​​​​​​​المحاولات الاستفزازية لحكومة دمشق -  شكري كدك

منذ الرابع عشر من آذار المنصرم، يُفرض على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب وعلى منطقة الشهباء ذات الغالبية الكردية التي تديرها الإدارة الذاتية، حصارٌ يشمل قطع المواد الغذائية والصناعية عن الأهالي.

تحدث مثل هذه الممارسات من وقت إلى آخر وتسبّب الأزمات، إلا أنها تُحلّ عن طريق الحوار.

إن الظروف المعيشية في هذه المناطق صعبة جداً، إذ أن معدل البطالة مرتفع للغاية، وتأمين القوت اليومي أيضاً يعدّ أمراً في غاية الصعوبة بسبب الحرب، وفرض الحصار على الأهالي، على الرغم من كل هذه المعاناة، قتلٌ للشعب.

كما أنّه يوجد المرتزقة والتنظيمات غير القانونية والممارسات التعسفية في المناطق التي تسودها الحرب. ولو قمنا بأخذ جميع الاحتمالات بعين الاعتبار، فإننا نرى في قيام حكومة دمشق بفرض الحصار على الكرد، محاولاتٍ استفزازية.

أيّاً كان من يقوم بفرض الحصار على المواد الغذائية الأساسية والمحروقات والمواد الأخرى، فإنّ حكومة دمشق مسؤولة عن ذلك. هذا الحصار يتم على يد قوات النظام، وبغض النظر عن مدى تحكّم الحكومة وسيطرتها على هذه القوات التي تفرض الحصار، فإنّ هذا لا يغير الحقيقة.

أولاً؛ أثّرت الحرب الأوكرانية على سوريا، وبالتالي سوف يكون لها تداعيات على مناطق الإدارة الذاتية على الصعد العسكرية والسياسية والاقتصادية أيضاً. وكما نعلم، فإن حكومة دمشق ليست القوّة الفاعلة الوحيدة في سوريا، إذ هناك الدولة التركية ومرتزقتها وروسيا والولايات المتحدة الامريكية وإيران في الوقت ذاته. وتعدّ مناطق الإدارة الذاتية أكثر المناطق السورية استقراراً في ظل فوضى الحرب هذه.

تستمر الهجمات المعادية التركية على مناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا بلا انقطاع، وفرض حكومة دمشق للحصار يعني مشاركتها في هذه الهجمات.

تسعى الهجمات التي تستهدف مناطق الإدارة الذاتية إلى زعزعة استقرار أكثر المناطق استقراراً في سوريا.

 تقف الدولة التركية خلف الهجمات التي تطال جميع مناطق الإدارة الذاتية، لا سيما روج آفا التي تشبه جزيرة مستقرة وآمنة في منطقة الحرب هذه.

كان ينبغي أن تقف حكومة دمشق في وجه الهجوم والاحتلال اللذين قامت بهما الدولة التركية في سعيها لضم عفرين إلى أراضيها، لكنها طمعت بمناطق الإدارة الذاتية. وكان هذا خطأً فادحاً.

إنّ مستقبل حكومة دمشق مرتبط بالتفاوض مع الإدارة الذاتية. فوجود وإملاءات وتوجيهات القوات الخارجية لن تؤدي إلّا إلى المشاكل والصراعات في سوريا. وينبغي أن ترى حكومة دمشق هذه الحقيقة.

ينبغي أن تتوصّل إلى الحلّ عن طريق الحوار، ولكنها تقوم بدلاً عن ذلك بتعزيز نفوذ القوى الخارجية من خلال التضليل والحصار.

إنّ الحصار ومعاقبة الكرد في حلب ومحيطها هو استفزاز واضح. فعلى الرغم من أنّ السلم مع الكرد هو السبيل الوحيد لخلاص حكومة دمشق، إلا أنها بفرضها للحصار تخلق فرصاً للحرب.

لن يستسلم الكرد للحصار، ولن ينجروا إلى الاستفزازات. الحل يكمن في الحوار والاتفاق مع الممثلين الرسميين للكرد، مع الإدارة الذاتية.

 إن عدم وصول مساعي الإدارة الذاتية للحوار إلى المستوى المطلوب حتى الآن، هو نتيجة العقلية التضليلية للنظام السوري.

وكما نعلم، فإنّ أي أزمة محتملة ناجمة عن الحصار، لن تقتصر على حلب ومحيطها فقط.

يواصل الكرد سعيهم للتعايش المشترك، إلا أنّ حكومة دمشق في المقابل ترّد عليهم بالحصار. وهذا إصرار على عدم الحل، والذي سيكلّف النظام ذاته. 

من الممكن أن تصبح القضية السورية نسخة أسوأ من القضية العراقية. إذ ساء وضع العراق بعد صدّام حسين، ولم يتم تشكيل الحكومة، لقد أصبح ساحة لعبٍ لتركيا وإيران والقوى الأخرى، ومن المحتمل أن تشهد سوريا وضعاً مماثلاً.

إن لم يتم تجاوز الوضع الحالي، فلن يتحقق السلام والاستقرار يوماً. ينبغي أن تعيش مع الكرد في حالة من السلم، وتكون منفتحة على الخيارات الديمقراطية، ولا تتجاهل فرص الحوار. فكل الخيارات دون الحل السياسي والحوار والدبلوماسية ستتسبّب بإراقة الدماء والمجازر.

إنّ القوات التي تطوّق الكرد وتفرض الحصار عليهم، هي القوات العسكرية المسماة بالفرقة الرابعة التابعة لحكومة دمشق. لذا من غير الممكن أن تقوم هذه القوات العسكرية بمثل هذا الأمر من تلقاء نفسها أو بدون موافقة من النظام.

كما يمكن أن تكون القوى الخارجية هي من تقف خلف هذه الاستفزازات. إذ تتيح حالة الحرب أرضية مناسبة لمثل هذه المساعي. مهما كان الهدف من هذا الحصار، ينبغي أن ندرك أنّه سيفسح المجال لنتائج غير مقبولة أو متوقعة.

لن يستطيعوا جعل المجتمع يستسلم من خلال انتهاج سياسة التجويع يوماً. يجب إيجاد حلّ قبل أن يعاني الكرد في حلب أكثر. وإلا فلن يكون هناك خيار سوى الحماية الذاتية.