واشنطن بوست: المناطق الآمنة ليست آمنة بالفعل

نشرت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية مقالاً تحدثت فيه عن المناطق الآمنة التي اعتبرتها الصحيفة واحدة من أكبر الأخطاء في السياسة الدولية.

ويشير تقرير بحثي حول العمليات العسكرية عبر الحدود إلى أن فرض مثل هذه المناطق التي تسمى "آمنة" جزافاً يخلق فراغًا أمنيًا، وليس مكانًا أو ملجأً إنسانيًا.

ويلفت المقال إلى أن أحدث تحرك من جانب تركيا لفرض ما يسمى "منطقة آمنة" في شمال سوريا، كما كان متوقعًا، سينتج عنه موجة من العنف.

كما أنه من غير المرجح أن يقلل "وقف إطلاق النار" المؤقت من أعمال العنف، حيث تفيد التقارير إن أنقرة  بالفعل تنتهك اتفاق وقف إطلاق النار.

كل ما ذكر أعلاه يتحدث عن مخاطر فرض مناطق آمنة في وسط الحروب الأهلية.

ويشير تقرير الصحيفة إلى أن المناطق الآمنة هي عبارة عن دعاية للسكان المحليين والجمهور الدولي كحلول "مربحة للجانبين"، وكذلك تدابير دفاعية تهدف إلى احتواء أو "تخفيف حدة" النزاعات، وينجذب المشرعون إليها بسبب مرونتها الاستراتيجية (والقانونية) الظاهرة، بالإضافة إلى جاذبيتها الإنسانية، وذكر المقال إن ترامب أثناء حملته الانتخابية عام  2015 وعد "بمنطقة آمنة جميلة" في سوريا.

ويرى المقال إن القادة العسكريون هم أقل تقبلاً للمناطق الآمنة. وذلك بسبب غموضها القانوني وطبيعتها ذات الاستخدام المزدوج، والتي تدعو إلى إساءة الاستخدام في تطبيقها.

فالمنطقة لكي تكون آمنة تتطلب مهمة أمنية قوية لفرض المنطقة، وهذا يعزز فقط الحرب، ويخلق خطًا أماميًا غير واضح يضع المدنيين في طريق الأذى.

وتظهر الأبحاث أن المناطق الآمنة هي آليات رديئة لحماية اللاجئين أو النازحين، سواء من الاستهداف العسكري أو الاضطهاد السياسي.

وتم إدخال المناطق الآمنة أولاً في العلوم الطبيعية، كطريقة لإنشاء حاجز لمنع الإصابات.

وينشأ الطلب على منطقة آمنة بسبب فشل الدولة في توفير الأمن لدى الصالح العام. لذلك ففي حالة سوريا، عرضت تركيا بناء المنازل وتوفير الخدمات العامة في منطقتها الآمنة المزعومة. وسيتطلب ذلك حتماً مستوى من الإكراه والوجود العسكري والشرطة. ومن المستحيل عملياً، خاصة في خضم حرب أهلية متعددة الأبعاد، أن يتم تأمين منطقة آمنة.

المناطق الآمنة لتصاعد النزاعات - وليس العكس

وترى الصحيفة إن المدنيون المشردون يحتاجون إلى الشعور بالأمان للانتقال إلى منطقة آمنة. اللاجئون السوريون الذين أعيد توطينهم وعدهم الأتراك بأرض اللبن والعسل.

ويستدرك المقال قائلاً: "أن مراكز احتجاز داعش القريبة والشائعات عن وجود خلايا نائمة تابعة لداعش لا تبشر بالخير فيما يتعلق بالخيارات المتاحة لأولئك الذين أعيدوا إلى وطنهم: سوف يضطرون إلى الاختيار بين الميليشيات التي تدعمها تركيا أو داعش".

وفي الواقع، على الرغم من التوقف الأخير في الأعمال العدائية في سوريا، فإن المناطق الآمنة لا تؤدي عادة إلى وقف لإطلاق النار قد يحل الصراع، ولكنها في الواقع تطيل أمد الحروب.

كما أنه ليس من الواضح الدور الذي سيلعبه الجيش السوري والروسي المتقدم عندما يتعلق الأمر بإنفاذ المنطقة الآمنة، الأمر الذي سيزيد من تعقيد الوضع المعقد أصلاً.

بالطبع، كانت هناك بعض الأمثلة للمناطق الآمنة التي تخمد العنف وتوفر قدراً ضئيلاً من الاستقرار، ربما الأكثر شهرة في شمال العراق بعد حرب الخليج. لكن كان هناك الجيش الأمريكي يفرض منطقة حظر جوي على حكومة مهزومة في بغداد، وأما في سوريا، على الرغم من بعض الجنود الامريكيين، فواشنطن متفرجة حتى الآن إلى حد كبير.

المنطقة الآمنة لن تحل أهداف واشنطن الإنسانية ولا أهدافها الاستراتيجية في سوريا. على عكس البيت الأبيض، فإنه لا يفعل شيئًا لحل "حروب لا تنتهي" في المنطقة.

بدلاً من ذلك، إنها هدية لأنقرة تخاطر بتصعيد الحرب من خلال جذب المزيد من القوى الخارجية، وإعطاء واشنطن نفوذاً سياسياً أو عسكرياً أقل، وقتل المزيد من المدنيين من خلال الوعد الكاذب لهم.

خلال المرحلة الأخيرة من الحرب الأهلية في سري لانكا، على سبيل المثال، أدت "منطقة عدم إطلاق نار" في الشمال الشرقي إلى قصف الحكومة المتعمد للمرافق الطبية التي تحمل شعار الصليب الأحمر. في البوسنة، من المعروف أن "مناطق الفصل" المنزوعة السلاح قد مكنت عن غير قصد من التطهير العرقي من قبل القوات الصربية البوسنية.

العنف في الأيام القليلة الماضية يشير إلى أن المنطقة الآمنة في سوريا قد تعاني على الأرجح من نفس المصير.

(م ش)


إقرأ أيضاً