​​​​​​​العراق.. لا حلول في الأمد القريب مع استمرار التدخلات الخارجية

تتواصل الأزمة السياسية والاجتماعية والمعيشية في العراق دون أي حلول على الرغم من المبادرات المحلية والدولية، وذلك منذ تأسيس نظام الدولة القومية القائم على إقصاء الآخر تلاها تطبيق نظام المحاصصة الطائفية والمذهبية. فما هو الحل؟

يعيش العراق وغيره من دول الشرق الأوسط فترات هدوء قليلة جداً لا تكاد تذكر، حيث السمة العامة في هذا البلد كانت ومازالت هي الأزمات والفوضى، والتي لها أسباب عديدة منها الصراع القومي والمذهبي والديني، وكذلك الأجندات التي تسعى إلى تحقيق مكاسب من خلال تلك الأزمات، حيث يحاول كل طرف الاستفراد بتمثيل طائفته ودينه وقوميته، وهو ما يساهم في احتقان الأوضاع ويؤدي غالباً إلى التوتر الطائفي أو العرقي بغية تحقيق غايات شخصية.

فيما يرجع بعض المحللين أسباب الأزمة إلى شكل الانتخابات والتي يعتبرونها هي من تفاقم الأزمات في البلاد، وهو الأمر الذي يفسح المجال لتدخلات دول الجوار في الشأن الداخلي العراقي وتنفيذ الكتل السياسية لأجندات خارجية.

أما المراقبون للوضع السياسي في العراق وخاصة بعد "الغزو الأميركي"، فيعزون تردي الأوضاع إلى أنه انعكاس للصراعات الإقليمية على الواقع العراقي، إذ يستبعدون عزل ما يجري في العراق عما يجري في المنطقة وذلك لوجود تنافس على الهيمنة والنفوذ على الشرق الأوسط بين تركيا وإيران والسعودية.

أسس خاطئة

الدكتور العراقي في التاريخ السياسي جواد البيضاني قال في معرض تقييمه للوضع السياسي في العراق بعد "الغزو الأميركي":  "العراق حالياً يعيش فترة انتقالية قد تستمر من 20إلى 25 عاماً، والسبب في ذلك يعتمد على بناء الدولة ومؤسسات الدولة ما بعد التغيير، فالأحزاب السياسية التي قامت بعملية البناء واستحداث مؤسسات جديدة وبناء الجيش وتهيئة القوى الأمنية، قامت على أسس خاطئة، لأن هذه الأحزاب أمضت حياتها كلها في المعارضة وغير قادرة على إدارة دولة بنظام مؤسساتي متكامل لأن بنية أحزابها بنيت على الكفاح المسلح فقط، ولم تفقه بالإدارة شيء سوى القليل، إدارة هذه الأحزاب في الأغلب مرتبطة بالإدارات الخارجية، فهي تنفذ إرادات خارجية ولا تمثل الطموح الوطني، كما أن من مصلحة القوى المحيطة بالعراق أن يبقى الوضع بالعراق على ما عليه".

أما مدير المعهد العراقي للتنمية والديمقراطية، الدكتور غسان العطية، يرى خلال حديث خاص لوكالتنا أن "الأسباب العميقة للأزمة العراقية تكمن في الانقسام الحاصل لدى العراقيين فيما بينهم، وكذلك استعانة كل طرف بجهة أجنبية، وهو ما جعله ساحة نفوذ للأجنبي".

ذهنية الدولة.. السلطة على حساب القيم الاجتماعية

منذ نشوء الدولة السومرية وإلى الآن لم يشهد العراق سوى الفوضى، حيث قامت هذه الدولة وما تلاه من دول بفرض ذهنية سلطوية عبر إلغاء الآخر، وذلك على حساب القيم الاجتماعية التكاملية والتي طورتها الشعوب على مدار تاريخها الطويل.

ذهنية الدولة هي ذهنية إقصائية بطبعها، تسعى على الدوام لإلغاء دور الشعوب، وما موقف الدولة القومية العراقية بعد سايكس بيكو وموقف صدام حسين وموقف الولايات المتحدة التي غزت العراق عام 2003 والحكومات التي تشكلت بعد الغزو، إلا تكريس لعقلية الاقصاء والإلغاء المستمدة من نظام المدنية المركزية في سومر، إلى درجة أنه ما يزال يعيش العراق وباقي دول الشرق الأوسط وكل العالم، تأثيرات دولة تشكلت قبل 5آلاف عام.

وعلى الرغم من غنى هذه المنطقة بالقوميات والمذاهب والأديان والتي تعتبر ميزة إيجابية، إلا أنها تحولت في ظل نظام الدولة القمعي إلى خلق للصراع وللاقتتال.

الحل هو بالقيم المشتركة

يقول مدير المعهد العراقي للتنمية والديمقراطية في هذا السياق: "نجاح الشعوب عندما يكون لديهم قيم مشتركة، أوروبا توحدت بقيم مشتركة وليس بالقومية أو الدين أو المذهب".

أما الدكتور جواد الببضاني يرى من جانبه بأن الحل والاستقرار في العراق: "يعتمد على الإدارة الناجحة غير المرتبطة بالخارج، لأن القوى الإقليمية والدولية لا تمكن العراق من إدارة نفسه فهي تضغط لتكريس الفوضى لإشغال المنطقة وإرباكها لأي استقرار في العراق وسوريا هو يمثل لهذه القوى، وذلك لخشية هذه الدول من خروج دول منافسة لها".

وعلى الرغم من الرسم الغربي الغريب لخرائط المنطقة من خلال اتفاقية سايكس- بيكو ومساهمتها في نشوء الدول القومية المتصارعة بغية إبقاء بؤر توتر قابلة للانفجار في أية لحظة، وكذلك عبر سياسة "الفوضى الخلاقة" والتي هي باختصار استكمال لاتفاقية سايكس- بيكو، وذلك لضرب الكل بالكل عبر تجزيء المجزأ وتفتيت المفتت، فإن الإنسان والمجتمعات تميل بطبعها إلى الاستقرار والتكامل مع غيرها في حين أن الطارئ المفروض استعمارياً عليها كان التباعد والتفكك، المنافي لخط السير الموضوعي باتجاه الاندماج والتكامل والتوحد.

(ي ح)

ANHA