دير الزور .. من التهميش والحقبة السوداء وزعزعة الاستقرار إلى التنظيم والعمل الجاد- 2

اتبعت حكومة دمشق سياسات ممنهجة بحق أبناء دير الزور منذ صعود حزب البعث إلى السلطة عام 1963، ولعبت بشكل كبير على وتر العشائرية، ودفعت أبناءها للتوجه إلى العراق بعد الغزو الأميركي، واستخدمتهم لاحقًا في مهاجمة الكرد عام 2004، ومع بداية الثورة خلقت الأرضية لانتشار التنظيمات الإرهابية في سوريا.

دير الزور.. من حكم البعث إلى حكم جبهة النصرة وداعش

منذ وصول حزب البعث إلى سدّة الحكم في سوريا، استخدم عدّة طرق للسيطرة على منطقة دير الزور، أهمها سياسة إضعاف البنية العشائرية عن طريق خلق صراعات بينها، وتهميش دور العشائر الكبرى والتقليل من شأن شيوخها، ومنح دور للبرجوازيين، واتبع أسلوب الترهيب الأمني المرن.

ولتحقيق هذه الغاية، عمد النظام البعثي إلى نشر فوضى السلاح وشجع أبناء العشائر على اقتناء السلاح وحمله، كدلالة على القوة والسيطرة؛ لذا انتشر السلاح بشكل كثيف بين أبناء العشائر في دير الزور، وبشكلٍ خاص في المناطق الحدودية مع العراق، كالبوكمال والهري والمناطق الريفية.

'غض الطرف عن اقتناء السلاح'

وغضت حكومة البعث الطرف عن اقتناء أبناء دير الزور للسلاح، لعلمها أن العشائر ستستخدم هذا السلاح في النزاعات القائمة فيما بينها، ولن تستخدمه ضد الحكومة.

وفي هذا السياق، كان رئيس فرع الأمن العسكري في قامشلو، محمد منصورة، يُسلّح أبناء عشائر دير الزور والرقة حتى الحدود العراقية عبر منحهم بطاقات أمنية لحمل السلاح من عام 1980 إلى 2000.

وحتى قبل عام 2003 - الغزو الأميركي للعراق- كان السلاح المتوفر بيد العشائر عبارة عن أسلحة خفيفة كالمسدسات والكلاشنكوف، وتحولت دير الزور وبشكلٍ خاص بعد الغزو الأميركي للعراق إلى سوقٍ سوداء للسلاح نظرًا لموقعها الحدودي مع العراق؛ وتعرفت العشائر على أسلحة جديدة، مثل الرشاشات المتوسطة، إضافة إلى قاذف الآر بي جي وأسلحة القناص، وبعض مدافع الهاون من العيارات الخفيفة؛ وانخفضت أسعار الأسلحة بشكل كبير في المنطقة نتيجة الكم الهائل الذي دخل إلى الأراضي السورية.

ولم تقتصر سياسة حكومة دمشق على غض الطرف عن حمل أبناء العشائر للسلاح، بل بدأت دوائر حربه الخاصة بتحريض الشبان على التوجه إلى العراق لمقاومة "الاحتلال الأميركي"، وفتحت الحدود أمامهم، فتوجه آلاف الشبان إلى العراق، وانخرط عدد لا بأس به من هؤلاء في صفوف التنظيمات الجهادية التي كانت تنشط في العراق، ولعب هؤلاء دورًا لافتًا في تشكيل تنظيم جبهة النصرة المصنف على لائحة الإرهاب الدولي مع بداية اندلاع الثورة السورية في ربيع عام 2011.

'تحريض العرب ضد الكرد'

ومن أجل زيادة سيطرته على مجتمع دير الزور، بدأ النظام البعثي بتحريض أبناء العشائر العربية على الكرد في محاولة لخلق حرب أثنية بين الكرد والعرب، وظهر ذلك بشكل جلي في 12 آذار عام 2004، عندما أرسل أبناء دير الزور إلى مدينة قامشلو لمتابعة مباراة كرة قدم بين ناديي الجهاد والفتوة، وأراد أن يستغل مباراة كرة القدم ليخلق صراعًا بين الكرد والعرب، إلا أن تلك المحاولة فشلت بفضل حنكة ووعي نخبة من العقلاء في إقليم الجزيرة ودير الزور، وما فشلت حكومة دمشق في تنفيذه في ذلك الوقت تريد أن تنفذه الآن عبر استهداف شيوخ ووجهاء العشائر في دير الزور مجددًا.

'رغم غناها بالنفط لم يستفد منه سكانها'

وحرمت حكومة دمشق مناطق دير الزور من خيراتها، وأبقت على المنطقة غير مخدمة وسيئة البنية التحتية، حيث افتقرت المنطقة إلى فرص العمل، فعلى الرغم من غناها بالثروات الباطنية وخصوصًا النفط والغاز والعائدات الضخمة التي كانت تعود للحكومة من ورائها، إلا أن أبناء دير الزور ظلوا محرومين منها، فالقيادة القطرية لحزب البعث كانت تقول دائمًا إن عائدات النفط تدخل في أيدٍ "أمينة".

ولذلك شهدت دير الزور موجة نزوح الفئة الشابة بعد عام 2000، نتيجة ضعف الاقتصاد المحلي، وعدم توفر المعامل التي تركزت في مدن حلب ودمشق وحمص، وافتقار المنطقة إلى المشاريع التي يمكن أن توفر فرص عمل للفئة الشابة، وبذلك بدأ الشبان بترك دير الزور والتوجه نحو دمشق وحلب وحمص وإلى خارج سوريا وخصوصًا الخليج العربي.

'دير الزور والثورة السورية'

بعد اندلاع الثورة السورية في 15 آذار عام 2011، خرج أبناء دير الزور الذين عانوا الفقر والحرمان والاضطهاد، إلى الساحات مطالبين بالحرية، ولكن قوى الأمن واجهت المحتجين بالرصاص الحي، ما أدى إلى مقتل أحد أفراد عشيرة العقيدات، لتبدأ مرحلة مواجهات بين موالين للحكومة ومستفيدين منها وآخرين يطالبون بحقوقهم، وهذا ما حصل في بلدة حطلة.

ومن أبرز الأسباب التي دفعت أهالي دير الزور إلى الانتفاض في وجه حكومة دمشق، كان الفقر الحاد الذي تعيشه المنطقة ونقص الخدمات المقدمة لها بالمقارنة مع الثروات الكبيرة التي تمتلكها، بالإضافة إلى أن الذهنية التي حاولت حكومة البعث زرعها في بعض أبناء العشائر بأن الكرد يقفون خلف سقوط نظام صدام حسين في العراق، عادت بشكل عكسي عليها من خلال ارتباط أولئك الأشخاص بالنظام العراقي ضد حكومة البعث السورية.

ومع تطور التظاهرات وخصوصًا في ظل فوضى السلاح التي كانت حكومة البعث قد سمحت بها سابقًا، واستخدام الأهالي لهذه الأسلحة في الدفاع عن أنفسهم، جابهت حكومة البعث المظاهرات التي خرجت في دير الزور بيد من حديد، وتحوّل فيما بعد إلى قمع ممنهج.

وحاصرت قوات حكومة البعث في 28 تموز 2011 مدينة دير الزور بشكل كامل لقمع الاحتجاجات بالقوة الأمنية والعسكرية وبشكل مفرط، مما أدى إلى حدوث انشقاقات بين صفوف القوى الأمنية والعسكرية، وتشكلت حينها مجموعات مسلحة نسبت نفسها إلى ما يسمى الجيش الحر، والبعض الآخر شُكلت للدفاع عن النفس وأخرى من أجل السيطرة على آبار النفط.

وبالتالي، استُخدم السلاح ليس فقط للدفاع عن النفس، بل لخدمة أجندات جبهة النصرة التي استفادت من توجه أبناء دير الزور سابقًا إلى العراق من أجل محاربة أميركا وعودتهم لاحقًا، ووجود بعض الحواضن لها في المنطقة، وبالإضافة إلى ذلك تم استخدام السلاح من قبل بعض الطامعين في السيطرة على آبار النفط وحقول الغاز، ومستودعات وصوامع الحبوب، وبالتالي انتشرت فوضى عارمةً في المنطقة.

'أول موطئ قدم لمرتزقة جبهة النصرة في سوريا'

شهدت دير الزور في الفترة الممتدة من تموز 2011 إلى نيسان 2012 حالة من التشتت والفوضى بعد اتساع رقعة الاحتجاجات وسيطرة المجموعات المسلحة والعشائر على مناطق عدّة، نتيجة افتقار المجموعات المسلحة والعشائر إلى حنكة توحيد الصفوف، حيث كان هناك صراع قائم بين حكومة دمشق ومعارضيها، وصراع بين زعماء العشائر على آبار النفط ومناطق النفوذ.

وقد ساهم ذلك في تغلغل المجموعات المرتزقة كجبهة النصرة ومن بعدها مرتزقة داعش بشكلٍ خاص، بعد أن أطلقت حكومة دمشق سراح بعض المعتقلين من أصحاب الفكر السلفي، وعودة بعض أبناء المجتمع العشائري من العراق حاملين تجارب وخبرات حرب طويلة مع التنظيمات الجهادية، وخاصة القاعدة، وكان لأولئك الدور الأهم في تشكيل جبهة النصرة وتنظيم عملها في منطقة العشائر.

وبحسب بحث لمركز روج آفا للدراسات الاستراتيجية، فإن مرتزقة جبهة النصرة تمكنوا مع بداية عام 2012 من تنظيم صفوفهم في بلدة "الشحيل وغريبة، وجديد عكيدات" شرق مدينة دير الزور التي يقطنها أفراد من قبيلة العقيدات، وانضم إليهم بعض أفراد العشائر الذين أفرج عنهم من سجن صيدنايا منتصف عام 2011، ومنهم تشكلت جبهة النصرة في كانون الثاني عام 2012 التي استقطبت العديد من أبناء العشائر الآخرين.

وتمكن مرتزقة جبهة النصرة من كسب ود العشائر، عبر منع اختلاط عناصرها من الخارج بالناس، والتحرك بحذر، مما زاد من نفوذها في المنطقة، ولكن لم تدم سيطرة جبهة النصرة على مدينة دير الزور طويلًا، فخلال الفترة التي سيطرت فيها على دير الزور حدث عدّة اشتباكات بينها وبين بعض العشائر.

'دير الزور وداعش..'

وعقب إعلان داعش عن نفسه في كل من سوريا والعراق عام 2013، وسيطرته على عدّة مناطق في سوريا، حدث انقسام حاد بين عناصر مرتزقة جبهة النصرة، وبشكل خاص بعد مبايعة المسؤول الشرعي للنصرة (أبو ماريا العراقي) لزعيم مرتزقة داعش أبو بكر البغدادي الذي قٌتل نهاية عام 2019، بعملية للقوات الأميركية في الريف الشمالي لمحافظة إدلب المحتل من قبل جيش الاحتلال التركي، مدّ داعش نفوذه بين عشائر المنطقة بشكل خاص عبر عشيرة البكير أحد أفرع قبيلة العقيدات، مستغلة الخلاف الحاصل بينهم وبين عشيرة البو كامل أبناء عمومتهم في مدينة الشحيل.

وفي 20 تموز 2014 سيطر مرتزقة داعش وبشكل شبه كامل على محافظة دير الزور، مع بقاء قوات حكومة دمشق في بعض المناطق الأمنية الخاصة بها ومن بينها مطارها العسكري.

وبعد دخول داعش إلى دير الزور والسيطرة على أجزاء من المدينة قتل المرتزقة أمير مرتزقة جبهة النصرة صفوان الحنت المكنى بـ "أبو حازم" في دير الزور أثناء محاولته مغادرة المدينة، وبعد ذلك تحوّل الصراع في دير الزور كباقي المناطق السورية إلى صراع النفوذ وصراع المصالح والأجندات السياسية، ووحده الشعب دفع ضريبة ذلك، حيث تعرض للانتهاكات والمجاعة وغياب الخدمات وتدمير البنية التحتية وفقدان آلاف الأرواح والوظائف والممتلكات، وتهجير الآلاف من قراهم وبلداتهم ومدنهم.

غداً: بعد أربع سنوات من الظلم شمس الحرية تسطع في دير الزور

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً