هل ما يجري في دير الزور هي مظاهرات أم محاولات لإثارة الفتنة؟

تداولت الكثير من وسائل الإعلام المحلية والعالمية خروج ما أسموها بمظاهرات في المناطق التي حررتها قوات سوريا الديمقراطية في دير الزور، وكانت وسائل إعلام النظام السّباقة لتغطية هذه الأحداث وتبعتها وسائل إعلام عالمية. فما هي حقيقة المظاهرات ومن يقف خلفها وبعدها السياسي وتوقيتها.

قبل نحو شهرين أعلنت قوات سوريا الديمقراطية هزيمة داعش في آخر معقل له بقرية الباغوز بريف دير الزور.

ويبدو أن هذا النصر الذي جاء بعد أربعة أعوام من القتال ضد داعش لم يرق للكثير من الأطراف المحلية والإقليمية، لذا بدأت تلك الأطراف بالعزف على الوتر القومي في محاولة لخلق الفتنة في المناطق المحررة من قبل قوات سوريا الديمقراطية.

ورغم أن الحديث يجري عن مظاهرات في دير الزور مطالبة في ظاهرها بتخفيض سعر الوقود وزيادة كميات الخبز إلى جانب مطالب خدمية، إلا أن من يحرك المتظاهرين الذين لا تتجاوز أعدادهم ثلاثين شخصاً إذا ما أحصينا الأطفال بين المتظاهرين، يريد أكثر من ذلك بكثير ويستغل مطالب الشعب لتحقيق أجندات سياسية تخدم جهات وقوى معينة في سوريا.

وللتذكير، فإن غالبية المظاهرات خرجت في مناطق محاذية لمناطق سيطرة النظام وترفع شعارات تفوح منها رائحة العنصرية، مثال على ذلك شعارات تطالب بـ "خروج الاكراد" من يريد تخفيض أسعار الوقود لا يكون وقوداً لسياسات تبث التفرقة بين مكونات المنطقة.

النظر إلى ما يجري في دير الزور بشكل منفصل عن ما يجري في سوريا وبخاصة في شمالها الشرقي سيتضمن قصوراً كبيراً.

ما يجري في دير الزور يأتي بالتزامن مع أنباء عن تحصين النظام السوري لمواقعه في المناطق المحاذية لمناطق قوات سوريا الديمقراطية، وبالأخص بمحاذاة منطقة الطبقة غرب الرقة.

ويأتي أيضاً بالتوازي مع تفجيرات شهدتها مدينتا الرقة والطبقة قبل نحو أسبوعين، وتسميم نحو مئة مقاتل من قوات سوريا الديمقراطية في الرقة قبل يومين.

وتقول مصادر مطّلعة أن النظام السوري طالب أتباعه بتنفيذ تفجيرات في شمال شرق سوريا حتى لو لم تؤد تلك التفجيرات إلى قتل مسؤولين بارزين، ما يهم النظام هو إحداث خلل أمني في تلك المناطق وإثارة الخوف بين الاهالي.

وهذا أيضاً، مرتبط بشكل مباشر ببقاء الولايات المتحدة الامريكية في شمال شرق سوريا ومعها دول التحالف الدولي لمحاربة داعش.

دول مثل تركيا وإيران وروسيا والنظام السوري، كانت تعوّل على انسحاب التحالف الدولي من شمال شرق سوريا، وكانت تعتقد أن قوات سوريا الديمقراطية ستكون لقمةً سائغة، ولكن هذه القوات وحتى في يوم الإعلان الأمريكي عن الانسحاب لم تُقدم أية تنازلات لأية قوة خارجية بل بقيت متمسكة بمواقفها وبالأراضي التي حررتها.

ومع التراجع التدريجي للولايات المتحدة عن قرار الانسحاب من شمال شرق سوريا، بدأت القوى الطامعة في تلك المناطق مثل النظام وروسيا وتركيا وإيران بتغيير تكتيكاتها، وباتت تبحث عن سبل أخرى لتحطيم أسوار القلعة من الداخل، في وقت يصعب فيه تحقيق انتصار عسكري على قوات سوريا الديمقراطية.

هذه الوقائع دفعت تلك القوى لتحريك أذيالها في مناطق قوات سوريا الديمقراطية في محاولة لإثارة الفتنة بين مكونات المنطقة عبر تحريض السكان المحليين على التظاهر ضد قوات سوريا الديمقراطية، وإطلاق شعارات تزرع الشقاق بين العرب والكرد.

ومن الواضح أن الإدارة المدنية الديمقراطية لدير الزور كشفت اللعبة، وتعاملت بشكل سلمي مع التظاهرات واجتمعت مع وجهاء وشيوخ المنطقة للاستماع إلى مطالبهم، ويتوقع اجتماعات أخرى في الأيام المقبلة.

صراع آخر يتخفى وراء تلك المظاهرات، وهو الصراع الإيراني – الخليجي والتركي على شمال شرق سوريا. ومع بروز دور سعودي أكبر في المنطقة تحاول إيران التي تواجه ضغوطاً اقتصادية كبيرة ستزداد مع بدايات شهر أيار/مايو المقبل، تحاول التمدد في مناطق أخرى مع انحسار نفوذها في مناطق سيطرة النظام بفعل الضغوطات الروسية التي تساوم مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية على الوجود الإيراني في سوريا والتي باتت تسبب صداعاً لروسيا في علاقاتها مع الغرب.

خلاصة، ما يحصل في شمال شرق سوريا هو صراع هيمنة بين روسيا والولايات المتحدة الامريكية من جهة وبين الخليج وإيران، وهو خلاف يبدو أنه سيطول وسيأخذ أبعاداً مختلفة.

(م)

ANHA