق الأوسط والعالم وتقديمها تضحيات كبيرة بهذا الشأن، إلا أن شبح العنف ما زال يلاحقها أينما حلّت وارتحلت.

يومياً نشهد مئات حالات الطلاق والانتحار والقتل والضرب والاعتداء الجنسي بحق المرأة، بالإضافة إلى انتهاكات حقوق الإنسان في العديد من دول المنطقة؛ وكل ذلك نتيجة الذهنية الذكورية المترسّخة في المجتمع الذي ينظر إلى المرأة على إنها العار والعيب والشرف والناموس.

إنّ الوقوف أمام كل ما تتعرض له المرأة يمر من تشكيل منظومة نسوية مشتركة تتخذ من شعار "Jin Jiyan Azadî" أي المرأة، الحياة، الحرية هدفاً رئيساً لها، لما يحمل هذا الشعار من دلالات أيديولوجية قوية تضم المعنى الحقيقي للنضال من أجل الحرية والحياة.

إن تجربة المرأة في شمال وشرق سوريا، كانت فريدة من نوعها، فمنذ بدء الحراك الشعبي في سوريا، استطاعت المرأة في شمال وشرق سوريا، كردية كانت أو عربيّة أو أرمنية أو تركمانية أو شركسية أو كلدانية أو آشورية أو إيزيدية تنظيم نفسها والنضال معاً ضد التاريخ الذكوري الأبوي الذي يمتد لخمسة آلاف عام، ليشكلنَ معاً منظومة دفاعية خاصة بهن سُمّيت بوحدات حماية المرأة (YPJ). هؤلاء النساء الثائرات اللواتي أصررن على النضال من أجل الحرية وضحين بأرواحهن في هذا الطريق، أصبحن نبراساً ومشعلاً لجميع الأحرار في العالم.

لتبدأ من هنا الثورة التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً في المنطقة، إذ فتحت الطريق أمام الجميع للمشاركة فيها واستنبطت أساليب جديدة للنضال على كافة الأصعدة، ما دفع الكثير من أبناء وبنات المنطقة والعالم من كافة المكونات للالتفاف حولها والإيمان بأهدافها وبذل الجهود للمضي بها قدماً.

نعم انبهر العالم بالانتصارات التي حققتها المرأة على ضفاف نهر الفرات التي شهدت حضارة تاريخية على أيدي النساء قبل آلاف السنين. هذه الثورة التي كانت فرصة لكي تنفض النساء غبار سنين الرعب والخوف عن كاهلهن والتجمّع في الميادين الحرة، للاستماع إلى من يحاول نقل معاناتهن ويتحدث عنهن علناً، دون أن يتم اعتقالهن.

في هذه البقعة الجغرافية الصغيرة يتم بناء نظام جديد؛ وفق أسس ومفاهيم معاصرة ومقايس ومبادئ ديمقراطية وذهنية جديدة، وتحت قيادة المرأة التي اتخذت من شعار التنظيم هدفاً لها، هنا تعيد المرأة بناء ذاتها من جديد، وتعمل على خلق حياة جديدة، واتخاذ خطوات حقيقية لتحقيق حياة حرة للمرأة والمجتمع والتخلص من العقلية الأبوية الاستبدادية والمتسلطة والمتربصة بالمرأة والمجتمع معاً، وجعل القرن الحادي والعشرين قرناً للثورات الاجتماعية القائمة على حرية المرأة؛ لأن المرأة هي أصل الحياة وجوهرها ودون تحريرها لا حرية للمجتمع.

من هنا نستطيع القول إن المرأة رديفة للحياة .. ورديفة أيضاً للحرية، فلا حياة ولا حرية دون امرأة منطلقة قوية متحصّلة على كامل حقوقها، فالحقوق ليست منّة أو هبة من أحد .. بل هي مُسلَّمة طبيعية بديهية. ففي اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة .. تتهاوى كل صنوف العنف، ليتكرر عاماً بعد عام الشعار نفسه ويصدح الصوت ذاته، أوقفوا العنف ودعوا المرأة تعيش بسلام وحرية.

ANHA