دول تنضم وأخرى تتريث.. معارض سوري: افتتاح سفارتين ومعبر لا يمكن تسميته تطبيعاً مع دمشق

يستمر الحديث عن إعادة التطبيع بين الدول العربية وحكومة دمشق، حيث انضمت إلى هذا المسار دولة البحرين وعلى ما يبدو أن دولاً أخرى تنتظر الوقت المناسب لحسم خياراتها بالانضمام أو عدمه. فإلى أين يسير التطبيع العربي مع دمشق؟ وماذا ستجني هذه الدول؟

وأعلنت مملكة البحرين الخميس (30 كانون الأول/ديسمبر 2021) تعيين أول سفير لها في سوريا منذ نحو عقد، في وقت تعمل دول خليجية على إعادة العلاقات مع دمشق بعد قطعها قبل حوالي عشر سنوات على خلفية اندلاع النزاع.

وكانت سلطنة عمان عيّنت سفيراً في دمشق العام الماضي، وزار وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان دمشق نهاية العام المنصرم، والتقى بشار الأسد، في أول زيارة لمسؤول إماراتي رفيع منذ قطع دول خليجية عدة علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق.

الأردن يقود المسار

وتولى الأردن قيادة مسار التحول في السياسة العربية مع دمشق، حيث حصل تبادل للزيارات بين مسؤولي حكومة دمشق وعمان واتصال بين بشار الأسد والملك الأردني.

ونشرت صحيفة الشرق الأوسط، خلال العام المنصرم، وثيقة أردنية وملحقاً سرياً لها بشأن التطبيع بين الدول العربية وحكومة دمشق.

وتنص الوثيقة التي سميت بـ "لا ورقة" على أن الهدف النهائي من الخطوات العربية للتطبيع مع دمشق هو "خروج جميع القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب من سوريا الذين دخلوا البلاد بعد 2011"، بما في ذلك "انسحاب القوات الأميركية والتحالف من شمال شرق سوريا ومن قاعدة التنف الأميركية" قرب حدود الأردن والعراق، بعد سلسلة خطوات وفق مقاربة "خطوة مقابل خطوة" تشمل بداية "الحد من النفوذ الإيراني في أجزاء معينة من سوريا»، مع الاعتراف بـ "المصالح الشرعية لروسيا".

وبحسب الصحيفة، أعد الجانب الأردني هذ الخطة قبل أشهر، وناقشها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني مع الرئيسين الأميركي جو بايدن في واشنطن في يوليو (تموز)، والروسي فلاديمير بوتين في أغسطس (آب) ومع قادة عرب وأجانب.

وتضمنت الوثيقة، التي تقع مع ملحقها في ست صفحات، مراجعة للسنوات العشر الماضية وسياسة "تغيير النظام" السوري، قبل أن تقترح "تغييراً متدرجاً لسلوك النظام" السوري بعد "الفشل" في "تغيير النظام".

حسم عسكري لدمشق وانتهاء ما يسمى بالمعارضة

ويرى مراقبون أن الحرب في سوريا حُسمت عسكرياً لصالح دمشق منذ عام 2018، بخروج عناصر الجماعات المرتزقة من محيط العاصمة ومحافظة درعا القريبة منها - جراء صفقات روسية تركية وأخرى روسية غربية-، وأن فرص إسقاط هذه الحكومة عسكرياً باتت "معدومة" تماماً.

وبدفع من حكومات عربية وعلى رأسها الحكومة الأردنية، يدور نقاش عميق في أوساط جامعة الدول العربية حول إعادة تطبيع العلاقات مع دمشق، وإعادة مقعد سوريا المعلّق في الجامعة.

وكان التحول الأكبر في الموقف العربي عام 2017، الذي شهد خسارة المجموعات المرتزقة معركة حلب (شمال)، وخلال 2018 عندما خسرت معارك ريف دمشق ومحافظة درعا (جنوب) وتسليمها أسلحتها لدمشق بأوامر من تركيا وقبلت بالخروج إلى المناطق السورية التي تحتلها تركيا.

المعارض السوري سمير عزام، رأى أن السبب السياسي لإعادة بعض دول الخليج العربي إعادة افتتاح سفاراتها بدمشق يعود إلى "تلاشي اعتراف الـ 114 دولة في العالم بائتلاف اسطنبول ممثلاً وحيداً للشعب السوري الذي منح له عام 2012، وبعد أن ثبت أن الائتلاف ليس له أي صفة تمثيلية للسوريين ولا يمثل حقيقة سوى المصالح القومية التركية فمن الطبيعي أن تسحب دول العالم اعترافها به".

أهداف اقتصادية للأردن ولبنان

ويرى خبراء أن الأردن الذي يعاني من أزمة اقتصادية خانقة ازدادت بسبب وجود اللاجئين السوريين تكبد خسائر كبيرة عندما بدأت الأزمة السورية وانقطع خط الترانزيت الأوروبي الخليجي الذي كان يمر عبر سوريا.

وأعيد بالكامل فتح الحدود بين سوريا والأردن أمام حركة التجارة في أواخر العام المنصرم، وذلك بعد تبادل للزيارات بين مسؤولي حكومة دمشق وعمان والاتصال الذي أجراه بشار الأسد مع الملك الأردني.

وكانت عمّان هي القوة الدافعة وراء اتفاق لضخ الغاز الطبيعي المصري إلى لبنان عبر حدود درعا السورية بموافقة أميركية ضمنية.

ويرى عزام، أن "الأردن لم يقطع علاقاته الدبلوماسية مع النظام أساساً، وبشأن فتح معبر نصيب بين الأردن وسوريا والسماح بتقديم بعض العون الاقتصادي بشكل إسعافي من دولة الإمارات للنظام هو يتم بموافقة ضمنية أميركية كي لا ينهار الاقتصاد السوري والنظام كلياً قبل تشكيل بديل مقبول من عموم السوريين ومقبول من المجتمع الدولي".

أهداف سياسة أخرى

بالإضافة إلى الأهداف الاقتصادية، يرى خبراء أن هناك أهداف سياسية لهذا التطبيع وأبرزها تقويض النفوذ الإيراني في سوريا وكان ذلك واضحاً في الجنوب السوري.

وبدأ مسار التطبيع العربي الذي قادته الأردن عندما بدأت قوات الفرقة الرابعة التابعة لحكومة دمشق والمدعومة من إيران بشن هجمات على درعا، حيث قام الملك الأردني بالتوسط لدى روسيا والولايات المتحدة لإنهاء التوتر هناك والاتفاق على إدخال قوات تابعة لدمشق ومدعومة من روسيا إلى درعا.

ويتوافق هذا مع السياسة الأميركية الجديدة تجاه دمشق والتي تعتمد بحسب مراقبين أسلوب الترغيب عوضاً عن الترهيب والتهديد، حيث تهدف الإجراءات الأخيرة إلى تقديم حوافز لدمشق مقابل إجراءات مطلوبة منها على مبدأ خطوة بخطوة.

هل سيجني العرب ما يريدون؟

وبحسب ما يرى مجتمع الخبراء، فإن الأهداف السياسية للدول العربية من هذه الإجراءات هي محاصرة النفوذين الإيراني بالدرجة الأولى والتركي بالدرجة الثانية وإعادة النشاط العربي إلى الساحة السورية.

لكن يبدو أن السياسة العربية تجاه الأوضاع السورية لا تزال قصيرة النظر وغير مبنية على دراسة واقعية كما حصل في بداية الأزمة السورية، حيث وضعت كل شيء يخص الأزمة السورية بيد تركيا.

ويعود عدم التفاؤل بنجاح هذه السياسة إلى عدة أسباب، أهمها أن حكومة دمشق تنظر إلى هذا التطبيع كما تنظر إلى المصالحات والتسويات التي تجريها في المناطق السورية.

كما أن الحديث عن محاصرة النفوذ الإيراني في سوريا بات صعباً حتى على دمشق، حيث باتت إيران ممسكة بكل أوراق ومكامن القوى فيما تبقى من الدولة السورية من أجهزة أمنية وقوة عسكرية ومصالح اقتصادية، بالإضافة إلى أن قواتها تحاصر المواقع السورية المهمة بما فيها العاصمة دمشق.

