​​​​​​​الإيزيديون مستهدفون مجدداً .. مخطط أطرافه تركيا والعراق والديمقراطي الكردستاني

منذ آب/أغسطس عام 2014 لم تتوقف الهجمات على شنكال، فبعد هجمات داعش بدأ القصف التركي، والآن وبعد أن نظم الإيزيديون أنفسهم، بدأت المخططات تحاك بين تركيا والعراق والحزب الديمقراطي الكردستاني مجدداً للقضاء على مكتسباتهم.

لم يَرُق للحكومة العراقية والاحتلال التركي والحزب الديمقراطي الكردستاني تنظيم أهالي شنكال لأنفسهم بعد جرائم الإبادة التي ارتُكبت بحقهم في أعقاب هجمات داعش في آب/أغسطس عام 2014، وبدؤوا بالتخطيط مجدداً للسيطرة على هذه المنطقة الاستراتيجية على الحدود السورية العراقية.

وأكثر الأطراف الساعية لإعادة السيطرة عليها هو الحزب الديمقراطي الكردستاني مدفوعاً من النظام التركي. ويستخدم هذا الحزب التهديدات التركية وسيلة لإخضاع سكان المنطقة من أجل تسليمها له، وذلك عبر ترديد التصريحات التركية بوجود حزب العمال الكردستاني هناك رغم أن الحزب أعلن سحب مقاتليه منذ نيسان/أبريل 2016 بعد أن حرر شنكال في تشرين الثاني 2015.

"مطامع تركية"

ولدى تركيا، التي يقودها الآن أردوغان ذو الخلفية الإسلامية ودولت بهجلي القومي المتطرف، أطماع جديدة قديمة في السيطرة على المنطقة التي تراها جزءاً من ميثاقها الملّلي والذي خسرته بعد الحرب العالمية الأولى، فهي ترى في محافظات الموصل وكركوك وهولير والسليمانية جزءاً من امبراطوريتها البائدة التي تسعى لاستعادتها، إلى جانب شمال سوريا.

ولتحقيق هذه الغاية، تريد تركيا السيطرة على شنكال لتميّزها بموقعها الاستراتيجي ووجود جبال يمكن إقامة قواعد دائمة لها هناك.

ولهذا شكلت تركيا بالتعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي سمح بمرور الدبابات والجنود الأتراك، وسط صمت الحكومة العراقية، قاعدة عسكرية في بعشيقة بالقرب من الموصل عام 2015 وذلك بحجة المشاركة في محاربة داعش والذي كانت الحكومة العراقية تخوض معارك طاحنة ضده في الموصل.

ولكن هذه القاعدة لم تطلق رصاصة واحدة باتجاه داعش، بل على العكس، لعبت الدور الأساسي في توجيه تحركات داعش، لذا يقول السياسيون إن مهمة الجنود الأتراك في بعشيقة هي مهمة احتلالية وإعادة أمجاد سلطنة بائدة.

وعليه اتخذت السلطات العراقية القرار في خريف عام 2016 بإخراج القوات التركية من قاعدة بعشيقة ولكن ذلك لم يحصل حتى الآن، بل على العكس تحولت القاعدة إلى مقر تُعقد فيه لقاءات دورية بين الضباط الأتراك والمسؤولين في الحزب الديمقراطي الكردستاني وبعض القيادات السنية والتركمانية التي تعمل لصالح تنفيذ أجندات تركيا في العراق.

"هجمات خانه صور"

ومن أولى المخططات التي حاكتها تركيا وسعى الحزب الديمقراطي الكردستاني لتنفيذها، مستغلين ضعف الحكومة العراقية وتناحر الأطراف السياسية في هذه البلد الذي مزقته الطائفية، كان التخطيط لشن هجمات على ناحية خانه صور في قضاء شنكال.

ففي شهر شباط/فبراير عام 2017 زار مسعود البارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، تركيا والتقى المسؤولين الأتراك الذين صرحوا أن الزيارة تناولت الحديث عن أوضاع الموصل وشنكال، ولكن كانت الحكومة العراقية تخوض معارك طاحنة ضد داعش في الموصل، في حين كانت وحدات مقاومة شنكال قد حررت قضاء شنكال.

وبدأ المخطط بتصريحات لمعاون رئيس الوزراء التركي فايسي كايناك الذي قال: "إذا كانت البيشمركة غير قادرة على إخراجهم من هناك –شنكال- نحن سنخرجهم".

وبعد هذه التصريحات، نقل الحزب الديمقراطي الكردستاني ما يسمى "بيشمركة روج" الذين تلقوا التدريبات على أيدي الاستخبارات التركية في قواعد عسكرية في مناطق نفوذ الحزب، إلى محيط ناحية خانه صور الواقعة جنوب غرب مدينة شنكال.

وفي فجر يوم الجمعة 3 آذار/مارس 2017، شنت بيشمركة روج مدعومة بقوات الزيرفاني التابعة للديمقراطي وعربات الهمر الأمريكية، هجوماً على الناحية من أجل السيطرة عليها، واستهدف المهاجمون بالقصف منازل الإيزيديين في الناحية ما أدى لتدمير عدد من المنازل.

وعلى الفور خرجت الأمهات الإيزيديات وتوجهن إلى الخنادق التي كان يحفرها بيشمركة روج والزيرفاني حول الناحية، ولكنّ مسلّحي الحزب الديمقراطي استخدموا السلاح بوجه الأمهات، كما استهدف المسلحون الصحفيين الذين كانوا يغطون الأحداث ما أدى لإصابة الصحفية نوجيان أرهان بشكل مباشر في رأسها ما أدى لاستشهادها متأثرة بإصابتها في 23 آذار/مارس 2017.

ورفض الشعب الكردي في كل مكان من شنكال إلى روج آفا وباشور هجمات مسلحي الحزب الديمقراطي الكردستاني على الإيزيديين وخرجت تظاهرات عارمة في باشور ولكن سلطات الحزب الديمقراطي واجهتهم بالاعتقال والسجن.

وفي يوم الـ 7 من آذار استخدم مسلحو الحزب الديمقراطي السلاح الحي بوجه الإيزيديين النازحين المقيمين في مخيم نوروز الذين تجمعوا على الحدود بالقرب من بلدة ربيعة.

وفي يوم 14 آذار استخدم مسلحو الديمقراطي السلاح بوجه الأمهات الإيزيديات من ناحية خانه صور اللواتي توجهن إلى خنادق المسلحين الذين كانوا يحاصرون الناحية ويستعدون لاقتحامها، ما أدى لاستشهاد عضوة حركة حرية المرأة الإيزيدية، نازي نايف وإصابة اثنتين أخريين بالرصاص الحي، كما أصيب 8 مواطنين بقنابل الغاز التي استخدمها مسلحو الديمقراطي.

"قصف جبال شنكال"

بعد إفشال مخطط تركيا والحزب الديمقراطي الكردستاني في محاصرة شنكال في آذار/مارس، تدخل الاحتلال التركي بنفسه هذه المرة وقصفت طائراته في 25 نيسان/أبريل 2017 جبال شنكال "منطقة العامود وقرية كرسي"، ما أدى إلى استشهاد مقاتل في وحدات مقاومة شنكال، ومنذ ذلك الوقت بدأت تركيا باستخدام الطائرات المسيرة في قصف شنكال بين الحين والآخر مستفيدة من المعلومات التي يقدمها مسلحو الحزب الديمقراطي الكردستاني لهم.

"استشهاد مام زكي شنكالي"

دولة الاحتلال التركي وطيلة هجماتها على الشعب الكردي معروفة بأسلوبها الذي يستهدف القادة الطليعيين الذين يلعبون دوراً في تنظيم وتوعية الكرد، وكان المام زكي شنكالي عضو منسقية المجتمع الإيزيدي، أحد الطليعيين الذين أنقذوا الإيزيديين من براثن الإرهاب، فأصبح هدفاً لدولة الاحتلال التركي.

ففي يوم 15 آب/أغسطس 2018 تعرضت سيارة المام زكي شنكالي للقصف من قبل طائرة مسيّرة تركية، أثناء عودته من مراسم إحياء الذكرى الرابعة لمجزرة كوجو التي ارتكبها داعش في محيط شنكال.

"استهداف القادة الذين حرّروا شنكال من داعش"

وفي 13 كانون الاول 2018، قصفت الطائرات  منطقة كليي شيلو، مما أدى إلى استشهاد 3 مدنيين من كوباني كانوا يعملون في حفر الآبار.

وفي 4 تشرين الثاني 2019 قصفت طائرات الاحتلال التركي ناحية خانه صور، ما أدى لإصابة مواطنين اثنين، واستمرت الطائرات بقصف الناحية حتى يوم 19 من ذات الشهر، والذي أدى إلى جرح 5 من مقاتلي قوات الحماية، وفي في ظهيرة يوم 24 تشرين الثاني ونتيجة قصف الطائرات على ناحية خانه صور استشهد 3 من مقاتلي وحدات مقاومة شنكال، واستمر القصف حتى اليوم التالي على قرية باري. 

وفي 15 كانون الثاني 2019 هاجمت تركيا قرية ديكري التابعة لناحية سنوني ما أدى إلى استشهاد القائد العام لوحدات مقاومة شنكال زردشت شنكالي، والمقاتلين حميد شنكالي، شرفان جيلو، وايزدين شنكالي وجرح مقاتل آخر.

وأكدت التنظيمات والمؤسسات السياسية والمدنية في شنكال خلال بيانات، بأن الدولة التركية تهدف من هجماتها هذه لإحياء داعش والانتقام من القوات التي قضت عليها.

"مخطط جديد"

في شهر نيسان/أبريل، بدأت تتكشف ملامح مخطط جديد، إذ قصفت طائرات الاحتلال التركي في الـ 15 من نيسان/أبريل مخيم مخمور للاجئين، ما أدى لاستشهاد ثلاث من نساء المخيم، تبعه إرسال الحزب الديمقراطي الكردستاني، لقواته إلى جانب من يطلق عليهم "بيشمركة روج" الذين دربتهم الاستخبارات التركية إلى منطقة زينه ورتي بهدف محاصرة قوات الدفاع الشعبي الكردستاني واحتلال قنديل، ونظراً لردة فعل الشعب الكردستاني لم يستطع الحزب الديمقراطي الكردستاني تطبيق المخطط الموكل إليه.

وفي مطلع شهر حزيران/يونيو عام 2020 بدأت معالم المخطط  تتكشف أكثر فأكثر بعد أن أجرى رئيس الاستخبارات التركية هاكان فيدان زيارة سرية إلى بغداد التقى خلالها رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي الذي شغل منصب الاستخبارات العراقية سابقاً، شاركت فيها قادات أمنية إيرانية.

وجاءت هذه الزيارة في إطار التنسيق العسكري بين العراق وإيران وتركيا الذي بدأ في آب/أغسطس عام 2017 ضد الشعب الكردي بعد أن أعلن رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني إجراء استفتاء الاستقلال في إقليم كردستان العراق.

وفي ذلك الوقت اجتمع قادة أركان الدول الثلاث مراراً في بغداد وطهران وأنقرة لمناقشة كيفية مواجهة الكرد.

وعلى الرغم من أن هذا الحلف بين بغداد وأنقرة وطهران تشكّل لمواجهة الكرد وأفشل مخطط البارزاني في استفتاء الاستقلال، إلا أن الحزب الديمقراطي الكردستاني انخرط مع هذه الدول الثلاثة مجدداً ضد الشعب الكردي.

إذ ركزت اجتماعات فيدان مع الكاظمي وقادة الأمن الإيرانيين، حول كيفية مواجهة حزب العمال الكردستاني في مناطق ميديا الدفاعية وكذلك القوى الكردية المعارضة لإيران والموجودة في باشور كردستان، إلى جانب كيفية القضاء على المكتسب الكردي الذي تحقق في شنكال، والدور الذي يجب أن يلعبه الحزب الديمقراطي الكردستاني في ذلك.

