​​​​​​​عداء الدولة التركية التاريخي للشعب الكردي وسبل الحرب القديمة والحديثة

الدولة التركية التي دأبت على مدى قرن من الزمان على شن هجمات إبادة ضد الشعب الكردي في مسعى للقضاء عليه بشكل كامل، تواصل في يومنا الراهن الهجوم على ثورة روج آفا بأساليب قديمة جديدة بهدف القضاء على الثورة.

سعت الدولة التركية من البداية إلى ضرب ثورة روج آفا والقضاء عليها، ففي البداية دعمت المجموعات المرتزقة مثل القاعدة وداعش وجبهة النصرة, إلا أن ثورة الشعوب ألحقت ضربات موجعة بتلك المجموعات المرتزقة التي كانت تتلقى دعمها من أردوغان، وتصاعدت الثورة يوماً بعد يوم حتى باتت شعوب العالم تساند هذه الثورة.

حكومة أردوغان - باهجلي الفاشية لم ولن تتوقف. حيث تعمل مع هذه المؤسسات المجرمة وتفعل جهاز المخابرات "الميت"، لمواصلة مساعي القضاء على ثورة روج آفا. ولكن هذه المرة لجأت إلى أساليب مختلفة، وتسعى إلى ضرب الثورة من الداخل.

الدول بحد ذاتها هي جهاز أو مؤسسة للحرب الخاصة، وبشكل خاص الدولة التركية التي لجأت إلى مختلف السبل والسياسات من أجل القضاء على الكرد عبر القمع والاضطهاد، وهذا جزء من الحرب الخاصة. ورغم تجربة هذه الأساليب مرات عديدة من قبل الدولة التركية خلال المائة عام المنصرمة من تاريخها، إلا أنها مصرة على مواصلة هذه السياسات.

عداء الدولة التركية التاريخي للشعب الكردي

العداء التركي لثورة روج آفا لا ينفصل عن الذهنية المعادية للكرد التي انتهجتها الدولة التركية عبر تاريخها.

وأبرز أشكال العداء التركي للشعب الكردي تمثل في سياسات الإبادة الجسدية، والتهجير والتنكيل التي ورثتها من العثمانيين، وسارت على نهجها، واتخذتها منهجاً أساسياً في تاريخها المعاصر. واعتمدت هذه السياسة خلال انتفاضة ديرسم، وفيما بعد وعبر سنوات 1950 -1970 أضافت إليها سياسة الصهر القومي. واستخدمت هذه الأساليب بشكل خاص ضد الأرمن واليونان والسريان، وقد استفادت من هذه الأساليب، وعليه كان عليها أن تجرب هذا الأسلوب "الصائب" ضد الكرد أيضاً.

استطاع الشعب الكردي الصمود والمقاومة ضد جميع هذه الهجمات. وكلما نجحت المقاومة في إفشال الهجمات كانت الدولة التركية تنتهج سياسات وأساليب جديدة. فقد لجأت إلى العمالة المحلية، الجواسيس وشراء الذمم والدعارة والمخدرات والتضليل الإعلامي كأساليب حرب أساسية. والحقيقة أن تاريخ استخدام هذه الأساليب يعود إلى زمن الدولة العثمانية وزمن التشكيلات الخاصة لدى الاتحاد والترقي.

النهاية الدموية التي انتهت بها انتفاضات الشعب الكردي خلال عشرينيات القرن الماضي، أحدثت شرخاً كبيراً وتشتتاً بين الكرد. ومع اتفاقيات سايكس بيكو ولوزان تم تطبيق سياسة "فرق تسد" على الشعب الكردي.

في تلك الفترة كانت البنية العشائرية هي السائدة في كردستان، وتلك العشائر كانت مشتتة ولم تستطع تحقيق وحدتها، وكان السبيل الأنجح وقتها هو تشتيت العشائر وضربها ببعضها لتعمل كل واحدة منها على القضاء على الأخرى، وبالتالي جر بعض تلك العشائر إلى جانب الدولة، واستخدامها لضرب باقي العشائر. وقد تم استخدام هذا الأسلوب بشكل فعال. حولوا كل المعالم الكردية إلى تركية، أو تم القضاء عليها وإنهاؤها، أو تم الترويج على أنها رجعية وأن الكرد لا جذور تاريخية لهم.

في أعوام السبعينيات تم استخدام جميع هذه الأساليب مجتمعة ضد الحركة التحررية الكردستانية، ولكنهم هذه المرة أيضاً اصطدموا بجدار النضال والمقاومة من أجل الحرية التي أبداها الشعب الكردي. نضال الحرية الذي تصاعد في باكور "شمال كردستان" مر بالعديد من المراحل العصيبة، وامتد تأثير هذا النضال إلى باقي أجزاء كردستان ووصل إلى يومنا الراهن. ولكن الفكرة التي بقيت راسخة في عقل الدولة التركية هي؛ معاداة الشعب الكردي وإبادته.

