​​​​​​​أرمينيا وأذربيجان.. أزمة قديمة تتجدد على وقع الصراعات الإقليمية والدولية

عادت الأزمة بين أرمينيا وأذربيجان إلى الواجهة مجددًا، إثر تجدد الاشتباكات على الحدود الشمالية بين البلدين، وسط دخول تركي متسارع على خط الأزمة، ما يشير إلى أن أنقرة فتحت جبهة جديدة تضاف إلى رصيد النزعات الخارجية المتورطة فيها، بينما يتابع المراقبون ردود أفعال موسكو التي تدعم أرمينيا، فماذا عن التوقيت والأهداف؟

وقالت أذربيجان وأرمينيا إن تبادل إطلاق النار بدأ الأحد 12 من شهر تموز الحالي، واتّهم على إثرها كل طرف الآخر بانتهاك وقف إطلاق النار والقصف.

وقُتل سبعة عسكريين ومدني واحد من أذربيجان وعسكريان من أرمينيا خلال تجدد الاشتباكات بين الدولتين اللتين خاضتا حربًا في تسعينات القرن الماضي حول منطقة ناجورنو – قرة باغ الجبلية.

وسرعان ما أقحمت تركيا نفسها في الصراع حيث قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار أن بلاده ستواصل الوقوف إلى جانب أذربيجان ضد أرمينيا.

وجاء ذلك في اجتماع عقده أكار عبر تقنية الـ”فيديو كونفرانس” مع رئيس هيئة الأركان يشار غولر وقادة القوات البرية أوميت دوندار، والجوية حسن كوجوك آق يوز، والبحرية عدنان أوزبال إلى جانب عدد من نوابه.

ونقلت وسائل إعلام عن مصادر في مدينة عفرين التي تحتلها تركيا شمالي سوريا أن المخابرات التركية بدأت بتسجيل أسماء المرتزقة وخاصة مرتزقة الفصائل التركمانية لزجهم في أذربيجان لقتال الأرمن.

وتوجد منطقة ناغورني-قره باغ في محور العلاقات المتوترة بين يريفان وباكو، وقد ألحقت السلطات السوفياتية هذا الجيب الذي تسكنه أغلبية أرمينية بأذربيجان عام 1921، لكنه أعلن استقلاله عام 1991 بدعم من أرمينيا.

تلا ذلك حرب أدت إلى مقتل 30 ألف شخص ونزوح مئات الآلاف، ورغم توقيع اتفاق وقف لإطلاق النار عام 1994 وقيام وساطة روسية أميركية فرنسية تحت اسم "مجموعة مينسك"، لا تزال الاشتباكات المسلحة متواترة.

وجعلت تركيا التي لها طموحات جيواستراتيجية في القوقاز وآسيا الوسطى، من أذربيجان الثرية بالمحروقات والتي يتحدث شعبها لغة متفرعة من التركية، حليفها الأساسي في المنطقة، وهي صداقة يعززها العداء المشترك لأرمينيا.

أما أرمينيا، فتحمل ضغينة تجاه تركيا بسبب إبادة الإمبراطورية العثمانية نحو مليون ونصف مليون أرميني خلال الحرب العالمية الأولى.

وفي الأثناء تقيم روسيا مع أرمينيا علاقات أوثق من علاقاتها مع أذربيجان، لكنها تبيع الأسلحة للطرفين، وانضمت يريفان إلى أحلاف سياسية واقتصادية وعسكرية تقودها موسكو، أبرزها منظمة معاهدة الأمن الجماعي.

وأحد الجوانب المهمشة في قضية الصراع الأذري – الأرميني أن الحرب تدور بين الجانبيين في مناطق كانت غالبية سكانها من الكرد وكانت يومًا من الأيام المناطق التي شكلت فيها جمهورية كردستان السوفيتية وكانت تعرف بـ(كردستان الحمراء) والتي أقامتها موسكو في عام 1923 وأعلن ستالين في عام 1929 عن حلها، وذلك لأسباب كثيرة، منها الرفض المطلق لها من قبل أذربيجان، والمصالح التي تشكلت بين ستالين وأتاتورك.

وحاولت أرمينيا استمالة الكرد من خلال الحفاظ على حقوقهم فيما مارست أذربيجان سياسة إمحاء الهوية والإقصاء السياسي.

"خلفيات تاريخية"

وحول ذلك تحدث لوكالة أنباء هاوار الخبير المصري في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي منير أديب قائلًا: "هناك خلفيات تاريخية معروفة وهي فكرة النزاع على منطقة تقع جنوب غرب أذربيجان، بالإضافة لوجود توترات عرقية ودينية والتي تعتبر سبب الأزمة الحقيقية ما بين الطرفين".

"هناك من ينفخ في الصراع"

وحول سبب عودة التصعيد مجددًا قال أديب: "هناك من ينفخ في هذا الصراع وهناك من يدعم أذربيجان لكي تعيد الحديث في هذه المنطقة التي تقول أن أرمينيا سيطرت عليها، وهي تركيا والتي ترى بصبغتها الإسلامية من خلال أردوغان ودعمه لجماعات دينية متطرفة، أن أذربيجان أقرب لها من أرمينيا التي تناصب تركيا العداء، وترى أن أجداد أردوغان قاموا بمذبحة كبيرة وأبادوا ناس كثيرين في أرمينيا، وبالتالي يتم دعم أذربيجان بشكلٍ كبير في إحياء هذه القضية".

"جبهة تركية جديدة"

وأوضح الخبير المصري أن "السبب الأهم والرئيسي في هذا النزاع المتواصل هو استخدام أذربيجان في هذه المعركة ضد خصوم تركيا، وأرمينيا من الخصوم السياسيين للأتراك قديمًا وحديثًا".

وحول توقيت التصعيد يرى أديب أن "التوقيت يبدو مهمًا، إذ إن هناك أزمة حقيقية لدى تركيا في المنطقة وهي تدخلها في صراعات كثيرة، وهناك ضغوط شديدة تمارس عليها قد تكون هذه الضغوط ربما من قبل الروس، والروس هم حلفاء لأرمينيا، ويجمعهم تحالف عسكري وسياسي تقوده موسكو، كما هو معلوم وفق منظمة معاهدة الأمن الجماعي".

وأضاف "تستخدم تركيا أذربيجان لإثارة القلاقل مع الخصوم السياسيين سواء في أرمينيا أو مع الحلف الروسي، لأنه في النهاية لتركيا مطالب تريد تنفذيها عبر إثارة هذه القلاقل وبدعم أذربيجان لإثارة هذا الخلاف الذي يسبب صداع للأرمن وللروس بنفس الوقت".

"ستبقى ورقة ضغط"

وبخصوص سيناريوهات الأحداث قال أديب "سوف يستمر الوضع على ما هو عليه، هذه القضية مثارة ما بين الطرفين قبل قرنٍ من الزمن، وحلها يبدو صعبًا في ظل التعقيدات السياسية في المشهد الدولي والإقليمي، وبالتالي تركيا سوف تستخدم أذربيجان ورقة للضغط على الأرمن لأن الأرمن يطالبون بمحاكمة تركيا على الإبادة التي مارستها الدولة العثمانية قديمًا ضد الأرمن وهذا يسبب صداع لهم".

وأضاف "تركيا وروسيا لا تتفقان في بعض الملفات ففكرة إثارة هذه القضية أيضًا تسبب أزمة كبيرة لدى روسيا ولذلك تركيا تضغط على الروس من هذه الزاوية".

واختتم منير أديب حديثه قائلاً: "التطورات لن تتجه إلى شيء، هذه قضية يتم استخدامها فقط وسوف يظل الصراع على ما هو عليه ربما لمئة عام قادمة".

(د ج)

ANHA


إقرأ أيضاً