أما فيما يخص تركيا، والتي تمثل وفق كثيرين خطراً على وحدة سوريا والدول العربية أكبر من إيران، كون تركيا تعمل على ترسيخ احتلالها بشكل مباشر وبعيداً عن أي طابع سوري، لن تتنازل وتنسحب من الأراضي السورية دون وجود قوة عسكرية على الأرض وهذا ما تفتقده الدول العربية.

إلى أين سيصل المسار؟

وعلى الرغم من ذلك، إلا أن مسار التطبيع لا يبدو ثابتاً، حيث أبقت السعودية الباب موارباً بشأن التطبيع مع دمشق، وقال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إن بلاده "لا تفكر في التعامل مع رئيس النظام السوري في الوقت الحالي".

وبدروه قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إن واشنطن لا تؤيد خطوات البحرين في تطبيع العلاقات مع دمشق.

وأضاف لقناة الحرة الأميركية أن “وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، كان قد أكد في تصريحات إعلامية سابقة بأننا لا ندعم جهود إعادة تأهيل الأسد”.

وذكر المتحدث أن "الولايات المتحدة لا تؤيد خطوات تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع النظام بما في ذلك تعيين البحرين سفيراً لها في دمشق، كما أننا لن نرفع العقوبات أو ندعم إعادة إعمار سوريا حتى يتم إحراز تقدم لا رجوع عنه نحو الحل السياسي".

ودائماً ما يردد مجتمع الخبراء أن لا ثابت في السياسة الأميركية وأن ما هو غير قابل للتغيير الآن قد يصبح أولوية في مراحل قادمة.

ويشير هذا التفاوت في الموقف الأميركي من دمشق إلى أن هناك مقايضة وبازار سياسي ما بين واشنطن وموسكو حول سوريا، حيث تمتلك واشنطن أوراق قوة وضغط تتمثل بالوجود العسكري في شرق البلاد، بالإضافة إلى قانون قيصر الذي يرهق دمشق وموسكو والعزلة الدولية المفروضة.

وتسعى موسكو التي تمكنت من تحقيق حسم عسكري دون أن تجني ثمار ذلك سياسياً إلى أخذ اعتراف ضمني من الولايات المتحدة والغرب بشرعية حكومة دمشق، وعلى الرغم من التصريحات الغربية والأميركية التي تحدثت عن شرعية الوجود الروسي في سوريا، إلا أن ذلك مرتبط على ما يبدو بالصراع خارج سوريا أيضاً.

وأشار سمير عزام إلى أن الوضع في دمشق "لن يبت به على المدى المنظور وسيبقى النظام كما هو عليه الآن إلى حين تشكيل بديل مقبول من عموم السوريين ومن المجتمع الدولي".

وأضاف: "الغرب وإسرائيل أصحاب الكلمة الفصل في الأزمة السورية، وهم يعتبرون أن الصراع في سوريا هو حرب أهلية بين أعداء للغرب وإسرائيل وليسوا في عجلة من أمرهم لإيقاف هذا الصراع إلى أن تتآكل قوة الأطراف المحلية عسكرياً وسياسياً ومالياً".

وأوضح سمير عزام إن "افتتاح سفارة بلدين خليجيين وافتتاح معبر مع الأردن لا يمكن تسميته بأنه تطبيع بين العالم العربي والنظام، المسألة أقل من ذلك بكثير، ولا يزال الموقف الأميركي على حاله المتضمن (استمرار توفير المساعدات الإنسانية، مواصلة الحرب على الإرهاب - داعش والنصرة وبقية التنظيمات المدرجة على قائمة الإرهاب بالأمم المتحدة وأمريكا - التركيز على وقف إطلاق النار ووقف العنف لتهيئة الأرض للتغيير السياسي - إجراء المحاسبة وتطبيق العقوبات الاقتصادية وعدم إعادة تدوير النظام".

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً