​​​​​​​عائلة عمو.. مثال لآلاف الأسر الّتي تحلم بالعودة إلى مناطقها

لا تأبه أسرة عمو المُهجّرة من مدينة سريه كانيه بهجمات الاحتلال التركي لما خسرته, بقدر شغفها بالعودة إلى مدينتها, والتي باتت حلماً تستيقظ عليه الأسرة كل صباح.

في منزل ريفي مؤلّف من غرفتين في قرية الجديدة شرقي ناحية زركان التابعة لمدينة سريه كانيه شمال شرق سوريا, وعلى بعد 9 كم من مسقط رأسهم, استقرّ الحال بأسرة عمو بعد أن هُجّرت من قرية قبر الشيخ حسين 15 كم شرق مدينة سريه كانيه بفعل هجوم جيش الاحتلال التركي ومرتزقته في الـ9 من تشرين الأول 2019.

وأدّى هجوم الاحتلال التركي إلى تهجير أكثر من 300 ألف نسمة من أهالي مناطق شمال وشرق سوريا, في المناطق الممتدّة من شرق مدينة سريه كانيه وصولاً إلى غرب مدينة كري سبي/ تل أبيض, وذلك بحسب الإحصائيات التي كشفت عنها الإدارة الذاتية.

ويعيش اليوم داوود جمال عمو في العقد السادس من عمره, برفقة زوجته منيفة ملّا أيوب وبناته "آواز, نالين, سعاد", وحفيداته "نالين, نارفين, آية", معتمداً على ما ادّخره من المال خلال عمله السابق في زراعة أراضيه, وما يقدّمه أبناؤه الثلاثة الآخرون, الذي يعملون في مناطق أخرى في إقليم الجزيرة.

طائرات الاحتلال التركي تقصف كل شيء

وعن تهجيره ورحلته إلى محطّة إقامته الأخيرة, يقول داوود جمال عمو لوكالتنا: "كنّا أكثر من عشرين أسرة في قرية قبر الشيخ حسين, في الأيام الأولى لم نخرج من القرية, لكن عند رؤيتنا للطيران وكيفية القصف الذي لم يميّز بين الساكن والمتحرك, قمنا بالخروج من القرية على الفور".

وخشية منه على حياة أسرته وأبنائه من القصف العنيف الذي استهدف مدينة سري كانيه وقراها, فرّ مع الأسر الأخرى من القرية بعد 3 أيام, وقال: "القصف لم يميّز بين صغير وكبير, ومدني وعسكري, خرجنا على الفور إلى مركز ناحية زركان بعد 3 أيام من الخوف والرعب جرّاء القصف".

زوجته منيفة أيوب أشارت إلى أنّ القصف كان يشكّل خطراً كبيراً على أسرتهم وبالأخص الأطفال الصغار, قائلة: "الطائرات كانت تحوم فوق رؤوسنا, وكانت تقصف يميناً ويساراً, كان لدينا أطفال, وكنّا متخوّفين ممّا قد يصيبهم, لم نحمل معنا عند الخروج أي ممتلكات باستثناء ما كنّا نرتديه, وبعض الألبسة للأطفال, ونزحنا إلى زركان".

وأضاف داوود على ما قالته زوجته: "انتظرنا في زركان أن يهدأ القصف, لنعود إلى قريتنا لكن القصف لم يتوقّف, ومع وصول المرتزقة إلى قريتنا, والبدء بالسلب والنهب والتدمير, أيقنّا بأنّه لم يعد لدينا فرصة للعودة, فتركنا خلفنا كل ما نمتلكه".

وتنقّلت أسرة عمو لمدّة 6 أشهر بين ناحية زركان وناحية الدرباسية لدى أقربائهم, قبل أن تنتهي رحلتهم في هذه القرية, نظراً لقربها من مسقط رأسهم "قرية قبر الشيخ حسين" والتي تبعد عن مسكنهم الحالي 9 كم غرباً.

ويقول عمّا خسره داوود عمو: "خسرتُ أكثر من 170 مليون ليرة سورياً, بين أراضي زراعية تقدر مساحتها 150 دونم, وممتلكات ومعدّات لاستصلاح الأراضي الزراعية, ومنزل وأثاث منزلي, وغيرها, جميعها سُرقت, وتمّ مصادرتها".

ونوّه إلى أنّ كل ما خلّفته الحرب قد يعوّض جميعه لاحقاً حين العودة, لكن ما لا يعوّض هي قريته التي وقعت تحت الاحتلال، وباتت تعمّها الفوضى وعدم الاستقرار, قائلاً: "كل ما نرغبه ونتمنّاه أنا وعائلتي العودة إلى ديارنا, والعيش من جديد في ظلّ أجواء يعمّها الأمن والاستقرار بعيداً عن المرتزقة".

ويبيّن داوود عمو بأنّ منزله تعرّض للحرق الكامل, ولم يبقَ لديه هناك سوى منزل مدمّر محروق, مشيراً إلى أنّه شاهده من خلال الصور التي وردت إليه, والتي تمّ العثور عليها في منشورات المرتزقة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وتشهد المناطق الواقعة تحت الاحتلال التركي ومرتزقته بشكل بات يومي خلافات بين المجموعات المرتزقة على تقاسم أملاك المدنيين, من أراضٍ زراعية, ومنازل ومعامل ومحال تجاري, سرعان ما تتحوّل إلى اشتباكات بين تلك الأطراف, آخرها الاشتباكات بين مرتزقة السلطان مراد, ومرتزقة العمشات, وذلك حسب المشاهد المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي التابعة للطرفين, وتصريحاتهم.

امنيتهم هي العودة

وتتّفق منيفة أيوب مع زوجها داوود على أنّ العودة هي الأهم من كل ما خسروه من ممتلكات, مؤكّدة بأنّ الصحة والعيش في منزلهم هو الأهم من المال", وأشارت إلى أنّها تتمنّى كل يوم أن تعود إلى ديارها, وتتأمّل العودة التي باتت حلماً تستيقظ هي وعائلتها عليه كلّ صباح.

وحال آواز عمو الأبنة الوسطى في العائلة وهي في العقد الثالث من عمرها, كما حال والدها ووالدتها, وباقي العائلات المهجّرة من المنطقة, أعينها تترقّب العودة وإخراج المرتزقة من مناطقهم, وأن يعمّ الأمن والاستقرار في تلك المناطق كما سابق عهدها.

قصة عائلة عمو مثال عن آلاف العوائل المهجّرة من ديارهم، والتي تنتشر في مناطق الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا, جرّاء عملية التهجير الممنهجة التي يمارسها الاحتلال التركي, ويقطنون اليوم ضمن مخيّمات ومراكز إيواء خصصتها الإدارة الذاتية وسط غياب دعم المنظّمات الإنسانية, وصمت دولي حيال هذه المعاناة.

(ي ح)

ANHA


إقرأ أيضاً