​​​​​​​ماذا حلّ بمدينة تل أبيض طيلة ثلاثة أشهر من الاحتلال؟

مرّت 3 أشهر منذ احتلال تركيّا لمدينة كري سبي، ومنذ ذلك الوقت تحوّلت شؤون وأوضاع المدينة والمدنيّين رأساً على عقب، مدنيّون باقون تحت رحمة الاحتلال يشتكون من الانتهاكات وعشائر عربية تنتفض بوجهه، فيما يطالب المُهجّرون خروج الاحتلال وعودتهم إلى مدينتهم..

لم تنحصر انتهاكات الاحتلال التّركيّ في هجماته عسكريّاً على مناطق في شمال وشرق سوريا وارتكاب مجازر بحقّ المدنيّين، بل دمّر المنازل إثر القصف بالصّواريخ والطّائرات، وهجّر ما لا يقلّ عن 300 ألف مدنيّ وإنهاء الأمر بهم في المخيمات.

حيث عادت غمامة داعش السّوداء من جديد لتغطّي سماء مدينة كري سبي وناحية سلوك بسوادها وظلمها، فمع احتلال المدينة بدأت معالم المدينة تتغيّر، وتنكشف الأنياب الاستعمارية للاحتلال، وتنحلّ الحجج الواهية ويتضّح هدف تركيا من خلفية "المنطقة الآمنة" التي كانت تدّعيها عبر ممارساتها اللإنسانية بحقّ أهالي المنطقة .

تهجير السّكّان الأصليّين وممارسة التّغيير الدّيمغرافيّ

هجّر الاحتلال التّركيّ الآلاف من المدنيّين لممارسة التّغيير الدّيمغرافيّ وتوطين عوائل مرتزقته على غرار ما مارسته في عفرين، إذ أدخلت تركيا المئات من عوائل مرتزقتها الموجودين في أراضيها إلى كري سبي، وادّعت بأنّها أعادت السّكّان الأصليّين، بالإضافة لجلب عوائل من إعزاز وجرابلس والباب وإدلب وحمص وحماة والغوطة وتوطينهم في منازل المدنيّين المُهجّرين.

وعلمت وكالة أنباء هاوار من مصادر لها، بأنّ الاحتلال عمل على توطين 180 عائلة للمرتزقة في حارة اللّيل وحارة الجاويش، قدموا من مدينة إعزاز، ودخلوا إلى المدينة عبر البوابة الحدوديّة مع تركيا، بالإضافة لتوطين عوائل في الأحياء الأخرى وريف المدينة، وعلى وجه الخصوص في منازل الكرد الّذين هُجّروا قسراً.

وكما عبر أكثر من 500 مرتزق كانوا على صلة مباشرة مع مرتزقة داعش هربوا إلى تركيا أثناء حملة قوّات سوريا الدّيمقراطيّة للقضاء على داعش في شمال وشرق سوريا، إلى تل أبيض وانضمّوا إلى صفوف مرتزقة الاحتلال.

ناهيك عن استقرار نساء داعش الفارّات من مخيّم عين عيسى عندما تعرّض للقصف من طيران الاحتلال التّركيّ، في بلدة عين العروس وفي حارة اللّيل، وحارة الأرمن وحارة الجسر في مركز مدينة تل أبيض.

تتريك المدينة

باشر الاحتلال التّركيّ بتغيير معالم المدينة وحضارتها التّاريخيّة عبر تغيير أسماء المرافق العامّة والمدارس، وتدوين اللّوائح التّعريفيّة باللّغة التّركيّة، وتهميش اللّغات الرّسميّة للمكوّنات.

إذ غيّر اسم دوار العلم الواقع جنوب المدينة وسمّته على اسم أحد مرتزقتها "علاء السّواس"، بالإضافة لتغيير اسم دوار البلدية في مركز المدينة إلى اسم "دوار الطّيبة".

ناهيك عن افتتاح مدرسة في قرية مشرفة الحاوي وسط تحشّد عسكريّ في أرجاء المدرسة وتسميتها على اسم الهجوم التّركيّ على شمال وشرق سوريا "نبع السّلام"، وتسليم كتب باللّغة التّركيّة للأطفال.

وإضافة إلى ذلك رفعت الأعلام التّركيّة في المرافق العامّة، وكتبت أسماء المستشفيات والدّوائر الرّسميّة باللّغة التركيّة.

ولم ينتهِ الأمر عند ذلك، فأخرج الاحتلال التّركيّ هويّات تعريفيّة تركيّة للمدنيّين ويجري بعد ذلك اعتقال كلّ من يحمل الهوية الرّسميّة لسوريا.

ممارسة سياسة التّجويع ونهب الاحتياجات الأساسيّة

مارس الاحتلال التّركيّ سياسة التّجويع ضدّ الأهالي القاطنيين في المدينة المحتلّة، وقد اندلعت احتجاجات شعبيّة في بلدة سلوك جنوب مدينة تل أبيض على وجه الخصوص، بسبب انعدام الخدمات، وفقدان الاحتياجات الأساسيّة في المنطقة.

