​​​​​​​انتخابات وترتيبات عميقة.. من الذي يحكم وما مستقبل النظام في إيران؟

يعاني النظام الإيراني من تصدع داخل أركان النظام نفسه، في وقت يزيد فيه حنق الشعب عليه بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية وتوجيه الموارد لخدمة تدخلات إيران الخارجية على حساب المواطنين، ومع انحسار الجيل الذي عاصر الثورة الإسلامية وبروز أجيال جديدة وسوء الحالة الصحية للمرشد الأعلى، فإن النظام الإيراني مجبر على التغيير أو تحمل ما لا يحمد عقباه.

تطورات كالجمر تحت الرماد.. ما هو مستقبل نظام الحكم في إيران؟
عملت مراكز الدراسات والمراقبين خلال الفترة على محاولة استقراء مستقبل النظام في إيران في ظل تسارع التطورات، فما بين التصريحات الهجومية بين أركان الدولة والاحتجاجات المتصاعدة والحديث عن تدهور صحة المرشد الأعلى والبحث عن خليفة له، قد تخرج الأمور عن مسارها في أي وقت.

'خلافات مستمرة'

ومع كل موقف تخرج إلى العلن بعض المؤشرات على وجود خلاف داخل أركان النظام في إيران، وكانت أبرز هذه الخلافات بين الرئيس الحالي حسن روحاني والمرشد الأعلى علي خامنئي وذلك حول الملف النووي.

ودافع الرئيس الإيراني حسن روحاني عن الاتفاق النووي، الذي وقعته بلاده مع القوى الدولية وعن سياسته المنفتحة على الغرب قائلًا في وقت سابق إن معارضيه "الثوريين" يبحثون عن مصالحهم الخاصة لا عن مصلحة الشعب.

وسبق ذلك، تصاعد الخلافات بين أحمدي نجاد والمرشد الأعلى علي خامنئي والتي كانت أشبه بالجمر تحت الرماد.

واتهم أحمدي نجاد قبل سنوات، المرشد الأعلى بنهب أموال الإيرانيين، مقدرًا ثروة المؤسسات التي تخضع لخامنئي "دون رقابة" بما يعادل حوالي 190 مليار دولار أميركي، في تصعيد غير متوقع لخلاف ظل طي الكتمان بينهما.

وكتب أحمدي نجاد رسالتين نشرهما موقع "دولت بهار" المقرب منه، قال فيهما إن المرشد نهب هذه الأموال عبر مؤسسات تتبع مكتبه مباشرة، ولا تخضع لأي رقابة، حدد منها الحرس الثوري، والجيش، ووزارة الدفاع، ولجنة الخميني الخيرية، وغيرها.

الخلافات داخل أركان النظام، عادت إلى الواجهة مع الخلاف بين وزير الخارجية محمد جواد ظريف من جهة والحرس الثوري والمرشد الأعلى من جهة أخرى.

واندلع هذا الخلاف بعد تسريب تسجيل صوتي لظريف يتحدث فيه عن قضايا عدة من أبرزها الدور الواسع الذي أداه قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري، في السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية.

وأوردت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية التي قالت إنها حصلت على نسخة من التسجيل، بعض المقتطفات منه.

وقال ظريف إنه "في الجمهورية الإٍسلامية الميدان العسكري هو الذي يحكم (...) لقد ضحيت بالدبلوماسية من أجل الميدان العسكري، بدل أن يخدم الميدان الدبلوماسية".

كما نقلت الصحيفة عنه قوله إن سليماني عمل عن قرب مع روسيا لمعارضة الاتفاق حول البرنامج النووي الذي أبرم بين طهران والقوى الكبرى عام 2015، بعد مفاوضات شاقة كان ظريف أبرز ممثل لإيران فيها.

وأثار ذلك حالة من الجدل والخلاف والاتهامات بين مسؤولي الحكم في إيران.

وحول ذلك قال الخبير في الشأن الإيراني ودراسات الخليج هاني سليمان: "نعم هناك خلافات على الرغم من أن النظام الإيراني يتسق بأنه مترابط حول جملة أفكار الثورة إلى حد كبير لكن في نفس الوقت هناك تفصيلات فرعية واختلافات موجودة بين الأطراف المختلفة مثل المحافظين والمتشددين والخلافات بين روحاني وظريف وبين المرشد الأعلى والحرس وخاصة مع تصريحات وزير الخارجية جواد ظريف على أنه جملة مساهماته في السياسية الخارجية ضعيفة والحرس يسيطر على كل شيء وقاسم سليماني كان يدير الأمور، وأن تكوين وزارة الخارجية يغلب عليها الطابع الأمني وهو مساهمته مع السياسة الخارجية ضعيف، وهذه تصريحات استفاد منها المرشد وتم إقصاء الإصلاحين".

وأضاف: "هناك خلافات بين النظام نفسه وما بين الإصلاحيين والمحافظين هذا الشيء واضح بشكل كبير في أكثر من موقف في السابق وبالتالي النظام قد يبدو كتلة واحدة لكنه متصدع وهش من الداخل خاصة في ظل تنامي الصراعات الداخلية، وحالة التهميش والاستبعاد هذه أعتقد انها ستساهم في مزيد من تعقيد المشهد والانقسام في النظام الإيراني خاصة في ظل الضغط عليه هذه الفترة".

وأوضح أنه "بالتأكيد مقتل قاسم سليماني من الضغوط التي تحيط بإيران وضغط الملف النووي من جانب إسرائيل أو المواجهات في العواصم العربية، أنا اعتقد أن ذلك سيؤثر عليها بشكل كبير في سياستها".

وأضاف: "يمكن أن يكون لذلك تأثير على نتائج الانتخابات وسياقها لأن غياب سليماني أحدث إرباكًا شديدًا لأنه كان من المتوقع من وجهة نظري، أن يكون المرشح الرئاسي الأوفر حظًّا لكن مقتله أربك الحسابات، وليس مقتل سليماني ببعيد عن الانتخابات خاصة أن النظام يريد تعويض هذه الخسارة الكبيرة من خلال السيطرة على مؤسسة الرئاسة بمرشح من المتشددين وأيضًا غياب قاسم سليماني سيؤثر على ضبط المشهد الداخلي والعلاقات وسيكون هناك حالة من الفراغ السياسي التي لا تطمئن".

كيف ستؤثر الانتخابات على سياسة البلاد؟

وحول تأثير الانتخابات على سياسات البلاد، قال سليمان: "بالتأكيد السياسية الخارجية ستتأثر بمنصب الرئيس ووجود رئيس من المتشددين من المتوقع أن يكون على المستوى الداخلي أن يكون هناك مزيدًا من القمع وإغلاق المجال العام وأن يكون هناك أولوية للملفات الأمنية بعيدًا عن الملف الاقتصادي وتحسين الوضع المعيشي خاصة إذا لم يكن هناك فرص لاستعادة الاتفاق النووي وبالتالي سيكون هناك مزيد من إغلاق المحال العام وربما يؤدي ذلك إلى احتجاجات".

وأضاف: "سيحاول النظام السيطرة الأمنية وسيتمادى فيها وذلك قد يحدث مشكلات للنظام الإيراني وأعتقد أن النظام قد يفشل في حل الملف الاقتصادي وتطلعات الشعب الإيراني في الفترة القادمة".

وعلى مستوى السياسة الخارجية الإيرانية رأى سليمان أنه "سيكون هناك اهتمام بتسليح الميليشيات والاستثمار فيها ودعمها بشكل كبير واستكمال ما كان قد بدأته إيران منذ فترة وذلك سيكون مستمرًّا على حساب المواطن الإيراني والأهم هو تمويل الميليشيات والجماعات الموالية لإيران وتحقيق سياستها بعيدًا عن دعم المواطن الإيراني وتوجيه النفقات الداخلية بشكل كبير".

وأضاف: "العلاقة مع بعض القوى الإقليمية ستكون متوترة وقابلة للتصعيد مثل الولايات المتحدة الأميركية خاصة إذا لم تنجح المفاوضات للعودة للاتفاق النووي وأيضًا هناك بعض العلاقات التي سيكون فيها مشاكل مثل إسرائيل تحديدًا وسيكون هناك العديد من المناوشات والمواجهات".

وحول الحديث عن فرص محتملة للحوار بين إيران والخليج قال: "وجود رئيس من المتشددين ربما ينسف مثل هذه الجهود أو يعيد للتصعيد والمواجهة مع السعودية وخاصة في اليمن وهذا سيكون له انعكاسات سلبية جدًّا على عدم الاستقرار في المنطقة وسيتبع النظام لهجة استعلاء ولهجة استعدائية لتصدير الثورة، وهذا سيؤدي إلى عدم الاستقرار وخلق المزيد من المشاكل".

'مستقبل النظام'

هاني سليمان استقرء مستقبل النظام الإيراني وقال: "يعاني العديد من المشكلات. مستقبل النظام على المحك وهو نظام قوي لكنه هش بمعنى أنه يحوي مواطن خلل قد تنسفه في أي وقت وقد تسرع بسقوطه لكن هذا السقوط غير متوقع في أي وقت ولا أي مكان والاحتمال موجود لكن لا يمكن تأكيده".

وأوضح أن "النظام يخسر بشكل كبير وهناك حالة انحسار بمقدراته والخطاب الأيديولوجي الذي كان يقنع به لم يعد هذا موجودًا. هناك هجوم على قدسية بعض المناصب مثل المرشد ورجال الدين وهناك انقلاب على الثوابت وتمرد عليها وذلك خطير بالنسبة للنظام الإيراني".

وأضاف: "النظام يعاني من أزمة جيلية متعلقة بأن الأجيال الأولى التي عاصرت الثورة هي في حالة تراجع والأجيال الجديدة هي التي تتمتع بنفس القدر الكافي من الحماس الأيديولوجي والثوري والإيمان بمبادئ الثورة، هناك أجيال جديدة لها تطلعات مختلفة وهي ترى النظام لا يطبق مبادئ الثورة بالعكس هو يقمع الشعب ولا يحقق العدالة ولا يحقق أي من الأهداف التي يسعى إليها المواطن الإيراني، وبالتالي أنا أرى ان ذلك يعتبر خطورة. الأزمة الجيلية واختلاف وجهات النظر والأجيال هو مهدد كبير للنظام والثورة الإيرانية".

من سيخلف المرشد الأعلى؟

وبالإضافة إلى هذه المشاكل والخلافات، هناك تحدٍ كبير للنظام في إيران وهو الحديث عن تدهور الحالة الصحية للمرشد الأعلى علي خامنئي ومن يخلفه.

ونقل موقع إيران إنترناشيونال ما قاله مسؤول أمني كبير في وقت سابق، حول تقارير تتعلق بالحالة الجسدية للمرشد الإيراني علي خامنئي، وقال إن صحة المرشد حرجة وإن هذا يمكن أن يخلق وضعًا جديدًا في إيران.

وحول ذلك قال سليمان: "هناك إشكالية كبيرة متعلقة بمنصب المرشد الأعلى في ظل الحالة الصحية المتراجعة للمرشد الخامنئي على اعتبار أنه وفي أي وقت قد يكون هناك مرحلة تتطلب إعادة النظر بموضوع المرشد على اعتبار أنه هل سيتم تقليص صلاحيته".

وأضاف: "أعتقد أن ذلك صعب لأن الدستور ينص عليها وسيتم هز مبادئ الدستور لكن بعض التقارير تتحدث عن إلغاء منصب المرشد، وأعتقد أن ذلك مبالغة شديدة غير مقبولة، لكن ما هو متوقع أن يتم تسليم هذا المنصب بشكل سلس من خلال خامنئي أو غيره، وأعتقد أن ذلك يكون على المحك نظرًا لأنه لا توجد قناعات كبيرة بقدرات بعض العناصر الموجودة الآن والشعب نفسه لم يعد يتمسك بنفس هذه النظرة التي تحمل قداسة نوعية للمرشد الأعلى ورجال الدين وهذه المدركات أصبحت من الماضي وأنا أرى أن هذا خطير بالنسبة للنظام الإيراني".

وأشار إلى أن النظام في إيران وفي ظل تراجع الحالة الصحية لخامنئي بدأ بترتيبات والحديث عن الإتيان بابنه مجتبى خامنئي.

إلى أين تتجه الأوضاع؟

وحول مسار الأحداث قال سليمان: "إذا لم يتم الوصول إلى اتفاق نووي، أعتقد أن الاحتجاجات ستزيد، وسيكون هناك مشكلة بالنسبة للنظام الإيراني قد تسرع بوجود بعض الاحتجاجات لكن انهيار النظام بشكل كامل، أعتقد أن تلك مسألة لها احتمالات نعم لكن ليست مؤكدة والنظام الإيراني يمتلك أدوات مغايرة ومختلفة منها الشرطة الرسمية أو الجيش النظامي وهناك قوات مكافحة الشغب و"قوات الباسيج" الدفاع الشعبي والحرس الثوري الذي يقوم بمهام أمنية ونجح خلال الفترة الأخيرة، وبالتالي النظام له أدواته وقدراته على القمع وقد ينجح بقمع الاحتجاجات كما حدث في السابق".

وقال هاني سليمان مختتمًا: "لكن كل مرة هناك تطورات جديدة يخسر النظام فيها في مواجهة الشعب، وربما نصل نقطة قد لا يكون النظام قادرًا على هذه المواجهة، وستكون هناك مفاجئات، وأعتقد أن علينا الانتظار لفترة طويلة".

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً