وحدات حماية الشعب.. YPG القوة الأكثر إنسانية في مشروعها وإنجازاتها

الإعلان عن تأسيس وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة في روج آفا كان الخطوة الأكثر أهمية بالنسبة لشعوب شمال سوريا بشكل خاص ولسوريا بشكل عام، كونها تمكنت من الحفاظ على ميراث الشعب السوري في تلك البقعة، وحققت إنجازات تاريخية، فما هي ظروف تشكيل هذه القوة ومراحل تطورها.

عانى الكرد في الأجزاء الأربعة من كردستان المحتلة وفي المهجر، خلال العقدين الأخيرين من القرن الـ 20، حالة غليان، لما كان يحاك ضده من مؤامرات دولية ومجازر وتهجير قسري وحرق للقرى وقتل على الهوية أو الخطف والسجن، كل ذلك لكبح جماح ثوراتهم الممتدة لعقود من أجل الحرية والكرامة كشعب مضطهد لمئة سنة دون توقف.

وفي روج آفا كانت ذروة الاضطهاد تكمن في الاتفاقيات الموقعة على حساب إبادة الشعب الكردي في سوريا لمحو هوية وثقافة وأرض هذا الشعب، مثالها اتفاقية أضنة بين النظام البعثي والتركي لتنفيذ مشاريع قومية عنصرية وأخرى اقتصادية لتهجير الكرد من مناطقهم والقضاء على هويتهم قدر المستطاع.

وقد نفذت هذه الاتفاقيات على الأرض على هيئة مجازر وجرائم وصهر قومي وثقافي مع انتفاضة قامشلو عام 2004، والهدف هو إبادة شعب على يد شعب آخر وخلق الفتن والنزاعات للتفرقة وتعميق العنصرية والكراهية بغرض السيطرة الشاملة والكاملة على الجميع، ونهب كل ما تملكه هذه الشعوب من إرادة وما اكتسبه من موارد وطاقة مادية ومعنوية.

ظروف الإعلان الرسمي عن وحدات حماية الشعب عام 2011

كان 2011 بداية الحراك الشعبي في سوريا، كاستمرار للثورات الشعبية في الشرق الأوسط ضد الأنظمة المستبدة والفاسدة، والتي وصفها الكرد بـ "ربيع الشعوب" ضد الديكتاتوريات آنذاك.

وقد اتخذ الشعب السوري الأمر كحالة عاطفية شعبية ضد الحكومة، ووجوب إسقاط الأخيرة، لكن لم يكن ظاهراً استراتيجية هذا الحراك بعد وكذلك مدى مستوى التغيير في هذا الإطار، أي ما بعد سقوط النظام.

الأمر الآخر هو التدخل التركي الخطير في المنطقة ودعمه خط الإخوان المسلمين في كل من مصر وتونس وليبيا لإيصالهم إلى السلطة والتحكم بسياسة وعسكرة تلك الدول، في سبيل مطامع تاريخية وقومية معلنة مسبقاً من قبل حزب العدالة والتنمية، ضمن أحلام العثمانية الجديدة على أراضي الدول المجاورة.

هذه الظروف الخارجية وكذلك الظروف الداخلية التي يعرفها الكرد ضمن سوريا، ألا وهي أنه في حالة حرب مع نظام عنصري وديكتاتوري إلى جانب معارضة تنحرف تدريجياً إلى الخط التركي، فأين يبقى الكرد، وهم الأكثر تضرراً ومعاناة من كلا الطرفين منذ عقود.. ؟

فكانت الاستجابة المنقذة هي مشروع الأمة الديمقراطية التي حملتها حركة المجتمع الديمقراطي في روج آفا وسوريا، المتمثلة بالخط الثالث، وهي التغيير والإعلان عن مشروع وطني بعيداً عن الصراع من أجل السلطة، وتحقيق آمال المكونات في نيل حقوقها والعيش بكرامتها بعدل ومساواة بجانب بعضها البعض، وتطبيق ذلك عبر إدارات ذاتية وفق قيم وطبيعة كل منطقة.

ولم يكن موقف الكرد هو النأي بالنفس عن الحرب، بل هو تقديم الحل الأمثل للشعوب بعيداً عن قتل الشعب لنفسه وفتح المجال للتدخل الخارجي، إلا أن جزءاً صغيراً من الشعب السوري، وعلى رأسهم الكرد أصحاب الفكرة، ساروا خلف مشروع الأمة الديمقراطية مبقين مناطقهم آمنة من الحرب والتناحر بين الشعب. 

ونتيجة تفاقم الأزمة أكثر وانتشار الاقتتال ودخول أجندات خارجية، رافقتها تنظيمات إرهابية ومرتزقة تخدم مصالحها، كانت الظروف مواتية، رغم ضعف الإمكانات، لإظهار موقف دفاعي مثل الموقف السياسي. لذلك أعلن عن تأسيس وحدات حماية الشعب بشكل رسمي في نهاية 2011، لحماية الخط الثالث، الذي لجأ إليه 4 ملايين سوري في روج آفا وشمال سوريا عموماً، وتحركت هذه الوحدات في كل من كوباني والجزيرة وعفرين وحي الشيخ مقصود بمدينة حلب.

وكانت انطلاقة وظهور هذه القوة العسكرية في الأحياء والقرى بأسلحة خفيفة وبنادق صيد وعصوات، بهدف حماية الشعب من أي هجوم، واستتباب الأمن في الأحياء والقرى المنتشرة فيها لدرء الفوضى.

كيف تحولت YPG... من مجموعات شعبية صغيرة إلى قوة عسكرية معروفة عالمياً

إن الهدف من بناء مثل هذه القوى والمبادئ التي تأسست عليها، وتم تطبيقها على أرض الواقع، هي التي جعلت منها تنمو وتكبر لتحضن الشعب كله، كون الشعب نفسه كان من يحمي قيمه ومكتسباته، فهي تتخذ من فكرة المجتمع الديمقراطي والايكولوجي وحرية المرأة أساساً لها دون أية تفرقة دينية أو قومية أو جنسية أو سياسية وحزبية، وتحمي الوطن والمواطن من كافة الهجمات الخارجية وفق مفهوم الدفاع المشروع، باعتباره واجبها الأساسي، ويكون طواعية.

وبتطبيقها هذه المبادئ على أرض الواقع التف حولها الشبان والشابات من كافة المكونات في روج آفا بهدف حماية قيمهم، وازداد التلاحم أكثر بدعم من العشائر الكردية والعربية ووجهاء الأديان المسيحية والإيزيدية في المنطقة.

وفي الـ 4 من نيسان عام 2013، وبعد ازدياد أعداد المقاتلات ضمن صفوف وحدات حماية الشعب وتقبل الفكرة وسط هذه الشريحة من المجتمع، أعلنت عن تأسيس وحدات حماية المرأة كقوة خاصة بالمرأة، تتحرك بشكل مستقل، باستثناء المواضيع العامة، وتسير نشاطاتها وتنظيمها وفق نظامها الداخلي الخاص بها.

إنجازات إنسانية تاريخية خلال فترة قصيرة من عمر التأسيس

أثبتت وحدات حماية الشعب وحماية المرأة خلال فترة قصيرة قوتها العسكرية في عموم روج آفا، وحررت أغلبية مدن روج آفا وشمال سوريا من النظام البعثي والمجموعات المرتزقة، جبهة النصرة وأحرار الشام الإرهابيتين والمنتشرة في بقع متعددة من المنطقة،

وقدمت مقاومة بطولية في وجه هجمات مرتزقة داعش ومرتزقة الائتلاف الوطني السوري المدعومين تركياً، ولعبت دوراً تاريخياً في تشكيل منطقة آمنة، تحتضن أكثر من 5 ملايين سوري من أبناء المنطقة وممن توجهوا صوبها هاربين من الحرب في الداخل، وذلك بالمقارنة مع المناطق السورية الأخرى وحمايتها.

كما وخاضت وحدات حماية الشعب YPG ووحدات حماية المرأة YPJ خلال 8 سنوات العديد من المعارك والمقاومات، عدد منها تحت سقف قوات سوريا الديمقراطية، ومنها فتح أكبر وأخطر ممر إنساني بين روج آفا وجبال شنكال، التي حاصرها مرتزقة داعش وارتكبوا مجازر مروعة بحق المجتمع الإيزيدي هناك، وتحرير أكثر من 300 ألف مدني وإيصالهم إلى روج آفا بعد التضحية بـ 150 مقاتل في هذا الممر الإنساني.

وكذلك المقاومة التاريخية في كوباني، والتي تحولت إلى أيقونة المقاومة في العالم بأسره، حيث تصدت لغزو الإرهاب العالمي المتمثل بداعش المدعومة بشكل مباشر من تركيا، في الفترة ما بين 15 أيلول 2014 وحزيران 2015، إلى جانب تحرير معظم المناطق الجنوبية من روج آفا ومناطق شمال وشرق سوريا، كتل حميس وتل براك والجزعة والهول وجبل كزوان وصرين وتل أبيض وعين عيسى ومنبج ومطاردة فلول الإرهاب إلى ضفاف الفرات في كل من الرقة ودير الزور.

كما أن وحدات حماية الشعب والمرأة على تنسيق وتواصل منذ خريف ٢٠١٤ مع قوات التحالف الدولي ضد مرتزقة داعش، وتسيّر أعمالها ضمن التحالف.

وحدات حماية الشعب عمود أساسي لقوات سوريا الديمقراطية

في البداية عندما تشكلت وحدات حماية الشعب كانت بنيتها من الكرد. ولكن، وضمن إطار فكرة الحياة التشاركية والأمة الديمقراطية، انضم العديد من أبناء المكونات الأخرى إليها على شكل أفواج، كلما تحررت منطقة من النظام أو المرتزقة، كما ذكرنا آنفا.

فتنظيم وحدات حماية الشعب يختلف عن ذهنية جيش الدولة وقواعدها، فهي تُؤسسُ نفسها على أساس المجتمعية. لذلك، فإنها تقبل بضم جميع فئات المجتمع. هذه الذهنية هي التي دفعت بالعديد من العشائر العربية والمكون السرياني لضم أبنائهم إلى صفوف وحدات حماية الشعب فيما بعد. ومع مرور الوقت، تشكلت كتائب خاصة بالعرب والسريان ضمنها. ومن أمثلة ذلك، قوات الصناديد العربية، وحرس الخابور الآشوري، والمجلس العسكري السرياني.

هذه القوة، وبفعل إنجازاتها ومبادئها وتشكيلتها العسكرية، أصبحت أملاً كبيراً لدى السوريين جميعاً، وتحولت إلى تنظيم أوسع. حيث أعلن عدد من القوى العسكرية الثورية التي تمثل كافة مكونات سوريا، عن تأسيس قوات سوريا الديمقراطية " قسد" في الـ 15 من تشرين الأول/ أكتوبر سنة 2015. وفق بنى وأخلاق ومبادئ وحدات حماية الشعب في حماية المجتمع والسعي من أجله،

لتصبح وحدات حماية الشعب والمرأة العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية ويزداد انضمام الشباب والشابات وكذلك العشائر والمكونات أفواجاً لتحرير مناطقهم وتعزيز حمايتهم من أي هجوم خارجي أو مستبد.

ANHA


إقرأ أيضاً