​​​​​​​الهاآرتس: تركيّا تستخدم ليبيا لرؤيتها التّوسّعيّة في المتوسّط، لكنّها قد تأتي بنتائج عكسيّة

قد تتسبّب تحرّكات أنقرة في ليبيا في إثارة صدام مع روسيا، ممّا يقوّض موطِئ قدمها في المنطقة،  فيما بدأت مصر بالفعل محادثات حول تشكيل تحالف مناهض لتركيّا يضم قبرص واليونان وحلفائها العرب.

الوطن الأزرق أو "Mavi Vatan" ليس شعاراً يهدف إلى جذب السياح للعودة إلى شواطئ تركيا الجميلة، ولكنّه يشير إلى العقيدة التركية التي كانت سارية حتّى عام 2006، وقد أعيد إحياؤها في العام الماضي عندما عرض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خريطة للتوسع الاستراتيجي التركي عبر ثلاثة بحار، وذلك بحسب مقال تحليلي لصحيفة الهاآرتس الإسرائيلية.

وكان أردوغان يتحدّث عن البحر الأبيض المتوسّط وبحر إيجه والبحر الأسود، ولكن من الواضح أنّ تطلّعات تركيا تتجاوز ذلك، وتتطلّع الآن أيضاً إلى الخليج الفارسي والبحر الأحمر وبحر العرب.

وفي هذا السياق يجب النظر إلى الحرب الساخنة الحالية في ليبيا، حيث فتحت تركيا بالتعاون مع قطر، جبهة عسكرية هناك لدعم حكومة فائز السراج، الذي يواجه المشير خليفة حفتر، الذي تدعمه روسيا ومصر والإمارات العربية المتحدة وفرنسا.

فهذه الجبهة تضع تركيا في مسار تصادمي محتمل مع روسيا، وقد يؤدّي ذلك أيضاً إلى جرّ حلف شمال الأطلسي، إلى حملة غير ضرورية إذا لم يتمّ العثور على حلّ دبلوماسي مقبول من الطرفين قريباً.

ونجحت تركيا من خلال دروناتها ومرتزقتها السوريين في وقف تقدّم الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر ومنعه من السيطرة على العاصمة طرابلس وقاعدة الوطية الجوّية في الجنوب، لكن الحرب لا تزال في أوجها.

لم تقوّض هذه الهزائم المحلّية رغبة الجنرال حفتر في أن يصبح الزعيم الليبي المعترف به، إنه مقتنع أنه بمساعدة روسيا ومصر والإمارات العربية المتحدة، سيكون قادراً على هزيمة السراج وإجبار تركيا على إعادة النظر في مشاركتها في الحرب بالبلاد.

ويبدو أنّ الحرب بالوكالة تتطوّر في ليبيا بين كتلتين من البلدان، ومع ذلك، فإنّ النزاع المسلّح بين تركيا وروسيا وما ينتج عنه من تقويض موطئ قدم تركيا في البلاد ليس السيناريو الوحيد الممكن، ففي الواقع، وفي الوقت الحالي، إنّه السيناريو الأقل احتمالاً، لأنّه على الرغم من خلافاتهما، فإنّ موسكو وأنقرة لديهما مصالح مشتركة قوية.

وتسعى روسيا إلى توسيع نفوذها في أي منطقة أو بلد تتراجع منه أمريكا، والسيطرة على حقول النفط والغاز في ليبيا، وبناء مواقع استيطانية إضافية لنفسها على البحر الأبيض المتوسط إلى جانب تلك الموجودة بالفعل في سوريا، وكما تسعى تركيا أيضاً إلى مصادر الطاقة، ومثل روسيا، تريد أنقرة توسيع نفوذها في الشرق الأوسط العربي، حيث تعتبر العديد من الدول هذا التمدّد عدواناً، أو على الأقل مشبوهاً، ومع ذلك من الممكن أن لا تتعارض مجموعات المصالح هذه بالضرورة مع بعضها البعض.

وكما هو الحال في سوريا، يمكن للبلدين أن يتعاونا في ليبيا بطريقة تمكّن كل منهما من تحقيق مصالحها، ولذلك بدأت روسيا في استكشاف إمكانية بدء حوار بين حفتر وأنصاره السياسيين في شرق ليبيا من جهة، وحكومة الوفاق من جهة أخرى.

ولم تستبعد تركيا هذه الفكرة، نظراً لأنّ وضعها وقوتها العسكرية في ليبيا ستتركها ذات تأثير كبير على أي حكومة موحدة قد تنشأ، وبالمثل ستحتفظ روسيا بقبضتها على مقاليد الحكم عبر نفوذها على حفتر وأنصاره.

