​​​​​​​الصراع الأرمني الأذربيجاني ينعكس على النظام الإيراني.. والخيارات محدودة

اندلع الصراع بين أرمينيا وأذربيجان بشأن قره باغ مرة أخرى، مما أدى إلى مقتل مئات الأشخاص، وعلى الرغم من أن القضية تدور حول العلاقة التي تلتقي فيها الأرض والهوية والسلطة، إلا أن المنافسات الدولية الأوسع قد يكون لها تداعيات خطيرة على الصدام.

ويعتبر النظام الإيراني، بحسب تحليل تقرير لمعهد بيغن- سادات الإسرائيلي، طرفًا ذا صلة بالصراع الأرمني الأذربيجاني، حيث يشترك في الحدود مع كلا البلدين، وخلال القتال الأخير، أصابت عدة صواريخ الأراضي الإيرانية.

وامتنعت صحيفة جيهان، المقربة من المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، في البداية عن الانحياز لأي طرف في الصراع، وذكرت الصحيفة ببساطة أن الأطراف المتصارعة كانت تلوم بعضها البعض على العدوان وأن مجموعة مينسك لم تنجح في إحلال السلام.

ومع ذلك، في 5 تشرين الأول/أكتوبر، نشرت جيهان مقابلة مع علي أكبر ولايتي، مستشار خامنئي للشؤون الدولية، حيث وقف إلى جانب أذربيجان في الصراع، ووصف ولايتي قره باغ بأنها "أرض محتلة" تابعة لأذربيجان، وقال إن النظام الإيراني سيساعد باكو على استعادتها.

وأضاف ولايتي، مع ذلك، أنه "لا ينبغي تحرير الأراضي المحتلة على حساب إراقة دماء الناس"، وبدلًا من ذلك، اقترح المفاوضات كحل نهائي للصراع، على الرغم من فشل المفاوضات السابقة، وزعم أن إسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا تساهم في التوترات ودعا تركيا للعمل مع إيران من أجل السلام.

وجمهورية أذربيجان دولة ذات أغلبية شيعية تشترك في التاريخ والثقافة مع إيران، ولا سيما المقاطعات الإيرانية التي يقطنها الأذريين، وفي 30 ايلول/سبتمبر، أصدر أربعة من ممثلي خامنئي في أذربيجان الإيرانية بيانًا دعمًا لأذربيجان.

وفي عام 1993، انتقد خامنئي أرمينيا لاحتلالها قره باغ وادعى أن الأرمن يضطهدون المسلمين هناك، وعندما زار حيدر علييف، الزعيم الأذربيجاني آنذاك، إيران في عام 1994، ادعى خامنئي أن الدفاع عن وطنه هو واجب ديني للشعب الأذربيجاني.

وبدأت سياسة النظام الإيراني في التحول في التسعينات، حيث أصبحت أذربيجان أكثر ودية تجاه الغرب، بينما لا يزال المرشد الأعلى يعتقد أن قره باغ تنتمي إلى أذربيجان، فقد سمح لحكومته بالاقتراب من أرمينيا.

وعندما زار رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان إيران في عام 2019، شجع خامنئي على توثيق التعاون الاقتصادي بين البلدين، وخلال الزيارة، أكد خامنئي أنه يجب على أرمينيا وأذربيجان حل نزاعهما من خلال المفاوضات.

'رد فعل الحكومة'

ورددت الحكومة الإيرانية كلام خامنئي بتشجيع المفاوضات، في اليوم الذي بدأت فيه الاشتباكات (27 أيلول/سبتمبر 2020)، وغرد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف أن بلاده "تدعو إلى وقف فوري للأعمال العدائية وتحث على الحوار لحل الخلافات".

وفي 28 أيلول/سبتمبر، قال المتحدث باسم الحكومة علي ربيعي إن النظام الإيراني، إلى جانب تركيا وروسيا، يمكن أن يتحدوا لمساعدة الأطراف المتصارعة على إيجاد حل سلمي للنزاع.

'رد فعل الحرس الثوري الإيراني'

وبينما كانت الحكومة تحاول تقديم النظام على أنه محايد في الصراع، فإن العديد من المنافذ الإخبارية المقربة من الحرس الثوري الإيراني تعتبر أذربيجان هي المحرض على الصراع وتصور الاشتباك على أنه تهديد للنظام الإيراني، وبأن أذربيجان تشكل تهديدًا لإيران، وقدمت تلك الوسائل الإعلامية أذربيجان على أنها حليف للغرب وإسرائيل وزعمت أن باكو سمحت لإسرائيل باستخدام أراضيها في العمليات.

'تداعيات الصراع على النظام في إيران'

وتتمتع أذربيجان بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي، فهي توفر 40٪ من استهلاك إسرائيل النفطي، ويعتبر الاتحاد الأوروبي أذربيجان شريكًا استراتيجيًّا له دور مهم في جعل أوروبا أقل اعتمادًا على موارد الطاقة الروسية.

كما أن أذربيجان متحالفة مع تركيا، التي تضغط من أجل الوحدة التركية في القوقاز، بما في ذلك المقاطعات الإيرانية التي يقطنها الأذريين.

ولذلك، فإن النظام الإيراني ينظر إلى أرمينيا على أنها حليف يمكن معه خلق قوة توازن في المنطقة (مع قيام روسيا بالطبع بدور محوري).

فأرمينيا عضو في التحالف العسكري في منظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO)، التي يسيطر عليها الكرملين، والنظام الإيراني يدرك أن التعاون مع أرمينيا سيجعل إيران أقرب إلى روسيا.

والعلاقات التجارية مع أرمينيا مهمة أيضًا للنظام الإيراني، بسبب العقوبات الأمريكية، وترى طهران أن جميع الدول التي ترغب في التجارة معها مهمة.

وهذا ينطبق بشكل خاص على البلدان المجاورة، بما في ذلك أذربيجان، ومع ذلك، بين عامي 2019 و2020، تراجعت العلاقات التجارية بين إيران وأذربيجان، مما جعل أرمينيا حليفًا أكثر جاذبية.

'خيارات النظام الإيراني'

إيران في موقف معقد، حيث تتعارض مصلحتان رئيسيتان مع بعضهما البعض، وقد يؤدي دعم أرمينيا إلى تقوية موقف النظام الإيراني في المنطقة، لكن القيام بذلك يعني أن إيران تدير ظهرها لأذربيجان، الدولة الشيعية.

وعدم القيام بأي شيء ليس خيارًا، لا يريد النظام السماح لأنقرة بزيادة نفوذها في المنطقة الواقعة شمال إيران، حيث يشكل نشر تركيا للجهاديين في المنطقة تهديدًا خطيرًا لإيران ونظامها، وقد يفسر هذا سبب رغبة طهران في إشراك تركيا وروسيا في حل النزاع.

وسيحاول النظام الإيراني استخدام الصراع لتقريب أنقرة وموسكو من طهران، حيث أقامت إيران وتركيا علاقة وثيقة بشكل متزايد، وسيسعى إلى جعلها أقوى، لقد كانت تركيا شريكًا اقتصاديًّا جيدًا لإيران، وكلاهما معاديان للسعودية وإسرائيل.

ماذا سيقرر النظام الإيراني أن يفعل؟

وتتمثل العقيدة الأساسية في السياسة الخارجية للنظام الإيراني في إدراكه لنفسه على أنه أم القرى، أو أم جميع المدن الإسلامية، ومن المرجح أن تدفع هذه العقيدة إلى نهج مؤيد للأرمن.

فعقيدة أم القرى، التي طورها محمد جواد لاريجاني، ساعدت النظام على تحويل سياسته الخارجية من المثالية إلى الواقعية، وباختصار، تدّعي العقيدة أنه إذا سقط النظام، فلن يبقى هناك من يدافع عن الإسلام والشيعة، لذلك يجب على النظام إعطاء الأولوية لأمنه وقوته بغض النظر عن التكلفة، بقاء النظام الإسلامي أهم من حياة بعض المسلمين بحسبه.

وفقًا لذلك، ينبغي توقع أن يدعم النظام أرمينيا، على الأقل إلى المدى المحدود الذي يمكن أن تؤثر فيه دول المنطقة على الصراع، ومن المحتمل أن يحدث هذا أثناء القتال وبعده، ومن المحتمل أن يتم تقديم هذا الدعم سرًّا في شكل تزويد أرمينيا بالعتاد المدني والحرب، بالإضافة إلى الدعم الاستخباراتي والدبلوماسي، وسوف يعمل النظام الإيراني على تجنب المواجهة المباشرة مع تركيا وأذربيجان.

(م ش)


إقرأ أيضاً