درعا لن تذهب عن واجهة الأحداث السورية.. فما هي القصة؟

عادت محافظة درعا التي انطلقت منها شرارة الأزمة السورية إلى الواجهة من جديد، فما بين اغتيالات تطال قوات الحكومة السورية وتحشيد للأخيرة باتجاه المحافظة التي انطلق منها مسار التسويات الروسية، يجري الحديث عن حرب نفوذ إقليمية عنوانها الرئيسي إبعاد إيران عن الحدود الإسرائيلية، فماذا يجري في الجنوب السوري؟

تعيش محافظة درعا جنوب سورية حالة من التوتر والغليان، بعد أكثر من عامين على سيطرة قوات الحكومة السورية عليها، وما زالت المحافظة تشهد عمليات اغتيال شبه يومية، ترافقت مع حشود كبيرة لقوات الحكومة وتهديد باقتحام المدينة.

كيف عادت "مهد الثورة" إلى سيطرة الحكومة؟

واستعادت قوات الحكومة السورية الجنوب في تموز/يوليو 2018 بعد أن فقدت السيطرة عليه منذ العام 2013، وذلك بفضل صفقة أبرمتها روسيا مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل والأردن.

وقضت تلك الصفقة بدمج المسلحين الراغبين في المصالحة مع دمشق وعدم ملاحقتهم، مقابل إبعاد الرافضين إلى الشمال السوري الذي احتلته تركيا، مع ضرورة خروج القوات الموالية لإيران من الجنوب.

إلا أن البعض يتهم الحكومة السورية بالانقلاب على الاتفاق، وعدم تطبيق أغلبية البنود الخاصة بالاعتقالات والملاحقات الأمنية.

من ينفذ الاغتيالات؟

وانخرط من وافق على التسوية مع دمشق في صفوف ما يسمى بـ "الفيلق الخامس" الذي شكلته روسيا لهذا الخصوص، وبحسب المعلومات، فإن عددًا من الأشخاص رفضوا الذهاب إلى الشمال السوري الذي تحتله تركيا، كما رفضوا الدخول في التسوية، ولا زالوا يحتفظون بسلاحهم، ويقومون ببعض العمليات التي تستهدف قوات الحكومة.

وشهدت محافظة درعا، خلال الأيام القليلة الماضية، عمليات اغتيال عدة شملت قياديين وعناصر كانوا في صفوف "فصائل المعارضة" قبل اتفاقات التسوية منتصف عام 2018، ومسؤولين في قوات الحكومة السورية وأجهزته الأمنية أو متعاونين معه من أبناء المحافظة.

المحلل السياسي نصر عبد الرزاق فروان، من أهالي درعا ويقيم في الأردن، أكد ذلك لوكالتنا قائلًا: "هناك بعض الشبان الذين رفضوا الذهاب إلى الشمال السوري بعد اتفاق تسليم الجنوب وفي الوقت نفسه رفضوا عملية التسوية وحافظوا على سلاحهم الفردي ويقومون ببعض تلك العمليات وليس كلها".

ولفت فروان أن يوجد في درعا قسمان من المقاومة الشعبية، وقال: "قسم ثوري بحق، وهم من الشباب الذين رفضوا المصالحة واحتفظوا بأسلحتهم الفردية وشكلوا خلايا سرية ويعملون بصمت، وهدفهم الأول إزالة إيران وعملائها والنظام، وعملياتهم نوعية وفردية وجزئية محدودة لأنهم لا يملكون القدرة الكبيرة، وحتى طريقة العمليات الفردية تحيط بها السرية، حيث يستطيعون أن ينفذوا العمليات دون أن يتم كشفها، وقد أثبتت فعاليتها ونجاحها في تنفيذ المهمة الموكلة أفضل من العمليات الكبيرة".

وأضاف: "لكن النظام شكّلَ فورًا ما يسمى المقاومة الشعبية، وهي عبارة عن عملاء له، تضم بعض أفراد المصالحات من أجل تحقيق ثلاثة أهداف في آن واحد، الأول: قتل أي شخص من درعا سواء شخصية اعتبارية أو وجيه أو من رجال المصالحات وإلصاق التهمة بالمقاومة الشعبية من أجل زرع الفتنة بين الطرفين".

الهدف الثاني: النظام يريد التخلص من الطرفين -من صالح ومن لم يصالح- لأنه يعلم أن لديهم خبرة عسكرية يخشاها اليوم وغدًا وحتى روسيا تخشاهم، ولذلك يحاول –النظام- بشتى الوسائل ضمهم إلى صفوف عناصره للتخلص منهم في ساحات القتال أو بشكل آخر، عاجلًا أم أجلًا، ومن صالح النظام ويوجد معه ولم يُقتل إلى الآن فهذا لا يعني أن النظام راضٍ عنه، بل سيتخلص منه في الأيام القادمة.

والهدف الثالث الذي يستخدمه النظام بحسب فروان هو "إطلاق سراح “داعش” لعله يستفيد منه، الجميع يظن أن "الداعشيين" حاقدون على النظام وقد تولوا مهام الاغتيالات بالمناسبة، وذلك من أجل تحميل مسؤولية تلك العمليات لـ “داعش” ليعطي للعالم صورة أن “داعش” مازال موجودًا، وبالتالي يوفر الحجة من أجل استمرار العمليات داخل المنطقة الجنوبية".

وأشار فروان إلى أن "بعض عمليات الاغتيال التي طالت ضباطًا من النظام تقوم بها أجهزة أمن النظام نفسه للتخلص من بعض عناصرها لأسباب مختلفة منها الولاءات الخارجية ومنها لامتلاكهم معلومات معينة ومنها منافسات فيما بينهم".

وأضاف: "إذًا أذرع إيران تقوم بعمليات اغتيال، وكذلك الأجهزة الأمنية السورية وأيضًا المخابرات الدولية إضافة إلى بقايا خلايا داعش، وفي النهاية سيكون الحصاد السياسي إسرائيليًّا بامتياز".

ما هي القوات التي تهدد باقتحام المدينة على الرغم من الضمانة الروسية؟

وحشدت قوات الحكومة باتجاه درعا، وتقول دمشق إنها لملاحقة أشخاص هاجموا مواقعها، بينما يقول الطرف الآخر بأن قوات الحكومة تريد إجهاض اتفاق التسوية الذي تعهدت روسيا من خلاله بعدم السماح لقوات الحكومة بالدخول إلى أحياء المدينة وملاحقة أي شخص.

وهناك رواية أخرى يتحدث عنها المعارضون للحكومة السورية، وهي أن القوات المدعومة من إيران غير راضية عما نتج عن هذه التسوية وخصوصًا دمج عناصر المجموعات المسلحة كونهم ذو خلفية سنية متشددة، بالإضافة إلى أن المجموعة شُكلت من قبل روسيا وأمريكا بهدف إخراج القوات الإيرانية من المنطقة.

وبحسب المحلل السياسي نصر عبد الرزاق فروان، فإن القوات التي تحاول اقتحام درعا هي "قوات من الفرقة الرابعة تساندها ميليشيات محلية من عناصر المصالحات التابعة للمخابرات الجوية والأمن العسكري وميليشيا حزب الله" وهي جميعها قوات مدعومة من إيران.

وأوضح فروان أن "الفيلق الخامس كما نعلم هو فيلق روسي بامتياز، ومهمته الآن محصورة بمساعدة روسيا لتطبيق التزاماتها اتجاه إسرائيل وهي إخراج القوات الإيرانية من الجنوب".

وكانت تقارير قد رصدت، في وقت سابق، أنه وبعد التدخل الروسي والإيراني في الساحة السورية انقسمت تبعية وولاء الأفرع الأمنية وألوية قوات الحكومة بين الروس والإيرانيين، وانعكس ذلك على مناطق التسوية والتي تكون تبعيتها بحسب الجهة الأمنية والعسكرية الموجودة فيها وولائها لهاتين الدولتين.

'ما يجري نتيجة طبيعية لمبدأ المقايضات سيئة الذكر'

المحلل السياسي ومنسق تجمع السوريين العلمانيين الديمقراطيين "السويداء" سمير عزام بدروه رأى أن ما يحدث في محافظة درعا "تجاوز حالة التوتر وبلغ حالة التفجر العسكري والقابل للتوسع".

وأوضح أن "التصفيات المتواصلة لقادة فصائل المصالحات وبالمقابل اغتيالات لضباط وجنود الجيش السوري ومهاجمة حواجزه في المحافظة جاء نتيجة طبيعية لغياب الحل السياسي للأزمة السورية وغياب الإرادة لدى روسيا والنظام وبقية أطراف أستانا "تركيا وإيران" بالحل السياسي للأزمة، واتباعهم مبدأ المصالحات والمقايضات سيئة الذكر والنتائج على سوريا والسوريين".

وأضاف عزام: "عندما يتم التعاطي مع أزمة عميقة بهذا الحجم عانت منها سورية والسوريون وتواصلت لنصف قرن وتفجرت منذ عشر سنوات وما رافق تلك الحقبة من انعدام للعدالة والمساواة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بين أطياف السوريين ومن المشاركة بالسلطة والثروة الوطنية، فقد نتج عن تفجرها دمار نصف سورية ومقتل وإصابة الملايين وتهجير ونزوح نصف السوريين".

ورأى أن "هكذا أزمة لن تحل باتباع حلول بدائية وكأن ما حدث شجار بين قبيلتين ليحل بالمصالحات".

من المستفيد من هذه التسويات؟

وحول المستفيدين من هذه الاتفاقات قال عزام: "المصالحات خدمت في حقيقة الأمر النظام، فأبعدت عنه شبح السقوط عسكريًّا، وخدمت روسيا التي ينصب اهتمامها على تأمين مناطق إنتاج الثروات الباطنية والموانئ والطرق الدولية، وخدمت العدو التركي فتمكن من السيطرة على مدينة إدلب ومدن شمال حلب وعفرين ومدينتي سري كانيه وكري سبي، ومكّنت إيران من التغلغل في المفاصل العسكرية والأمنية والسياسية للنظام، وبالمقابل عادت على السوريين بالمذابح والتهجير الطائفي والعرقي ومزيدًا من الفقر والعوز وانعدام الأمن في مناطق النفوذ الروسي وفي المناطق المحتلة من العدو التركي".

'صراع إقليمي ودولي على النفوذ'

وبدوره قال أستاذ العلوم السياسية والباحث نصر عبد الرزاق فروان: "يقال إن سورية هي نقطة ارتكاز الشرق الأوسط وإن الجنوب السوري هو نقطة ارتكاز سورية".

وأشار الباحث إلى أهمية الجنوب السوري الاستراتيجية، لذلك "شهدت هذه المنطقة العديد من المعارك السياسية والعسكرية، كما تشهد العديد من التداخلات في السيطرة ما بين قوات النظام والمليشيات الموالية له من جهة، والفصائل المسلحة من جهة أخرى، والآن مع بقايا هذه الفصائل متزامنًا مع صراعِ القوى الإقليمية والدولية على توسيع رقعة نفوذهم".

أهمية ما يجري لإسرائيل وإيران؟

إن العامل الإسرائيلي والإيراني كان هو الأساسي للصراع في الجنوب السوري، وسبق الصفقة بشأن الجنوب اتفاقٌ روسي – أمريكي في قمة هلسنكي في تموز/ يوليو 2018 والتي أكدت على "إعطاء أولوية لضمان أمن إسرائيل".

وتلا ذلك قمة القدس الروسية – الإسرائيلية – الأمريكية والتي عُقدت في حزيران/يونيو 2019، وعلى الرغم من أن نتائجها كانت سرية إلا أنه، وبحسب التسريبات، تعهدت موسكو بإبعاد إيران عن الحدود الإسرائيلية.

وعن ذلك قال نصر عبد الرزاق فروان: "ما يحدث الآن في الجنوب ليس نتيجة فوضى أو انفلات أمني بل هي مرحلة مخطط لها وتُنفذ بحرفية، وكل طرف من الأطراف الفاعلة في المسألة السورية له مصلحة في ما يحدث ويحاول قطف الثمار".

وأضاف: "هنا أستذكر ما طرحه عدد من المسؤولين الإسرائيليين بأن الجنوب السوري منطقة مهمة بالنسبة لهم ويريدونها إن تكون حديقة سلام لهم، وليس لهم ثقة لا بقوات النظام ولا بقوات (المعارضة)، لذلك كان لإسرائيل الدور الكبير في اتفاق الجنوب وإنهاء سيطرة (المعارضة) عليه مع سيطرة ومع تسارعِ الاتصالات للوصول إلى ترتيبات عسكرية حول الأوضاع في الجنوب السوري ومحاولات إبعاد إيران وميلشياتها عن الجنوب".

وتابع: "لذلك عرض مساعد نائب وزير الخارجية الأميركية ديفيد ساترفيلد ورقة عمل تم طرحها على كلّ من (روسيا – الأردن – تركيا) وورد فيها، انسحاب جميع الميليشيات السورية وغير السورية (إشارة إلى الميليشيات الإيرانية) إلى عمقِ 20 – 25 كم من الحدود الأردنية (لما لهذه المنطقة من أهمية استراتيجية لدى إيران والتي تستخدمها كورقة ضغط ضد إسرائيل، وبالتالي الضغط على المجتمع الدولي لتنفيذ أجنداتها في المنطقة)".

وأوضح أنه بالطبع لم تنسحب القوات السورية ولا الإيرانية من المنطقة، فكان لا بد من خلط الأوراق والانتقال إلى مرحلة ترهيب الجنوب أي الوصول إلى المرحلة التي يصنف فيها الجنوب بأنه منطقة إرهاب.

'السويداء لم تكن بعيدة عن ذلك'

وحول ما جرى تداوله بأن هناك مصالحة بين السويداء ودرعا قال سمير عزام: "هذه بدعة وهرطقة روسية، إذ لا وجود لأي صراع بين السويداء ودرعا يستدعي مصالحة".

وأضاف "مشكلتنا (أهل السويداء) ليست مع درعا ولا مع أهلها، استقبلت السويداء مئات آلاف النازحين من إخواننا أهل درعا بمودة وإحسان وعاشوا بيننا إخوة وأخوات لسنوات ولم يتعرض أي منهم لسوء".

وأوضح "مشكلتنا مع فصيل إرهابي "تنظيم شباب السنة" سبق وبايع جبهة النصرة الإرهابية وقتل وهجّر أهل بلدة بصرى الشام "الشيعية" وبعد الحملة العسكرية على درعا وفي شهر تموز 2018 أجرى له النظام وروسيا مصالحة وضموه إلى الفيلق الروسي الخامس لاستخدامه للضغط على السويداء بهدف إخضاعها لسلطة النظام لتتمكن روسيا من التنقيب عن النفط في أراضي المحافظة التي تعوم فوق بحر من النفط، حسب التقارير العلمية المتخصصة، والاستحواذ عليه وعلى السيلكون عالي النقاوة في بادية السويداء الشرقية".

وأشار عزام قائلًا: "هنا لابد من التأكيد أن السويداء غير قابلة للإخضاع لا من إرهابيي "تنظيم شباب السنة" الإرهابي المبايع للفيلق الخامس الذي اعتدى مرارًا على المزارعين من بلدة القريا المحاذية لبلدة بصر الشام ولا من إرهابيي داعش الذين سبق واستخدمتهم روسيا والنظام يوم 25 تموز 2018، وتمكنت قوات الحماية الذاتية وأهالي السويداء من سحق غزوتهم قبل مغيب شمس ذلك اليوم".

(ح)

ANHA