وتشهد تلك المناطق المحتلّة واقعاً مأساويّاً من فقدان الكهرباء، وشحّ المحروقات والخبز ومياه الشّرب، في ظلّ نهب وسلب الاحتياجات الأساسيّة للمدنيين من سرقة محصول القمح، والشّعير من المخازن والصّوامع.

إذ نهب الاحتلال ما يقارب 50 ألف طن من القمح والشّعير من صوامع "الدّهليز" جنوب بلدة سلوك، وصخيرات وشركراك جنوب تل أبيض/ كري سبي، بالإضافة لإخراج صوامع خفة السّالم المعروفة باسم "صوامع قزعلي" عن الخدمة نتيجة استهدافها بالمدافع والصّواريخ.

ويقف المدنيّون في طوابير أمام أفران الخبز للحصول على ما هو أقلّ من احتياجاتهم، ويأتي ذلك في ظلّ سياسة القمع والتّجويع الّتي ينتهجها الاحتلال التّركيّ ومرتزقته بحقّ سكّان المنطقة بهدف إفراغ المدينة من سكّانها.

خطف وقتل

في كلّ منطقة تحتلّها تركيا تلجأ مرتزقتها إلى ممارسة عمليّات الخطف والقتل لتضيّق الخناق على المدنيّين، بهدف تحصيل الأموال عبر دفع "فدية" مقابل الإفراج عن المخطوف، وهي سياسة تجبر سكّان المنطقة على النّزوح منها.

بعد احتلال تركيا لمدينة تل أبيض/ كري سبي بدؤوا بخطف المدنيّين لطلب الفدية، كما خطف الاحتلال المئات من أهالي سريه كانيه وعفرين وما يزال مصيرهم مجهولاً.

مرتزقة تركيّا اختطفوا في الأسبوع الأوّل من احتلالهم للمنطقة نجلي جلال العياف مدير مخيم عين عيسى سابقاً، وهما حسان العياف 16 عاماً، وعبد الرحمن العياف 18 عاماً، وطلبوا من ذويهما دفع 22 مليون ليرة سورية لإطلاق سراحهما، وما يزال مصيرهما مجهولاً.

إلى جانب ذلك، خطف المرتزقة 10 مدنيّين من عشيرة البوعساف العربيّة، وطلبوا فدية قدرها 12 مليون ليرة سورية وسيارتي شحن، بالإضافة لخطف العشرات من الشّبّان من قرية الدّادات ذات الغالبيّة التّركمانيّة.

وفي 4 كانون الأوّل 2019 خطف المرتزقة صيدلانيّاً من قرية السّكرية غرب مدينة كري سبي بسبب رفضه بيع حبوب مسكّنات عصبيّة "ترامادول"، والّتي تباع مرفقة بوصفة طبية.

وداهم المرتزقة قرية الزّيدي شمال ناحية السّلوك بـ30 كيلو متر 5 منازل للمدنيّين، وخطفوا 20 شخصاً غالبيتهم أطفال وهجّروا عوائل أخرى من المكوّن العربيّ، بالإضافة لمداهمة منازل المدنيّين في بلدة عين العروس واختطاف الشّبّان.

إضافة إلى ذلك مارس المرتزقة أعمال شغب أمام مرأى العالم، فقد هاجمت المرتزقة أحد أصحاب المحال التّجارية حسين الزّامل من أهالي حي الجسر بعدما تديّنوا منه 60 ألف ليرة سورية، وعندما طالب صاحب المحل بتسديد الدّين، قابله المرتزقة بالإهانة والضّرب أمام مرأى المواطنين، وبعد ذلك قاموا بجلب سياراتهم وحمّلوها ببضاعة المتجرـ وأقدموا على سرقة خزانة المال في المتجر، وطردوا العامل فيه.

وكما داهم عناصر مرتزقة الجبهه الشّامية محلّ الطماحي ومحلّ خليل الشّواخ للاتصالات، وخطفوا أصحاب المحلَّين لأسباب مجهولة بعد أن نهبوا محتويات المحلّين.

وضمن أعمال القتل والإعدام الميداني، أقدم المرتزقة على إعدام كلّ من محمود الظّاهر 60 عاماً، وبرهو العلو 65 عاماً في قرية العريضة شمال ناحية عين عيسى لأسباب مجهولة.

كما قتلت مرتزقة الاحتلال التّركيّ الشّاب عمّار حجي، وهو مالك لسيّارة أجرة من نوع تكسي استقلّها عناصر المرتزقة تحت ذريعة إيصالهم إلى مكان معيّن، ثمّ اقتاد المرتزقة الشّاب إلى مكان مقطوع وهناك قتلوه بطريقة وحشيّة.

سجن لتعذيب الأطفال

مارس المرتزقة الضّغط والظّلم على عوائل كرديّة، وفرضوا الحصار على قراهم، وجرى ذلك مع عائلة محمد بوزان سيّد الذي خطفته المرتزقة في قرية جلكة شمال ناحية عين عيسى وتعرّض للتعذيب.

وبقيت عائلة محمّد تحت حكم مرتزقة الاحتلال التّركيّ، وتعرّضت للتعذيب والظّلم والإقامة الجبريّة والحصار، كما إن المرتزقة خطفت 4 أطفال من القرية ذاتها تتراوح أعمارهم بين 13 و 15 عاماً.

وتمكّنت العائلة من الفرار من القرية والوصول إلى أقرب نقطة لقوى الأمن الدّاخليّ في ناحية عين عيسى إلّا أنّه ما يزال مصير أطفال من القرية مجهولاً.

وتشير مصادر عن وجود سجون ومعتقلات في عدّة قرى بريف تل أبيض، موجود فيها العشرات من الأطفال والشّبّان يتعرّضون للتعذيب والضّرب.

 التّحرّش بالنّساء

مع احتلال تركيا للمدينة وعودة عناصر من مرتزقة داعش السّابقين، ازداد الضّغط على النّساء، إذ عادوا ليفرضوا على النّساء ارتداء الزّيّ الأسود والنّقاب، ولجأت الكثير من النّساء لاتداء ذلك خوفاً من ممارسات المرتزقة.

وتجاوز عناصر المرتزقة ذلك ليقوموا بالتّحرّش بالنّساء في حي الجسر، وهذا ما لم يصمت عنه أهالي كري سبي الّذين تظاهروا ضدّ المرتزقة أمام مقرّاتهم، وأقدموا على حرق مقرّهم، ولكن ممارساتهم اللّاأخلاقيّة تجاه النّساء ازدادت في حين أقبل المرتزقة على اختطاف ثلاث نساء من قرية الحويجة واقتيادهم إلى جهة مجهولة.

ومن جهة أخرى خطف المرتزقة المواطنة يارا أحمد من عين العروس وتعرّضت للتّعذيب الشّديد بتهمة الوقوف خلف التّفجيرات الّتي تحدث في المنطقة.

وفي هذا السّياق، تؤكّد الإداريّة في مخيّم مُهجّري تل أبيض فاديا شريف خليل بأنّ وضع النّساء في المناطق المحتلّة مأساوي، إذ تعاني النّساء من ضغط هائل وتضييق كبير.

وأشارت إلى أنّها تتواصل مع نساء في المناطق المحتلّة، إذ علمت منهنّ بأنّ النّساء يعشنَ حالة من الخوف والذّعر في المناطق المحتلّة في ظلّ غياب جهات تحمي حقوقهنّ وتحميهنّ من الانتهاكات.

هدم المنازل

لم يكتف الاحتلال التّركيّ بتهجير السّكّان الأصليّين من بيوتهم، بل هدم منازل المدنيّين في قرية كورمازات جنوب مدينة تل أبيض بواسطة الجرّافات.

إضافة لذلك دمّر مرتزقة الاحتلال التّركيّ منزل فاضل الشّبلي بالجرّافات في قرية الحويجة بحجّة أنّهم يمتلكون أسلحة من الدّولة السّوريّة.

"اخرج يا محتلّ".. شعار انتفاضة الشّعب والعشائر

انتفض أهالي تل أبيض وخاصّة من العشائر العربيّة ضدّ ممارسات وانتهاكات الاحتلال التّركيّ في المنطقة، إذ تعرّض أبناء من عشائر البكّارة والمشهور للقتل والهجوم على النّساء والتّحرّش بهنّ.

وكتب مجهولون على الجدران في المناطق المحتلّة شعارات تطالب بخروج الاحتلال التّركيّ منها، مثل: "يسقط أرودغان".

وخرج الأهالي لمرّات عدّة في سلوك وعين العروس وعلي باجلية ومركز مدينة تل أبيض في تظاهرات ضدّ وجود الاحتلال التّركيّ ومرتزقته طالبين منهم الخروج من المنطقة.

يقول المواطن فوّاز العلي من المكوّن العربيّ والمهجّر من مدينة تل أبيض، بأنّ العشائر العربيّة في المنطقة ترفض وجود الاحتلال التّركيّ وانتهاكات المرتزقة.

ووجّه رسالة إلى أبناء العشائر العربيّة في المناطق المحتلّة، وقال: "يجب ألّا يسكت أحد في وجه انتهاكات الاحتلال التّركيّ، بالانتفاضة وإرادة الشّعب ستفشل مُخطّطات الاحتلال، وأبناء العشائر في تل أبيض سيستمرّون في تنظيم تظاهرات تطالب بخروج المحتلّ".

إرسال المرتزقة إلى ليبيا

وفي إطار التّدخّل التّركيّ في ليبيا، وإرسال مرتزقة سوريّين إلى هناك للقتال في سبيل الحفاظ على المصالح التّركيّة، أفادت مصادر بأنّ الاحتلال التّركيّ أرسل ما يقارب ألف مرتزق من تل أبيض إلى ليبيا بعد إغرائهم بالأموال.

إذ أرسل الاحتلال عناصر من مرتزقة الجبهه الشّاميّة والجبهة الشّرقيّة والسّلطان مراد وفيلق المجد براتب ٢٠٠٠ دولار شهريّاً حسب المعلومات الواردة.

(ج)

ANHA


إقرأ أيضاً