وفي إطار هذا المخطط شنت طائرات الاحتلال التركي في الـ 15 من حزيران هجمات على جبال شنكال ومخيم رستم جودي في مخمور ومناطق ميديا الدفاعية، ليتبعها بعد ذلك هجوم بري لقوات الاحتلال التركي بمساعدة من الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي تولى مهمة تقديم المعلومات مباشرة إلى جيش الاحتلال.

وعلى مدار أكثر من ثلاثة أشهر، حاول جيش الاحتلال التركي احتلال منطقة حفتانين، إلا أن المقاومة الكبيرة التي أبدتها قوات الدفاع الشعبي الكردستاني، أفشلت المخطط، لذا توجهت الأنظار مجدداً إلى شنكال.

وفي هذا السياق أجرى نيجيرفان البارزاني زيارة إلى تركيا في مطلع أيلول/سبتمبر، التقى خلالها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووزير خارجيته ومسؤولين آخرين، وعلى الرغم من أن بيان رئاسة الإقليم أشار أن الزيارة جاءت لمناقشة الأوضاع الاقتصادية وانتشار فيروس كوفيد 19، إلا أن تغريدة لوزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو فضحت الزيارة، إذ قال أوغلو: "تم الاتفاق على محاربة حزب العمال الكردستاني معاً".

وبعد هذه الزيارة، كثفت حكومة باشور التي يهمين عليها الحزب الديمقراطي الكردستاني، زياراتها إلى بغداد ووقعت معها في الـ 9 من تشرين الأول/أكتوبر، اتفاقاً لإدارة شنكال أمنياً وإدارياً بعيداً عن رغبة أهلها أو استشارتهم.

وأعلن مجلس الإدارة الذاتية الديمقراطية في شنكال رفضه لأي اتفاقية تبرم حول مصيرهم دون مشاركتهم، وقال في بيانه: "يجري بين بغداد وهولير خلال الآونة الأخيرة مناقشات حول الوضع الأمني والإداري في شنكال، في محاولة لإحداث تغيير في المنطقة دون الأخذ بعين الاعتبار رؤى وإرادة شعب شنكال".

ولم تلقَ هذه الاتفاقية القبول لدى أهالي شنكال الذين يرون فيها مؤامرة جديدة تستهدف وجودهم، لأن القوات التي هربت عندما ارتكبت المجازر بحقهم تريد أن تعود مجدداً بدلاً من أن تحاسب مسؤوليها الذين هربوا، ويرون أن عودتهم تفتح الباب مجدداً أمام مجازر جديدة.

وفي لقاءات أجراها شيوخ وممثلون عن شنكال ومجلس الإدارة الذاتية فيها، مع النائب الأول لرئيس مجلس النواب العراقي حسن الكعبي وثلاثة من أعضاء البرلمان العراقي، ومع كتلة "عصائب أهل الحق" في البرلمان العراقي، ونائب القائد العام لقيادة العمليات المشتركة اللواء عبد الأمير الشمري، أكد جميع الأطراف رفضهم للاتفاقية وأحقية إدارة أهالي شنكال بأنفسهم.

وما يؤكد أن هذه الاتفاقية تأتي في إطار مخطط جديد وضعته تركيا، هو قيام الحزب الديمقراطي الكردستاني ببناء حصون ومواقع عسكرية جديدة على طول الحدود مع روج آفا، وكذلك إرسال قوات البيشمركة مدعومة بأسلحة ثقيلة إلى جبال كاري.

وتريد تركيا أن يحدث اقتتال كردي كردي لن يستفيد منه أحد سواها، وهذا ما سيسهل عليها تطبيق مخططها في احتلال هولير ودهوك والسليمانية وشنكال، وإضعاف الكرد في كركوك والسيطرة على هذه المحافظة الغنية بالنفط عبر أذرعها من التركمان والعرب السنة الموالين لها، مستفيدة من عداء السنة لجماعات الحشد الشعبي.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً