​​​​​​​العثمانية الجديدة والحلم الليبي

تسعى دولة الاحتلال التركية إلى إعادة انتهاج سياسيات العثمانية الجديدة في الشرق الأوسط عبر تنظيمات سلفية مثل الأخوان المسلمين، وهو الآن توجه إلى ليبيا وفي جعبته سيناريو دموي جديد.

دأبت مؤسسات عربية في العديد من الدول العربية مؤخراً على وصف سياسات ومواقف الدولة التركية بـ "التوسع العثماني الجديد".

الكاتب والباحث عبد الرحمن الراشد كتب مقالاً في الشرق الأوسط بهذا الصدد، أعاد فيها الإشارة إلى صدام حسين، وقال "لإردوغان طموحات شخصية معلنة، فهو يكرر التفاخر بتاريخ العثمانيين، ويمول أفلام سلاطين العثمانيين، ويسافر معه بعض ممثلي مسلسل «أرطغرل»، ويحضر بعض جلسات التصوير، ويسوّق فكرة زعامته لمحور إقليمي وإسلامي. طموحات لم يفلح فيها حكام سبقوه في إيران وصدام العراق، وهو نفسه لم يفلح في أي معركة بعد".

الهدف هو الميثاق المللي

منذ أن صعد حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في تركيا وحتى يومنا الراهن يسعى إلى الوصول إلى حدود الميثاق المللي لأجل تحقيق هذا الهدف يسعى إلى احتلال حلب وكركوك والموصل والوصول إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط.

وفي مسعى لتحقيق هذه الأهداف ساند تنظيم الأخوان المسلمين وباقي المجموعات المرتزقة المتطرفة، كما أسس ما يسمى بـ "الاتحادي الإسلامي الإفريقي" و القاعدة.

المقاومة الكردية أفشلت مخططات الدولة التركية

مقاومة الشعب الكردي المتواصلة أجهضت جميع مخططات أردوغان في الشرق الأوسط، كما تصطدم هذه المخططات برفض غربي.

الدول الأوروبية تواصل الضغط على تركيا على خلفية الممارسات التي ارتكبتها في المناطق التي تحتلها في سوريا وكذلك بسبب توجهاتها المتعلقة بالبحر المتوسط. وعلق الاتحاد الأوروبي العديد من النشاطات الاقتصادية والسياسية المشتركة مع تركيا. إضافة إلى مواصلة الضغط عليها بشأن الدعم الذي تقدمه تركيا للإرهاب وكذلك موقفها السلبي حيال التحالف الدولي ضد داعش.

وحذر الاتحاد الأوروبي من المخاطر التي تسببت بها تركيا بسبب دعم منظمات متطرفة في مصر وليبيا، وتهديد حدودها تواصل الضغط على تركيا وشريكتها قطر.

في عام 2013 أرسل أردوغان وفداً كبيراً من حكومته إلى مصر، التقى أردوغان رئيس الوزراء المصري في ذلك الوقت محمد مرسي، وانتشرت صور أردوغان في شوارع مصر، وتم استقبال أردوغان استقبال الأبطال من قبل الأخوان.

وأثناء الزيارة قال إردوغان إن "تركيا ومصر شركاء". وبعد فترة قصيرة من زيارة أردوغان تم إقامة مرسي من منصبه واعتقاله.

واستلم عبد الفتاح السيسي الحكم في مصر بعد مرسي، وتم الاعتراف بحكومة السيسي من قبل المجتمع الدولي ما عدا تركيا. وعندما انقلبت الأوضاع رأساً على عقب في تركيا، انكشفت مخططات الدولة التركية واحدة تلو الأخرى. الحكومة الجديدة في مصر علقت جميع المخططات والاتفاقيات المشتركة مع تركيا فيما يخص البحر المتوسط. وفي تشرين الثاني من عام 2013 طردت مصر السفير التركي في القاهرة حسين عوني بوستالي.

مخططات البحر المتوسط

أبرمت كل من مصر وقبرص عام 2013 اتفاقية تعاون حول ترسيم الحدود البحرية في البحر المتوسط إلى اتفاقية شراكة لاستثمار ثروات البحر المتوسط. الاتفاق تم بموجب قوانين الأمم المتحدة لعام 1982.

في شهر تشرين الثاني عام 2014 عقدت كل من مصر واليونان وقبرص اجتماعاً بهدف ترسيم الحدود البحرية شرق المتوسط والتعاون المشترك في مجال التنقيب عن الغاز الطبيعي في البحر المتوسط.

الدولة التركية التي تعتبر المنطقة ضمن حدود العثمانية الجديدة استاءت من هذا الاتفاق. وفي انتهاك للقوانين الدولية وبدأت بتنفيذ مشروع التنقيب عن الغاز الطبيعي في المنطقة.

وفي ليبيا قدمت الدولة التركية الدعم اللوجستي والسياسي والعسكري للمجموعات المرتزقة والمتطرفة لمواجهة الجيش الوطني، في مسعى إلى تأجيج الصراع والحروب في المنطقة.

وفي السودان ايضاً سعى أردوغان إلى السيطرة على منطقة استراتيجية بالتعاون مع مجرم الحرب عمر البشير، في مواجهة مصر ودول الخليج.

إلا أن الشعب السوداني انتفض ضد البشير وأسقطوا نظامه، كما أن مصر والسعودية ساندوا الحكومة السودانية الجديدة في مواجهة المخططات والمشاريع التجارية والعسكرية التركية.

ولم تقتصر العلاقات المصرية والسعودية على هذا الحد. حيث تم تأسيس ائتلاف مشترك ضد قطر وحليفتها تركيا، وسعت الدولتان إلى عزل قطر عن باقي الدول العربية والضغط على تركيا.

وهكذا نرى أن الدولة التركية قدمت الدعم للعديد من المجموعات المرتزقة المتطرفة في كل من سوريا والعراق والعديد من الدول العربية.

الدولة التركية تنتهك المواثيق الدولية

خاضت المنطقة كفاحاً مشتركا ضد مشاريع تركيا وقطر، وعقد منتدى خاص حول التنقيب عن الغاز الطبيعي شرق المتوسط، إلا أن تركيا لم تشارك فيها. المنتدى عقد في القاهرة في شهر تموز من العام الجاري حضره وزراء الطاقة لكل من إسرائيل وفلسطين وإيطاليا واليونان ومصر وإدارة قبرص اليونانية، وقبرص والأردن.

وبهذا الشكل عملت مصر على إخراج تركيا من الحدود التي كانت تعتقد أنها حدودها.

ووصل الحال بتركيا إلى العجز عن إيجاد البترول والغاز الطبيعي شرق المتوسط، لذلك بدأت بالسعي لتنفيذ مخططها الاستراتيجي حول التنقيب عن البترول والغاز الطبيعي في اليونان وقبرص. وبذلك تكون تركيا قد انتهكت المواثيق الدولية، فيما يستمر التوتر بين تركيا وكل من اليونان وقبرص.

تراجع تأثير الدولة التركية

في الوقت الذي يتم إعادة ترسيم الحدود البحرية في الشرق الأوسط، وإبرام اتفاقيات سياسية وعسكرية جديدة، فإن تأثير ونفوذ تركيا بدأ بالتراجع في المنطقة.

خسرت تركيا جميع حدودها الاقتصادية والسياسية مع كل من اليونان وقبرص وإسرائيل والأردن ولبنان. وفي هذه النقطة بالذات بدأت تركيا مساعيها لأجل التوجه نحو نقطة تلاقي البحر المتوسط مع إفريقيا الشمالية، ألا وهي ليبيا.

أردوغان الذي يعزز علاقاته مع رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج، وبدأ بنقل المرتزقة إلى البلاد، بتاريخ 27 تم الحديث عن اتفاق التعاون العسكري بين تركيا وليبيا.

وفي 20 كانون الأول تم توقيع "اتفاقية ترسيم الحدود الليبية التركية" في تركيا وحكومة السراج. وبموجب الاتفاقية الأمنية يحق لتركيا إرسال الأسلحة والخبراء والجنود إلى ليبيا. ويفتح الاتفاق الطريق أمام تركيا مفتوحاً للتدخل المباشر في ليبيا.

وبعد توقيع الاتفاقية صرح وزير داخلية حكومة الوفاق بتحي باشاغا أن حكومته ستطلب تدخلاً عسكرياً تركيا في حال وصلت المعارك إلى العاصمة طرابلس. فيما تستعد تركيا حالياً لأرسال جنودها إلى ليبيا بناء على طلب حكومة الوفاق.

ومن جهة أخرى تسعى تركيا إلى إقامة قاعدة بحرية لنشر طائرات بدون طيار شمال قبرص. في 25 كانون الأول زار أردوغان دولة تونس جارة ليبيا، واجتمع مع كل من الجزائر وتونس وقطر من أجل تحقيق أهدافه في المنطقة.

ووسط هذه المسيرة الدبلوماسية، تبرز موضوع الاجتماع المرتقب بين أردوغان وبوتين في الثامن من شهر كانون الثاني القادم، الذين يقف كل منهم إلى جانب مغاير في الموضوع السوري. وعليه فإن السؤال هو هل سترسل تركيا جنودها إلى ليبيا في الثامن أو التاسع من كانون الثاني، أي في نفس اليوم الذي سيلتقي فيه أردوغان بوتين.

بأربعة عنوانين ماهي النتائج المحتملة وهل سترسل تركيا جنودها إلى ليبيا

هناك احتمال أن تجر مغامرات الدولة التركية وسياسات العثمانية الجديدة، المنطقة إلى حالة من عدم الاستقرار.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي يدعم حفتر، قال "لدنيا القدرات للتدخل في ليبيا، ولكننا لم نستخدمها بعد".

الدولة التركية وأردوغان كانوا يطمحون إلى تحقيق حلم الإمبراطورية العثمانية الجديدة في الشرق الأوسط بالاستفادة من الربيع العربي، ويسعون إلى فرض سيطرتهم على المنطقة بالتعاون مع الأخوان والسلفيين.

أردوغان بصفته الراعي لمرتزقة داعش والقاعدة، تحالف مع هذه القوى، ولكن مخططاته فشلت بفضل مقاومة شمال وشرق سوريا.

والآن يسعى أردوغان إلى تنفيذ مخططاته عبر شمال أفريقيا، علماً أن شمال أفريقيا كانت تاريخياً مستعمرة عثمانية، وحالياً تسعى تركيا إلى استعمارها مجدداً.

من المفيد استعادة بعض الأمثلة التاريخية. ففي الفترة الممتدة بين عامي 1911 – 1912 تسارعت وتيرة انهيار الإمبراطورية العثمانية، وفي تلك الفترة بالذات تأسس إقليم طرابلس أو "تريبوليتانيا"،. وهي منطقة تاريخية في الشمال الغربي من ليبيا مما أدى إلى تراجع نفوذ العثمانيين تدريجيا في حوض البحر المتوسط.

أردوغان الذي يهتدي بالنهج العنصري للاتحاد والترقي، يبدو أن نهايته ستكون مشابهة لنهاية أنور باشا.

(ك)


إقرأ أيضاً