​​​​​​​ازدواجية قرارات مجلس الأمن وحياة السوريين رهينة الصراعات بين المتدخلين

بتنا نرى ازدواجية في قرارات مجلس الأمن عندما يتعلق الأمر بمناطق شمال وشرق سوريا، وتربط الدول التي تملك حق النقض "الفيتو" الملف الإنساني كليًّا بصراعاتها وأجنداتها في سوريا، مهددة حياة ملايين البشر الذين يعانون منذ تسع سنوات بسبب هذه التدخلات الخارجية التي قضت على الحجر قبل البشر.

وافق مجلس الأمن الدولي، اليوم، على دخول مساعدات إنسانية إلى سوريا عبر معبر واحد مع تركيا، ولمدة عام واحد، بعد ضغط روسيا التي تسعى إلى استغلال تغير الوقائع على الأرض في سوريا، بينها الحضور العسكري المباشر، كي تدفع أمريكا وحلفاءها إلى تقديم تنازلات إضافية وخاصة بعد فرض الولايات المتحدة الأمريكية قانون قيصر للعقوبات على النظام.

كان التمديد للقرار 2165 الذي يسمح بدخول المساعدات الإنسانية إلى سوريا عبر أربع نقاط حدودية: واحدة مع كل العراق والأردن، واثنتان مع تركيا إلى نهاية عام 2019، حيث يتم بامتناع روسيا والصين عن التصويت على مسودة قرار عربية أوروبية تقدم إلى مجلس الأمن، ولكن تنازلت الأطراف الغربية في كانون الأول الماضي، عندما استخدمت روسيا حق النقض "الفيتو" حول الملف السوري، ضد مشروع القرار لاستمرار العمل بأربع نقاط، مطالبة بالاكتفاء ببوابتين مع تركيا.

وضغطت روسيا على الدول الغربية ومؤسسات الأمم المتحدة للتعامل مع دمشق، وبالفعل، أعيد صوغ مسودة القرار بعد موافقة الدول الغربية على بوابتين، بل إنها وافقت أيضًا على خفض مدة التفويض الأممي من سنة إلى ستة أشهر، وتبنى مجلس الأمن القرار الدولي الجديد في 10 كانون الثاني الماضي، لإيصال المساعدات إلى مناطق شمال غربي سوريا والواقعة تحت سيطرة الاحتلال التركي ومرتزقة هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً والمصنفة على لائحة الإرهاب الدولي)، في حين تم إقصاء مناطق شمال وشرق سوريا من المساعدات الأممية خدمةً للأجندات التركية والروسية في سوريا.

ومع بدء تفشي فيروس كورونا، تحدثت واشنطن عن ضرورة فتح بوابة تل كوجر/اليعربية بين العراق ومناطق شمال وشرق سوريا، ودعمت منظمة الصحة العالمية في نيسان هذا التوجه، وطالبت بفتح المعبر بشكل عاجل، ولكن سرعان ما حذفت منظمة الصحة الطلب من مسودة مذكرتها، بعد ضغوط تعرضت لها، ويبدو أنها ضغوط روسية وتركية.

خطة روسية..

وتريد موسكو من استخدام حق النقض "الفيتو" ضد جهود تقديم المساعدات، لربط ما يعانيه السوريون بقانون قيصر وإيصال رسالة مفادها أن هذا القانون هو ما يسبب الجوع للمواطنين، إلى جانب ربط ضرورة دخول المساعدات الأممية عن طريق حكومة دمشق التي تتصرف بانتقائية في توزيع المساعدات على الموالين لها وحرمان بقية السوريين منها.

كما تهدف موسكو إلى محاصرة مناطق شمال وشرق سوريا بشكل كامل والسيطرة على المعابر هناك في محاولة منها لإركاع الإدارة الذاتية، ظناً أنها بهذه الطريقة تستطيع السيطرة على سكان المنطقة وتعديد سيطرة النظام عليها.

وفي هذا السياق، علق بدران جيا كرد نائب الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا على الخطط الروسية وقال: "الرفض الروسي والصيني يأتي في سياق تحكم دمشق بالملف الإنساني لكسر العزلة الاقتصادية في ظل عقوبات قيصر، وأيضاً لإرضاخ المناطق غير الحكومية كمناطق الإدارة الذاتية والمناطق الأخرى لإملاءات النظام السوري قدر المستطاع"، معتبراً أن التصويت على قرار فتح معبر وحيد في مناطق سيطرة الأتراك وإقصاء مناطق الإدارة الذاتية هو "أمر في غاية التسييس وتشديد للحصار الاقتصادي على مناطق الإدارة الذاتية وفرض لسياسات دمشق الفاسدة وخاصة في الملف الإنساني".  