أردوغان لم يحد عن درب أجداده

وصولاً إلى أعوام الـ 2000 لم تتمكن الفاشية البيضاء التي انتهجها الأتراك من القضاء على مسيرة نضال حرية الشعب الكردي، وعلى العكس من ذلك فقد تم القضاء على كل من انتهج هذه السياسات، ولذلك فقد حان دور اللجوء إلى الفاشية الخضراء والدين من قبل الدولة الكرية، وقد تم تكليف أردوغان بهذه المهمة.

 

 

لقد أدرك أردوغان ومعه دائرة الحرب الخاصة أنهم لا يمكن أن يستمروا في السلطة طويلاً ما لم يتم القضاء على حركة الحرية. وكان أردوغان يقرأ مصير من سبقوه من الحكام بشكل جيد واستنبط منه الدروس والعبر. الدولة العميقة كانت إلى جانب أردوغان، وقدمت له دعماً لا محدوداً، كما أن القوى التي ساهمت في تقسيم كردستان خلال الحرب العالمية الأولى وقفت أيضاً إلى جانب سلطة أردوغان. وبالتوازي مع ذلك كان نضال الشعب الكردي من أجل الحياة الكريمة يتصاعد يوماً بعد يوم سواء في المنطقة أو العالم، مما يعني أن أردوغان كان بصدد ملاقاة مصير الحكام الذين سبقوه.

داعش كان هدية من الله لأردوغان

في مثل هذا الوقت بالضبط ظهرت داعش في العراق كإحدى مخلفات القاعدة، وبدأت بالتمدد والانتشار في سوريا، لتتحول إلى كابوس يهدد الإنسانية. تمكنت داعش من دحر الجيوش، واجتاحت المدن بين ليلة وضحاها، اختطفت النساء والأطفال، قتلت واغتصبت. وخلال أيام تم تهجير الآلاف من الناس في أوطانهم أو خارج أوطانهم. أما المجتمع الدولي فكان موقفه موقف القرود الثلاثة، ولم يكن أحد ليرفع صوته ويقول كفى. باختصار كانت داعش "هدية من الله" لأردوغان.

لأن هذه المجموعات بدأت بالهجوم على الشعب الكردي سواء في سوريا أو في العراق.

وتصاعدت مقاومة الشعب الكردي ضد داعش، بداية في شنكال ومن ثم مخمور وكركوك، وصولاً إلى روج آفاي كردستان، وتم دحر وإفشال مخططات أردوغان الواحد تلو الآخر. تمكن الشعب الكردي من تصعيد المقاومة ودحر داعش، وتلقى دعماً منقطع النظير من شعوب المنطقة وشعوب العالم.

طبقة العملاء بديلاً للسلفيين

عندما تشكلت جبهة مقاومة شاملة بقيادة الشعب الكردي مناهضة للسلفيين، فشلت جميع حسابات ومخططات أردوغان وشركائه. لذلك عاد مرة إلى سياسات ومخططات أسلافه، وسعى إلى الضرب من الداخل، ولم يكتفوا بذلك بل لجأوا إلى استخدام وتجنيد العملاء والجواسيس.

ومع الأسف فإن هناك في كردستان من يستجيب لهذه السياسات والمخططات، حيث تم تجنيد العديد من الأشخاص وبأسماء مختلفة، وهم على الأغلب أشخاص منبوذون في المجتمع، ولا قيمة اجتماعية لهم، ومع ذلك أطلقوا على أنفسهم تسميات وصفات حزبية، كانت بعض هذه الأحزاب موجودة منذ سنوات دون أن يلتفت إليها أحد، وكانت مجرد تنظيمات مهمشة. حتى أنه لم يظهر لهم وجود أثناء الثورة. ولكن تم استخدام هؤلاء العملاء من قبل الدولة التركية لضرب حركة حرية الشعب الكردي.

وكان الهدف هو القضاء على الشعب الكردي عن طريق هؤلاء العملاء، الذين لا تربطهم مع الكردايتي سوى أن أصلهم كرد، يستخدمون لغة وثقافة ورموز الشعب الكردي، ولكن بالاسم فقط، ووضعوا أيديهم بيد الدولة التركية ووقعوا على فرمانات إبادة الشعب الكردي، وتصرفوا بناء على فرمانات الدولة التركية. ينطقون باستمرار باسم الكرد وكردستان، يقولون أنهم يعملون على الساحة الدولية باسم الكرد وكردستان، ويروجون بين الناس بأنهم يمثلون نهج الكردايتي، ولكنهم وباسم الكردايتي كانوا يفرضون العمالة والخيانة على الكرد. عقدوا اجتماعات علنية وسرية مع الميت التركي في أنقرة وديلوك ورها وغيرها من المدن، وكانوا يفتخرون بذلك.

في المطاعم وغرف الفنادق الفخمة عقدوا صفقات على حساب حرية الشعب الكردي

الحقيقة أن هذه الأطراف التي تسمي نفسها بالكردية لم تفعل أي شيء للكردايتي. ومنذ بداية الثورة وعندما كان الشباب الكرد يضحون بدمائهم ضد مرتزقة الدولة التركية، كانت تلك الأحزاب والأطراف تعقد الاجتماعات مع الميت التركي، ويتم استقبالهم في الفنادق والمطاعم الفخمة، وعلى الدوام كانوا يتشدقون بشعارات "الكردايتي".

أولئك الذين كانوا يعقدون الصفقات على حساب قيم الشعب الكردي، بدأوا بالتقزم يوماً بعد يوم أمام أولئك الذين كانوا يضحون بدمائهم من أجل الحرية، ورغم مساعي شراء الذمم إلا أن شعب روج آفا لم يهتم بهؤلاء، وتصاعدت الحرب في كل مكان، كان المجتمع يميز جيداً بين من ينتمي إليهم ومن لا ينتمي إليهم.

بعد أن تم القضاء على داعش، بدأت الدولة التركية باستخدام تلك الأطراف العميلة، كما بدأت بتنفيذ أساليب جديدة للحرب الخاصة، وصلت إلى درجة أنها استخدمت تلك الأطراف كأحجار الشطرنج في هذه الحرب الخاصة.

تم تدريب عناصر الميت من قبل الدولة، بهدف نشرهم بين المجتمع، والقضاء على الثقافة الأصيلة. ونشر الدعارة والتسيب الأخلاقي عبر استدراج الشباب باستخدام المخدرات ومن ثم استغلالهم ضد أبناء شعبهم.

مساعي إثارة الفتنة بين الكرد والعرب

من أهم مميزات وخصائص ثورة روج آفا أن الكرد والعرب وقفوا إلى جانب بعضهم البعض. لذلك سعت الدولة التركية إلى إثارة الفتنة والتفرقة بين الكرد والعرب. وسعت إلى إثارة العداوة بين العرب تجاه الشعب الكردي، وروجت مختلف الدعايات والافتراءات المضللة بهدف تشويه صورة الإدارة الذاتية الديمقراطية.

لقد انتهجوا سياسة قائمة بشكل أساسي على الدعاية المضادة ضد حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب، وتم احتلال عفرين وكري سبي وسري كانيه لتحقيق هذه الغاية، ولكن في معركة عفرين ظهر للجميع من الذي وقف إلى جانب شعبه وواصل المقاومة، ومن الذي وقف إلى جانب الأعداء وباعوا قضية ومستقبل شعبهم للعدو.

فمن جهة تم عبر العملاء والجواسيس، بث الدعايات المغرضة والافتراءات والأخبار المضللة بين المجتمع ضد الإدارة الذاتية وحزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب والمرأة، ومن جهة أخرى عمدوا إلى بث الفوضى والوهن واليأس بين المجتمع عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، وعن طريق العملاء الذين استغلوا القيم الكردية، والذين قبضوا ملايين الدولارات عليهم في ديلوك ورها وأنقرة، وبالتالي سعوا من أجل تنظيم المجتمع لمناهضة قيادة الثورة في روج آفا.

وكما قال تيودور أدورنو "لا حياة صحيحة في الخطأ" ولا يمكن الإجابة بشكل صحيح على الأسئلة الخاطئة. فبدلاً من محاسبة ومساءلة أولئك الذين احتلوا كردستان، وارتكبوا المجازر، يتم محاسبة ومساءلة من قاوموا وصمدوا من أجل الحرية. وهذه مساءلة خاطئة، ولا يمكن أن يكون الجواب صحيحاً.

خلاصة القول، إنهم كانوا يسعون من خلال تلك الهجمات إلى القضاء على الإدارة الذاتية، وبث الفتنة والصراعات بين الشعوب والمعتقدات في المنطقة. وبناء عليه فإن السؤال الأهم هو ماذا يجب أن يفعل كل واحد منا.

الأمر الأهم هو طرح الأسئلة الصائبة، يجب أن تتم عملية مساءلة مجدية، والكشف عن حقيقة جميع الأطراف، ليتبين من هي الجهة التي تناضل من أجل المستقبل والنظام الديمقراطي ومن أجل الحياة المشتركة بين الكرد والعرب والسريان والأرمن وجميع الشعوب الأخرى، ومن الذي يعتدي على تلك الشعوب.

 (ك)

ANHA