فشبكة المصالح هذه في ليبيا ليست منفصلة عن الحرب في سوريا، حيث تسير موسكو وأنقرة على أطراف أصابعها لتجنب الصراع مع بعضهما البعض.

وهناك، يحافظون بشكل مشترك على منطقة تهدئة في إدلب حتى عندما تمارس روسيا ضغوطاً شديدة على تركيا لإخراج جميع المجموعات المرتزقة من المحافظة، كما وعدت بذلك قبل حوالي 18 شهراً، وكما تواصل تركيا حربها ضد الكرد في شمال سوريا حتى مع سعي روسيا لإشراكهم في جهود التوصل إلى حل دبلوماسي نهائي للازمة السورية.

وقد يطوّرون علاقة مماثلة في ليبيا، ممّا سيسمح لهم بإدارة الصراع في البلاد بشكل مشترك ولكن بشكل غير مباشر.

وفي الوقت الذي كانت فيه أسعار النفط والغاز في أدنى مستوياتها، لم تكن عمليات الحفر المكلفة في صدارة قائمة أولويات أنقرة، فالمهم بالنسبة لها هو "الوطن الأزرق"، الطموح لبناء تركيا وتحويلها إلى قوة إقليمية، والتي من شأنها أن تجبر القوة الأخرى - روسيا وأمريكا والاتحاد الأوروبي - ليس فقط على أخذ مصالحها في الاعتبار، ولكن كشريك أساسي.

كان هذا الاتجاه واضحاً في الميزانية الضخمة التي خصصتها تركيا للإنفاق العسكري، من خلال بناء قوّة جوّية تعتمد على الإنتاج المحلّي، بناء السفن البحرية المتطورة، بما في ذلك الغواصات وسفن الصواريخ السريعة، توسيع أسطول طائراتها بدون طيار، التي تنشط في ليبيا وسوريا، وبناء قواعد عسكرية في قطر والصومال والسودان.

معضلة إسرائيل

كان القصد من الاتفاقية الموقّعة بين السرّاج وأردوغان هو منح تركيا الشرعية (التي لا تزال موضع خلاف في الواقع) للتنقيب عن النفط والغاز في منطقة بحرية شاسعة والتي إلى جانب أهميتها الاقتصادية، تخلق حاجزاً جغرافياً بين دول البحر المتوسط الأخرى ومنتجي النفط (قبرص، مصر ولبنان وإسرائيل)  وقارّة أوروبا، وبالتالي إذا أرادت أي من هذه الدول بيع النفط أو الغاز إلى أوروبا، فسوف يتعيّن عليها المرور عبر الأراضي "التركية"، وهو ما يعني التوصّل إلى اتفاقيات مع أنقرة.

ومن المؤكّد أنّ هذه الخطوة أثارت غضب الاتحاد الأوروبي، وقد بدأت مصر بالفعل محادثات حول تشكيل تحالف مناهض لتركيا يضمّ قبرص واليونان وحلفاءها العرب، ولكن إسرائيل حافظت حتى الآن على صمتها.

ولم توقّع إسرائيل حتى على البيان المشترك الذي صاغته مصر وفرنسا واليونان وقبرص والإمارات العربية المتحدة، والذي عبّر عن معارضته للاتفاق التركي الليبي، ووفقاً لتقارير وسائل الإعلام التركية، فإنّها تدرس زيادة تعاونها مع أنقرة لضمان نقل الغاز الذي تنتجه الشركات الإسرائيلية في البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا.

وقد تواجه هذه العلاقات الإسرائيلية التركية معضلة، فهل يجب عليها أن تسير مع حلفائها (مصر واليونان وقبرص) أو تتبنّى سياسة مستقلة يمكن أن تقوض تعاونها معهم؟

وبغض النظر عمّا إذا كانت تركيا تنتج أو لا تنتج النفط أو الغاز من المنطقة الاقتصادية الخالصة التي أعطتها لها اتفاقها مع ليبيا، فقد حققت بالفعل هدفها الدبلوماسي، لتصبح لاعباً رئيسياً في البحر الأبيض المتوسط، والسؤال الذي يواجه أردوغان الآن هو كيفية تحويل هذا الإنجاز الدبلوماسي إلى رأس مال سياسي محلّي في وقت تواجه فيه تركيا واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية التي عرفتها على الإطلاق.

(م ش)


إقرأ أيضاً