دير الزور .. من التهميش والحقبة السوداء وزعزعة الاستقرار إلى التنظيم والعمل الجاد - 1

عانت دير الزور من سياسة التهميش على يد حكومة البعث، وما أن أمَل الناس خيرًا بالحصول على الحرية، جاءت جبهة النصرة وداعش، لتعيش هذه المنطقة حقبة سوداء استمرت 4 أعوام، ولكن شمس الحرية أشرقت فيها بعد أن حررتها قوات سوريا الديمقراطية، والآن يسعى مجلس دير الزور المدني إلى إعادة بناء المنطقة بما يضمن مشاركة القبائل والعشائر العربية لإدارة نفسها ذاتيًّا.

لمحة عن دير الزور وقبائلها وتوزيعها الجغرافي

تمتاز منطقة دير الزور بأهمية استراتيجية كبيرة، فهي تقع على الحدود السورية – العراقية وتتوزع أراضيها بين ضفتي نهر الفرات، وفيها أكبر حقول النفط والغاز في سوريا مثل العمر والتيم والورد والتنك وكونيكو، وهي منطقة تمتاز بطابعها العشائري، لذلك تسعى القوى الخارجية المتدخلة في الأزمة السورية السيطرة عليها، كل من أجل تحقيق مصالحه.

وفي هذا الملف المؤلف من خمسة أجزاء، سيتم التطرق إلى الموقع الجغرافي لدير الزور وقبائلها وتوزعها الجغرافي. الأوضاع السائدة قبل الأزمة السورية، وبعد انطلاقتها مرورًا بسيطرة داعش عليها وتحريرها، وصولًا إلى المخططات القذرة التي تستهدفها وما تبذله الإدارة المدنية من جهود لإدارة المنطقة.

وفي الجزء الأول من الملف سيتم التطرق إلى الموقع الجغرافي والقبائل العربية التي تقطنها، فمنطقة دير الزور تقع في الجهة الشرقية من سوريا، على الحدود مع العراق، وتبعد قرابة 500 كم عن العاصمة السورية دمشق، ويحدها من الشمال الشرقي مدينة الحسكة، ومن الشمال الغربي الرقة، ومن الغرب الجنوبي حمص.

وتُعد دير الزور من أقدم المناطق السورية المأهولة بالسكان، وبحسب المكتشفات الأثرية التي يعود تاريخها إلى الألف التاسع قبل الميلاد، إلا أنها لم تشهد قيام مدينة قوية ذات شأن في الماضي، وكانت دومًا مركزًا حضريًّا تابعاً للمناطق والممالك المجاورة، ومن أقدم أسمائها "شورا".

وتبلغ مساحة دير الزور الإجمالية 33060 كم2، وبلغ عدد سكانها قبل عام 2011 قرابة 1.7 مليون نسمة، أي يشكلون 7% من عدد سكان سوريا، وتُعد ثاني أكبر محافظة سورية بعد محافظة حمص بحسب التقسيمات الإدارية التي قامت بها الحكومات السورية.

ويشكل العرب غالبية سكان مدينة دير الزور، مع وجود عدد من العائلات الكردية، والسريانية والأرمنية والتركمانية، والقسم الأكبر من العرب ينحدرون من خلفيات عشائرية، ولهذه العشائر دور كبير ومهم في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية، لأن ولاء معظم السكان للعشيرة بالدرجة الأولى، لذلك تم استغلال رؤساء العشائر من قبل كافة الأنظمة التي حكمت سوريا وسيطرت على دير الزور، قبل تحريرها.

ويقسّم نهر الفرات دير الزور إلى قسمين، حيث أنّ معظم المدن الكبرى تقع غرب النهر كمركز المدينة، والميادين والبوكمال والعشارة. 

ولدير الزور مكانة كبيرة، فقد كانت مركزًا ومحطة للقوافل التجارية من وإلى بغداد حتى يومنًا الراهن، كما أنها تقع على الطريق الواصل بين إقليم الجزيرة والعاصمة السورية دمشق، وفي الوقت الحاضر أصبحت موقعًا جغرافيًّا مهمًّا للأطراف المتصارعة في سوريا وحتى في العراق، لحدودها المشتركة مع محافظة الأنبار العراقية ووجود معبر القائم الحدودي فيها.

'إداريًّا'

إداريًّا؛ تنقسم دير الزور إلى ثلاث مناطق وهي مدينة دير الزور: مركزها مدينة دير الزور، وتضم ستة نواحٍ هي: البصيرة والكسرة والتبني وخشام وموحسن والصّور، والثانية مدينة الميادين: مركزها مدينة الميادين، وتضم ناحيتين هما: العشارة وذيبان، والثالثة مدينة البوكمال: مركزها مدينة البوكمال، وتضم أربعة نواحٍ: هجين والسوسة والجلاء والصالحية.