قرار مسيّس يهدد 5 ملايين إنسان

إن موافقة مجلس الأمن الدولي، على دخول مساعدات إنسانية عبر معبر تركي وحيد إلى مناطق محددة من سوريا تخضع للاحتلال التركي وسيطرة مرتزقة هيئة تحرير الشام يهدد حياة 5 ملايين شخص من سكان أصليين ونازحين من مناطق سورية متعددة إلى مناطق شمال وشرق البلاد التي تتعرض لهجمات داعش من جهة، وللتهديدات التركية بشكل مستمر من جهة أخرى.

وفي هذا الإطار يقول جيا كرد: "إن تأكيد مشروع القرار على المعابر التي تقع تحت سيطرة الاحتلال التركي وتقديم دعم لأكثر من مليوني شخص بحد ذاته غير عادل لعدم شمله المعابر مع الحدود العراقية وبشكل خاص تل كوجر/اليعربية".

ويبيّن جيا كرد أن القرار هو محاولة لتمكين تركيا ومجموعاتها من التحكم بالملف الإنساني والمساعدات التي قررت بأن تقدم أوربياً في اجتماع بروكسل الأخير للاتحاد الأوربي، وإقصاء المناطق الأخرى وحتى دون ذكرها.

وتابع جيا كرد "إن هذه الازدواجية في المعايير لا يمكن أن تنسجم مع المعايير الدولية، لأن القرار ٢١٦٥ عندما صُوت عليه عام ٢٠١٤ كان لفتح معابر إضافية، عندما ثبت بالدليل القاطع عدم وصول المساعدات الإنسانية إلى جميع المحتاجين عن طريق دمشق، مع العلم أنه تم التأكيد حين التصويت الحفاظ على السيادة السورية وسلامة أراضيها والمنسجم مع روح القانون الدولي الإنساني الذي يحمل المسؤولية النهائية الدولة في إيصال المساعدات إلى جميع مواطنيها".

وطالب نائب الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا بإخراج الملف الإنساني كلياً من دائرة الصراعات السياسية، وتقديم جميع الجهات المعنية بالملف السوري تسهيلات كاملة في إدخال المساعدات الإنسانية إلى كامل الأراضي السورية، ودون جعلها ورقة ابتزاز بيد أيّ كان، وخاصة الاقصاء الممنهج لمناطق الإدارة الذاتية من برنامج الدعم الإنساني.

وأكد جيا كرد أن إقصاء الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا من برنامج الدعم الإنساني يفتح الأبواب أمام كارثة إنسانية في ظل انتشاء وباء كورونا، وضعف الإمكانات وكذلك الحصار الاقتصادي والعقوبات المفروضة على سوريا أمريكياً وأوربياً، مشيراً إلى أن هذا الإقصاء والعقوبات ستؤدي إلى تفاقم الأزمة في مناطق شمال وشرق سوريا أكثر فأكثر، في وقت تستقبل فيه هذه المناطق عدداً كبيراً من النازحين واللاجئين من دول الجوار.

ولفت جيا كرد في حديثه إلى وجود 15 مخيماً للنازحين واللاجئين تضم مئات الآلاف وهؤلاء يعتمدون على المساعدات، إلى جانب ممارسات تركيا العدوانية تجاه المنطقة وقطعها للمياه عن ما يزيد عن نصف مليون شخص في الحسكة وريفها وقطعها لمياه نهر الفرات في انتهاك للقوانين الدولية، وقال في هذا السياق: "إن كل هذه التحديات تشكل قضايا إنسانية كبيرة يتطلب من المجتمع الدولي أخذها بعين الاعتبار، وإعادة النظر في كل ما يُطرح أو ما يرفض  لتخفيف المعاناة عن كاهل الشعب السوري".

الأمم المتحدة والدول ذات القرار يتحملون كامل المسؤولية

وفي ختام حديثه حمّل نائب الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا جيا كرد المؤسسات الأممية ذات الصلة والدول ذات القرار المسؤولية الإنسانية والقانونية الكاملة في تحمل تبعات ما ينتج عن قراراتهم غير العادلة.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً