درس الديمقراطية الذي تتبناه الإدارة الذاتيّة ضدّ المساومات الثلاثيّة - خليل جمال 

من الأجندات المهمّة في الشرق الأوسط وربّما أهمّ الأجندات، موضوع كيفية تقييم الأزمة السوريّة. وقد أعاد اجتماع وزراء الدفاع في حكومتي دمشق وأنقرة والأجهزة الاستخباراتيّة في موسكو، ورغبة الإمارات بالانضمام إلى موسكو ودمشق وأنقرة ورضا طهران عن هذه الاجتماعات، أهميّة الأزمة السوريّة إلى الواجهة من جديد.

وقد كان موضوع الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا القضية الرئيسة التي دار النقاش حولها في اجتماعات موسكو. أي كانت مسألة القضاء على الإدارة الذاتيّة التي تأسّست بالتحالف الكردي والعربي والسرياني مطروحةً على طاولة هذه الاجتماعات. فقد ركّزت أطراف الاجتماعات على التوصّل إلى اتّفاقٍ بهذا الخصوص. وعقب هذا الاجتماع الذي عُقد برغبةٍ روسيّة، يتمّ الآن التمهيد وتهيئة الظروف لعقد اجتماع يجمع بين الزعيم الفاشي أردوغان وبشار الأسد. ويُحاك هذا المخطط في موسكو منذ مدّة طويلة، كما أنّه جذب الانتباه وأثار جدلاً كبيراً في الأجندة العالميّة والمنطقة.

وقد سعت الولايات المتّحدة الأمريكيّة وهي إحدى القوى التي تتابع ما يحصل في المنطقة عن كثب، تحذير أنقرة بعبارة: "هذا الوقت غير مناسب لعقد اجتماعاتٍ مع دمشق" وعلى هذا الأساس تمّ تأجيل اجتماع وزيري الخارجيّة في حكومتي أنقرة ودمشق لشهر شباط القادم.

وفي هذه الأثناء أجرى الزعيم الفاشي أردوغان مكالمةً هاتفيّة مع رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني وقال له: "إنهاء وجود حزب العمال الكردستاني على الأراضي العراقيّة هي أيضاً ضرورةً لمصالح الأمن القومي لهذا البلد" ودعا السوداني إلى أنقرة. وفي سياق حركة الاجتماعات هذه، بدأ مسرور البرزاني الذي يتصرّف وكأنّه ممثل لأجهزة الاستخبارات التركية في العراق زيارته لبغداد. كما طرح قضية شنكال أيضاً على حكومة بغداد كإحدى القضايا المهمّة. هذا وتمّ في ختام "اجتماع لجنة المتابعة والتشاور السياسي" الذي عُقد في الرياض بين مصر والمملكة العربيّة السعوديّة اللذان يعتبران نفسيهما قائدين للعرب ولهذا فهما حساسان إزاء التطورات التي تشهدها المنطقة، الإدلاء ببيانٍ جاء فيه: "أنّهما يرفضان أيّ تهديد بعمليات عسكريّة من شأنها التأثير على الأراضي السوريّة وترهيب الشعب السوري".

رموز الزيارة الإيرانيّة لدمشق

عندما يتعلّق الموضوع بالكرد وسوريا، فمن غير الممكن أن تقف إيران وهي إحدى القوى الفاعلة في المنطقة على الحياد منه، فقد قال الرئيس الإيراني السابق، أحمدي نجاد: "تبدأ الحدود الإيرانيّة من بيروت" وكشف أنّ لسوريا أهميّة كبيرة في السياسة الإيرانيّة. وفي هذا السياق، زار وزير الخارجيّة الإيراني دمشق، ما دلّ على أنّه لا يمكن لإيران أن تقف بمنأى عن التطورات الحاليّة. هذا وصرّح وزير الخارجيّة السوريّ، فيصل المقداد عقب هذا الاجتماع بـ: "أي اجتماع مع تركيا سيكون قائماً على احترام السيادة، إنهاء الاحتلال والتوقّف عن دعم الإرهاب. يجب بناء أرضيةٍ مناسبة للاجتماعات رفيعة المستوى بين تركيا وسوريا، فاجتماع أردوغان وبشار الأسد مرتبطٌ بالقضاء على أسباب الخلافات بين البلدين". وفي الوقت ذاته، علّق بشار الأسد على اجتماع دمشق- أنقرة قائلاً: "لن يكون هناك حوار مع تركيا حتّى يكون هدف الاجتماعات إنهاء الاحتلال والتوقّف عن دعم الإرهاب" وعقب اجتماعات دمشق، توجّه وزير الخارجيّة الإيراني إلى أنقرة.

وفي سياق التقارب بين دمشق وأنقرة أيضاً، قامت أذرع الدولة التركيّة الفاشيّة، المرتزقة بردّ فعلٍ ضدّ تركيا. بالإضافة إلى إدلب، سعوا إلى بسط سيادة النصرة على جميع المناطق المحتلّة ولاسيما عفرين. وإلى جانب هذه الخطوة التي تبدو أنّها حركة من الولايات المتّحدة الأمريكيّة وأنقرة، تراجعت حدّة النزاعات والخلافات بين حماس وحكومة دمشق بوساطةٍ إيرانيّة.

الإدارة الذاتيّة تعزّز الجهود العسكريّة والسياسيّة في مواجهة الهجمات

أمام هذه التطورات من جهة وفي مواجهة الهجمات الاحتلاليّة التي شنّتها الدولة التركية الفاشيّة في الـ 19 والـ 20 من شهر تشرين الثاني المنصرم، كثّفت الإدارة الذاتيّة لشمال وشرق سوريا من إجراءاتها ونشرت قواتها وفقاً لذلك وعزّزت أعمالها في سبيل أن تقاوم كافة الشعوب السوريّة الاحتلال وتدعم النضال في سبيل سوريا ديمقراطية وليس فقط منطقة الإدارة الذاتيّة. وكثّفت الإدارة الذاتيّة من هذه المبادرات والعمليات في سوريا كما كثّفت أيضاً نشاطاتها الدبلوماسيّة بشكلٍ كبير.

تأثير الحسابات الروسيّة والأمريكيّة

بعد الانقلاب الذي وقع في أوكرانيا عام 2014 على وجه الخصوص؛ تفاقمت القضيتان الأوكرانيّة والسوريّة بالإضافة إلى الصراعات المستمرّة بين كلّ من روسيا وقوى الناتو ولاسيما الولايات المتّحدة الأمريكيّة. فقد أراد الناتو حصار روسيا وتطويقها عن طريق أوكرانيا والدولة التركية الفاشيّة العضوة في الحلف. وقد شكّل انقلاب عام 2016 وإسقاط طائرةٍ روسيّة في سوريا ومقتل السفير الروسي في أنقرة محطاتٍ مهمّة لهذا الحصار.

وفي سبيل إفشال خطّة الحصار العائدة للولايات المتّحدة الأمريكيّة والناتو من خلال تركيا، قام بوتين بتعزيز علاقاته مع سلطة حزبي العدالة والتنمية والحركة القوميّة. وفي هذا السياق، منحت الضوء الأخضر لاحتلال تركيا لعفرين والهجمات الاحتلاليّة التي تلته. ولعبت دوراً في نقل مجموعات المرتزقة التابعة لتركيا من المناطق السوريّة المختلفة ولاسيما نقلهم إلى إدلب. وأثناء القيام بهذا، سعى إلى تقريب الدولة التركية الفاشيّة من حكومة دمشق تدريجيّاً. وأوصلت بذلك هذه المبادرة إلى المرحلة التي هي عليها اليوم. كما انتهجت روسيا سياسةً مماثلة في علاقاتها مع الإدارة الذاتيّة، أي أنّها سعت إلى تقريب الإدارة الذاتيّة من حكومة دمشق. إلّا أنّ هذا النهج لم يمضِ قدماً لأنّه كان أكثر انسجاماً مع احتياجات دمشق. وعلى الرغم من ذلك أصرّت الإدارة الذاتيّة لشمال وشرق سوريا على المفاوضات مع حكومة دمشق.

توقيع اتفاق في طهران ضدّ الإدارة الذاتيّة

عُقد الاجتماع الأخير بين طهران وأنقرة وموسكو في طهران في الـ 19 من شهر تموز المنصرم وتمّ التوصّل لاتفاقٍ مشترك ينصّ على انسحاب الولايات المتّحدة الأمريكيّة من المنطقة ورفض منجزات الإدارة الذاتيّة.

وصرّح الزعيم الفاشي، رجب طيّب أردوغان بعد الاجتماع بـ: "على الولايات المتّحدة الأمريكيّة الانسحاب من شرق الفرات". وفي الـ 5 من آب المنصرم اجتمع أردوغان ببوتين في سوتشي. وحدّد بوتين شرط الاجتماع مع دمشق لحلّ القضية السوريّة والإجراءات العسكريّة للدولة التركيّة الفاشيّة. وأثار تعديل اتفاقيّة أضنة الجدل من جديد. لذلك الحين، كانت الاجتماعات تعقد على المستوى الاستخباراتي لكنّها تحوّلت مؤخّراً في موسكو إلى اجتماعٍ بين وزراء الدفاع. وقد شجّعت روسيا على هذه العمليّة على وجه الخصوص. أي أنّها وجدت التقارب بين أنقرة ودمشق جزءاً من تشكيل توازنٍ ضدّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة والناتو.

إنّ العلاقات بين إيران والدولة التركيّة الفاشيّة أكثر توازناً، وتستمرّ على أساس العديد من الشكوك. فالسياسات التركيّة بخصوص القوقاز تزعج إيران، إذ تعتبر إيران أنّ هذه السياسات لا تختلف عن سياسات الناتو. ومن جهةٍ أخرى لا ترى أنّ الدولة التركيّة التي تزداد قوّةً في سوريا وتحتلّ مناطق عديدة فيها من مصلحتها. ولهذا تعتبر إيران التي تعاني من القضيّة الكرديّة داخل حدودها والتي تشهد اليوم أزمةً اجتماعيّة، سياسيّة واقتصاديّة حادّة، سياسات الدولة التركية في كلّ من سوريا والعراق وجنوب القوقاز تدخّلاً في سيادتها وتبني علاقاتها وفقاً لذلك.

على الرغم من أنّها عضوة قديمة في الناتو وإحدى قادة مكافحة الشيوعيّة، وعلى الرغم من أنّ علاقاتها مع سلطة حزبي العدالة والتنمية والحركة القوميّة تشكّك فيها دول الناتو وتواصل سياساتها وفقاً لذلك، فإنّ على روسيا أن تأخذ مثل هذا الوضع في الحسبان.

نضال الإدارة الذاتيّة في سبيل دمقرطة سوريا

في ظلّ هذه الظروف، تواصل الإدارة الذاتيّة لشمال وشرق سوريا نضالها في سبيل دمقرطة سوريا في إطار وحدة الأراضي السوريّة دون أن تعادي أحداً، ولكن بخوض المقاومة في وجه كلّ من يعاديها ويسعون إلى القضاء عليها. وفي هذا السياق تأمل الإدارة الذاتيّة في بناء نظامٍ قائمٍ على علاقات المواطنة المتساوية واحترام القيم الديمقراطيّة في علاقاتها وتحالفاتها، وضمان كيانٍ سياسيٍ دائم. وهذا لا يهدّد مصالح روسيا أو أمريكا أو أيّ قوّةٍ عالميّة أخرى، بل على العكس من ذلك، فإنّ مثل هذا الكيان السياسي من شأنه أن يلعب دوراً مهمّاً في استقرار المنطقة وفي الوقت ذاته سيكون خطوةً نحو حلّ العديد من القضايا في المنطقة.  

باختصار، فإنّ حقيقة إظهار قوات الولايات المتّحدة الأمريكيّة والتحالف الدولي لوجودها في سوريا على أنّها قائمة فقط على "الشراكة ضدّ داعش" يعني في الوقت ذاته تهديداً لمكونات الإدارة الذاتيّة ولاسيما الكرد. لأنّ هذه الذريعة تعني في الوقت ذاته دعوة للقوى لشنّ هجمات على الكرد وانتهاج سياسات الإبادة بحقّهم بحريّة. وهذا هو سبب شنّ الهجمات الفاشيّة على الإدارة الذاتيّة وعدم التوصّل لحلّ في مسألة حكومة دمشق اليوم.

وفي سياق كلّ هذه الحقائق، يعدّ الانخراط والمساهمة في نضال الإدارة الذاتيّة في سبيل دمقرطة سوريا واجباً إنسانيّاً. فليس ترفاً، أن يُمنح لنضالٍ دحر قوّةً ضدّ الإنسانيّة كداعش، مثل هذه الفرصة. ربّما يكون هذا الوضع ضدّ السياسات الحاليّة للدول القوميّة الإقليميّة القائمة على معاداة الكرد، لكنّها تقدّم فرصاً ديمقراطيّة مهمّة للشرق الأوسط العالم.

من جهة أخرى، يُنظر لمسألة تعديل اتفاقيّة أضنة التي تصرّ عليها روسيا على أنّها معيارٌ لصدق روسيا بشأن وحدة الأراضي السوريّة. واتفاقيّة أضنة في الأساس هي اتفاقيّة ضدّ الكرد. فعقب هذه الاتفاقيّة تعرّض الكرد لضغوطٍ أكبر، إذ أصبحت قوات المرتزقة التي نظّمتها الدولة التركية الفاشيّة ودعمتها أكثر فاعليّةً في سوريا. وقد كانت انتفاضات حماة وحمص أولى نتائجها ثمّ بعد تعديلها عام 2010، تسبّبت اتفاقية أضنة بالفوضى المستمرّة في سوريا اليوم. وفي النتيجة، بقي جزء كبير من الأراضي السوريّة تحت سيطرة الدولة التركية وتمّ تقسيم سوريا فعليّاً. وإلى جانب هذا، فإنّ الدفاع عن وحدة الأراضي السوريّة عبر اتفاقية أضنة يعدّ خداعاً وتستّراً على العداء تجاه الكرد.

نتيجةً للاتفاقية التي أُبرمت بين أنقرة ودمشق عام 2010، تحدّث الزعيم الفاشي أردوغان عن الصلاة في دمشق، وكانت هذه الخطوات الأولى لإحياء الإمبراطوريّة العثمانيّة وكان يعني تنفيذ مشروع كسر إرادة الشعبين العربي والكردي وإرادة دمشق أيضاً.

والآن يتمّ مع تعديل الاتفاقيّة مجدّداً، وضع خطّة مماثلة، فقد قال مستشار الزعيم الفاشي أردوغان، ياسين آكتاي عبر برنامجٍ تلفزيوني: ".. إذا تمّ تصحيح الوضع في حلب، وإذا أبرمت تركيا اتفاقاً مع سوريا، فيجب أن يتركوا حلب للسيطرة التركية".

باختصار، فإنّ تصريحات هذا المستشار تشير إلى أنّ النيّة الحقيقيّة لسلطة حزبي العدالة والتنمية والحركة القوميّة الفاشيّة الحاليّة هي: "قد لا نصلّي في دمشق، لكنّنا أيضاً لن نتخلّى عن حلب". وهكذا فلا تشمل هذه النيّة وحدة الأراضي السوريّة ولا الانسحاب من الأراضي المحتلّة التي طالبت بها روسيا أو الأسد، بل على عكس ذلك فهناك إصرارٌ على الميثاق الملّي القائم على إبادة الكرد.

في مواجهة حقيقة العدو هذه، لا خيار سوى خوض المقاومة ضدّ الاحتلال على أساس إرساء الديمقراطية في سبيل توفير حياةٍ تسودها المساواة، الحريّة والكرامة للشعوب في سوريا.