ويُشير سكان دير الزور إلى المنطقة الواقعة شرق نهر الفرات باسم (الجزيرة)، والواقعة غرب النهر باسم (الشامية)، كما يتدفق نهر الخابور من مدينة الحسكة ويصب في نهر الفرات في مدينة البصيرة، إلا أنه جف بشكل كبير نتيجة العوامل الجوية وبناء دولة الاحتلال التركي سدودًا على مجرى النهر قبل دخوله إلى سوريا.

'موارد'

وتعدّ تربة الحزام الضيق الذي يحد نهر الفرات خصبة جدًّا، وتدعم اقتصاد أهالي دير الزور، ويتم زراعة مجموعة من المحاصيل المتنوعة هناك، كالقمح والقطن في الدرجة الأولى والشوندر السكري والذرة، ويهتم أبناء دير الزور بشكل كبير بتربية الدواجن والماشية، وعلى وجه الخصوص الأبقار والأغنام والجمال، إلى جانب تربيتهم للخيول التي تعتبر جزءًا من الثقافة العربية.

وتمتلك مدينة دير الزور ثروات كثيرة، في مقدمتها النفط والغاز والثروة الزراعية والمياه، ويوجد فيها أكبر مخزون للغاز والنفط الخفيف في سورية، يشكل نسبته 24 % من الناتج السوري من النفط والغاز، ويوجد فيها أكبر حقول النفط كحقل العمر والتيم والتنك والورد، وأكبر ثمانية آبار نفط في دير الزور تقع في الريف الشرقي منها، ومن إحدى الثروات الباطنية الأخرى في دير الزور ملح الطعام، وتُعد مصدرًا رئيسًا للأملاح في سوريا، خصوصًا بلدة معدان.

'قبائل دير الزور'

وتعدّ منطقة دير الزور ذات طابع ديني معتدل، تنتشر فيها الحركة الصوفية بشكل كبير، وانخرط بعض أبناء دير الزور في الحركات الإسلامية عبر جماعة الإخوان المسلمين في خمسينات القرن الماضي، التي بدأ وجودها الفعلي بين أبناء العشائر، كما ذكر عدنان سعد الدين المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين منذ عام 1975 وحتى بدء المواجهات مع حكومة دمشق، التي حاولت نشر التشييع بين أبناء دير الزور بعد أعوام 2000.

كما وتعد دير الزور من المناطق القبلية في سوريا، وكبرى قبائلها هي العكيدات (العقيدات) والبكارة.

قبيلة العقيدات (العكيدات) من العرب القحطانيين الذين يلحقون نسبهم بقحطان، وموطنهم الرئيس جنوب شبه الجزيرة العربية، ولهم امتداد في العراق وسوريا أيضًا. 

وتتألف قبيلة العقيدات من ثلاثة بطون وهي جامل (كامل)، وجمال (كمال) وزامل، ومنها العشائر التالية: عشائر جامل وهي (البكير، والشويط، والبورحمة، والبو حسن، والظواهر، الصالح والطلاع الحمد في الشحيل، البو عز الدين والبو خلف)؛ أما عشائر البو كمال (البو جمال) هي (الحسون، والمراشدة، والبو مريح، والدميم، والإذار)، وبالنسبة لعشائر زامل فهي (الشعيطات).

وهناك عشائر متحالفة ومتعاقدة مع قبيلة العقيدات، وهي (مشاهدة، والبو خابور التي تضم ثلاثة أفرع وهي "البو عمر، والبوحليحل، والبو معيط، والبو سرايا، والمطاردة، والمراسمة، والبو خاطر، والجغايفة، والبوليل والقرعان).

وأميرا قبيلة العقيدات الحالية هما مصعب وإبراهيم، ولدا خليل العبود الجدعان الهفل.

وتنتشر قبيلة العقيدات على طول ضفتي نهر الفرات، الغربية من قرية البويطية شمالًا إلى مدينة البوكمال جنوبًا بمسافة تُقدر بحوالي 165 كم، وعلى الضفة الشرقية من قرية جديد عقيدات إلى جبل الباغوز مقابل مدينة البوكمال جنوبًا بمسافة تُقدر 110 كم، وتوجد أيضًا على نهر الخابور في 33 قرية معظمها من عشيرة البكير، وكثافتها تتركز في مدينتي الميادين والبوكمال.

'قبيلة البقارة أو (البكارة)'

وتنسب إلى العرب العدنانيين الذين يلحقون نسبهم بعدنان ابن إسماعيل ابن إبراهيم الخليل، وينقسم البقارة (البكارة) إلى قسمين: بقارة (البكارة) الزور نسبةً إلى سكنهم في دير الزور، وبقارة (البكارة) الجبل نسبةً إلى جبل عبد العزيز (جبل كزوان).

وتتألف قبيلة البقارة (البكارة) من بطنين هما عباد وعبيد، ويتفرعان إلى 28 عشيرة، وهي (البو مصعة، والبو معيش، والبو عرب، والبو صالح، والمشهور، والكليزات، والبو سلطان، والعبيدات، والعابد، والبو بردان، وعليان، البو شلهوم، والحمد العبيد، الخنجر، الرفيع، والعبد الجادر، الراشد، المناصرة، البورحمة، البوحسن، البو شيخ، البو مسلّم، البو علاوّ، البو شمس، البعد الكريم والميرخات)، ويترأس قبيلة البقارة (البكارة) الآن حاجم البشير.

وتتحالف هذه القبيلة مع قبيلة بو بدران من السادات الحسينية، ومعظمهم شيعي المذهب.

وتنتشر قبيلة البقارة (البكارة)على الضفة نهر الفرات (الجزيرة) على بعد 70 كم غرب مدينة دير الزور، و40 كم شرقها نحو مصب نهر الخابور، وتتداخل مع قبيلة العقيدات في قرية جديد عقيدات وجديد البقارة (البكارة) ، وتسكن نسبة كبيرة منهم في مدينة دير الزور، من بينهم عائلات عايش وعياش والحطاب التي تعتبر من مالكات مدينة دير الزور.

والقرى التي يتركز فيها البقارة (البكارة) بشكل عام هي قرى ناحيتي (الكسرة ومراط)، أي من ريف دير الزور الشرقي وحتى بلدة البصيرة، من قرى (حسينية، ومعيشية، وسفيرة فوقانية، والتحتانية، وحطلة، ومراط، وكسرة، ومظلوم، وخشام، وطابية، وسعدوني، وجديد بقارة، وجزيرة ميلاج، وجزرة بوحميد وشاطي، والحصان)، ويتمددون في المراعي الممتدة غرب طريق دير الزور- الحسكة حتى جبل عبد العزيز (كزوان).

ولقبيلة البقارة (البكارة) امتداد في إقليم الجزيرة وحلب، وامتداد بسيط في دول الجوار كالأردن والعراق وتركيا. 

'قبيلة القلعيين'

أما قبيلة القلعيين، وتضم عشائر (البو خليل، وسنان، ناصر، الويس وعمر، والبو مصطفى)، ويقطن أفرادها في مدينة الميادين ومحيطها، ويتوزع أفرادها أيضًا بين مدينة دير الزور في (الويسات)، والميادين في (البو مصطفى والبو خليل). والبعض عند مصب نهر الخابور في الفرات، ويُساكنهم عشائر أخرى من العانيين والرواويين والكرابلة، والمشاهدة والسادة، وقيس، وتركمان وأرمن، وكرد، وعقيدات، وعبيد، وعنزة، وبو شعبان، والبوحميد، وجركس. 

وهناك عدّة قبائل أخرى في دير الزور، كالجبور، وطيء، ودليم، والزبيد، وشمر والبوسرايا، والعشيرة التابعة لقبيلة شمر في دير الزور هي البو ليل، والعشيرة التابعة لقبيلة طيء هي الجواشنة، والتابعة لقبيلة الجبور هي الجغايفة، والتابعة لقبيلة الزبيد هي الجحيش.

كما أن هناك عشائر لا تنتمي إلى القبائل الآنفة الذكر في منطقة دير الزور، وهي عشيرة البوبدران، وتقطن في المنطقة الشمالية لمدينة البوكمال، وعشيرة اللهيب (لهيبي)، وعشيرة الظفير، وعشائر تنتمي إلى قبيلة عنزة كالبودبش والخابور والبورباح، والبو عرفات، والبو شلهوم، بالإضافة إلى بعض العشائر التي تُلحق نسبها بـ (آل البيت) كالمعامرة، والنعيم، والجوالغة والبوبدران.

ومعظم عشائر دير الزور هي من السنة من المذهب الحنفي إلى جانب وجود نسبة صغيرة من الشيعة، وبحسب دراسة أجراها مركز روج آفا للدراسات الاستراتيجية، فإن هناك عدد من الطرق الصوفية، كالنقشبندية، والخزنوية والشاذلية والقادرية نسبة إلى عبد القادر الجيلاني، والرفاعية نسبة إلى السيد أحمد الرفاعي والتي يُلقب زعماؤها بالسادة الأشراف ويلحقون نسبهم بـ "آل البيت"، موجودون في دير الزور.

غداً: دير الزور.. من حكم البعث إلى حكم جبهة النصرة وداعش

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً