هل بدأت معركة إدلب فعلاً؟

فيما يبدو، بدأت أولى مراحل معركة إدلب التي كانت مجمل التوقعات تدور حول عدم قدرة روسيا والنظام على إطلاقها في هذا التوقيت وبهذه الشروط المحلية والدولية، ولكنها بدأت بالفعل، ليعود السؤال مرة أخرى، هل هذه المعركة حقيقية شاملة، أم محدودة ومُتفق عليها بين الأطراف المتعددة وخاصة قوى أستانا؟! بالمجمل، الإجابة عن تلك الأسئلة خلال الفترة الماضية كانت سياسية – إعلامية استهلاكية أكثر من أنها ميدانية عسكرية، ولم تكن سوى إطراءات لا ثقة بها من قبل روسيا وتركيا وموجهة للأطراف المدعومة من قبلهما في تلك الحرب، وأخرى توفيقية لمنع تفاقم الأمور بينها إلى نقطة اللاعودة خدمة لأطراف دولية أخرى قد تجد الفرصة للتدخل في مناطق سيطرة روسيا وإيران في شمال غرب سوريا.

عمد النظام السوري خلال الأيام الماضية إلى إرسال أوامر عسكرية لقواته في حلب، دمشق، حماة، حمص، درعا وحتى دير الزور بالاستعداد للتوجه نحو إدلب بعد انتهاء عطلة عيد الفطر، ومن بين تلك الأوامر تلقت الفرقة الرابعة، الفرقة 14 إنزال جوي، الفرقة 9، ألوية 104، 105، 106 في الحرس الجمهوري وبعض ألوية المشاة وقوات النخبة تعليمات واضحة بضرورة مشاركة مقاتليها في المعارك، تلك المجموعات مدربة وشاركت في معارك الحسم في درعا وريف دمشق وقبلها حلب، حيث لم ينتشر أيّ منها حتى الآن على جبهات إدلب، بل اقتصرت المشاركة فيها على بعض عناصر الفرقة الخامسة مصالحات وقوات النمر، وبعض قوات المدرعات والمشاة التي تفتقد الخبرة، ولكنها حققت وعلى الرغم من ذلك تقدماً واضحاً في السيطرة على كفر نبودة وقلعة المضيق ومناطق أخرى.

إيران أيضاً، من جانبها، وجهت أوامر لمجموعاتها العسكرية للاستعداد لأي طارئ في سوريا، حيث نقلت وسائل الإعلام صوراً قالت إنها لمجموعات الحشد الشعبي العراقي وهي تتجاوز الحدود السورية نحو دير الزور لسدّ النقص المرتقب في حال دخلت إيران بمجموعاتها المحلية في حرب إدلب، وتحسباً لزحف داعشي في البادية السورية إذا تغيرت قواعد التمركز هناك، حيث من المتوقع أن تشارك المجموعات الإيرانية في المرحلة الثانية من معركة إدلب والتي يتم التمهيد لها نارياً منذ فترة، حيث ستشمل مناطق في غرب وجنوب حلب. بالمجمل، تملك إيران مجموعات عسكرية يصل عدد عناصرها إلى نحو 120 ألف عنصر معظمهم سوريون وتقودهم قيادات في الحرس الثوري الإيراني.

أما روسيا، فإنها لا تبدو مشاركة بالفعل برياً في تلك المعارك لحد الآن، حيث اقتصرت المشاركة على التوجيه والاستطلاع والضربات الجوية، واستعانت مرة أخرى بالشركات الأمنية لتصوير عناصرها على أنهم جنود روس في أرض المعركة ووجهت القيادة الروسية الشكر لهم لدورهم في معركة كفر نبودة، فيما شهدت قواعدها ومطارها العسكري في حميميم حركة عسكرية مكثفة خلال الأيام الماضية حيث يُعتقد وصول عدد من القادة العسكريين والجنود الروس إلى سوريا، إلى جانب إنشائها لنقاط عسكرية (حقيقية) في بلدة تل رفعت في مناطق الشهباء بريف حلب الشمالي وتعزيزها بعدد من الجنود والأسلحة في تعارض واضح مع ما تم الاتفاق عليه سابقاً مع تركيا حول منح تل رفعت لتركيا مقابل جسر الشغور وبعض المناطق الأخرى في إدلب، التحرك الروسي في الشهباء لحد اللحظة تم النظر إليه على أنه للحفاظ على الوضع الحالي في المنطقة وخاصة عفرين لحين الانتهاء من معركة إدلب، حيث لا يخفى على أحد الضغوطات التي تمارسها روسيا بين الفينة والأخرى على قوات تحرير عفرين لتخفيف حدة عملياتها ضد الاحتلال التركي ومرتزقته في عفرين والشهباء.

العديد من القادة الميدانيين في جيش النظام السوري قالوا خلال لقاءاتهم الميدانية مع جنودهم في محاور إدلب وحماة إن معركة إدلب يجب أن تُحسم خلال ثلاثة أشهر، قد تبدو الوعود عاطفية حينما تنتشر إشاعات بين جنود النظام مصدرها ساسة السلطة أن القرار السياسي والعسكري السوري والروسي اتخذ لحسم مسألة وجود مرتزقة تركيا في إدلب، وضرورة إنهاء هذه المهمة والقضاء عليهم بحلول عيد الأضحى، وخاصة في ظلّ وجود عدة مكابح أمريكية – أوروبية ترافق حملة النظام ولن يستطيع أن يتحرر منها بسهولة، ولعلّ أهمها الضغوطات الدبلوماسية التي تتخذ من وجود عدد كبير من المدنيين في المنطقة المستهدفة سبباً لوضع العراقيل الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية في طريق مشاريع روسيا ككل، وأخرى تركية والتي تجيد فنون استخدام واستغلال المدنيين والنازحين في تمرير سياساتها سواء في سوريا أو في علاقاتها مع الغرب.

بحسب تقارير استخباراتية، فإن النظام وروسيا قسما معركة إدلب إلى أربع مراحل: المرحلة الأولى في جنوب إدلب وشمال حماة وشمال اللاذقية وتستهدف كسر الخطوط الدفاعية الأولى لمسلحي تركيا، المرحلة الثانية، وتستهدف فتح جبهات حلب الغربية والجنوبية بالتوازي مع التقدم في محاور الهبيط وشمال اللاذقية، الثالثة، سيكون الهدف فيها الوصول إلى المدن الأساسية الواقعة على الخطوط الدولية ومنها سراقب، معرة النعمان، خان شيخون وجسر الشغور، أما المرحلة الأخيرة فهي ستتجاوز جنوب إدلب وستدخل فيها قوات النظام إلى المناطق الشمالية لإدلب وصولاً إلى الحدود التركية.

بغض النظر عن نجاح مخطط النظام وروسيا، فإن معركة إدلب ستحدد بشكل نهائي طبيعة الحل الذي تريده روسيا في فرضه على مسلحي تركيا في المرحلة المقبلة، كما سيكون اختبار التعامل مع المدنيين محدداً أساسياً للإفلات من الحجج الدولية في تقوية يد تركيا في الداخل السوري وخاصة في مناطق نفوذ روسيا، وعرقلة مخططات موسكو في السيطرة على كامل الجغرافية السورية.

بمواجهة محاولات روسيا في إجلاء أكبر قدر ممكن من المدنيين في إدلب باتجاه مناطق سيطرة النظام في حماة وحلب عبر معابر أعلنت عنها مع بداية المعركة ومحاولة الحصول على دعم من الأمم المتحدة للإشراف على تلك المعابر أو الاعتراف بها، عملت تركيا ومرتزقتها عبر حملة إعلامية مكثفة اتخذت من وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي أدوات لها على تحذير المدنيين من العودة لحضن النظام، حيث نشرت أخباراً وإحصائيات عن الذين فقدوا حياتهم في سجون النظام عندما عادوا خلال الفترة الماضية، كما منعت المجموعات المرتزقة التابعة لتركيا عدداً من العائلات ومعظمهم من الغوطة وحمص من الخروج من عفرين باتجاه معابر النظام في إدلب وحماة وحلب، بموازاة ذلك، أدخلت تركيا عبر معابرها مع سوريا عدداً كبيراً من وسائل الإعلام الأجنبية إلى منطقة إدلب لتغطية أخبار المجازر والمأساة التي ترتكبها طائرات النظام وروسيا بحق المدنيين، كما عملت على إغلاق الحدود ومنع دخول الهاربين من الحرب إلى أراضيها هذه المرة. فيما يبدو أن تركيا غيّرت من طريقة استغلالها للنازحين والمهجّرين، حيث تُفضل في معركة إدلب بقاء المدنيين هناك وهي تدرك أن النظام لن يتورع عن ارتكاب المجازر بحق المتبقين، وهي تهدف من خلال اتباع هذا السلوك إلى استغلال أكبر للمدنيين في الضغط على النظام وروسيا وإعاقتهم عن التقدم، واستخدام صور المأساة في الحصول على شرعية دولية لوجودها في المنطقة من خلال الادعاء بحماية المدنيين.

من الناحية العسكرية، استخدمت تركيا نفوذها الاستخباراتي والمالي في الضغط على الفصائل المرتزقة بما فيها هيئة تحرير الشام، وعقدت عدة اجتماعات لهم في تركيا وسوريا لتوحيدهم في مواجهة حملة النظام، كما قدمت لهم المزيد من الأسلحة والخرائط العسكرية، تقارير استخباراتية روسيّة أكدت خلال معركة استرداد كفر نبودة أن تركيا هي من نسّقت هجوم الفصائل وقدمت الغطاء المدفعي، كما أسقطت طائرة استطلاع روسية تغاضت موسكو عنها كما تغاضت عن مجمل الدعم التركي للفصائل سابقاً بما فيها تزويدها بصواريخ الغراد التي تستهدف قاعدة حميميم نفسها.

بالنسبة لتركيا، تبدو إدلب أكثر من منطقة تأوي فصائلها المرتزقة وعدداً من نقاطها العسكرية، هي القاعدة التي يمكن من خلالها التحكم في شمال غرب سوريا بأكمله انطلاقاً من إدلب، حماة، حلب، ونقطة الوصول إلى الساحل السوري، تهدد من خلالها المصالح الروسية في البحر المتوسط إذا استدارت موسكو عن تركيا وأضرت بوجودها على الأراضي السورية في المرحلة القادمة، كما يمكن لتركيا من خلال التمسك بإدلب إتمام مشروعها في تشكيل منطقة فاصلة عن سوريا تمتد من جرابلس إلى حدود اللاذقية وحماة، تحاول تركيا مراراً تذكير روسيا بتجربتها في أفغانستان، وهي بالفعل ماضية في الإجهاز على ما تبقى من الفصائل المعتدلة التي لم ترمي نفسها بعد في الحضن التركي، بالتوازي مع إعادة ترتيب صفوف الفصائل المرتزقة المتشددة، ودعمهم بشكل مباشر وعلني.

أما روسيا، فإنها فيما يبدو قد سئمت من المخططات التركية، وباتت تدرك تماماً أن تمديد اتفاقياتها مع تركيا بهذه الشروط ستجلب لها المزيد من المتاعب هي بغنى عنها في وقتٍ تعتبره ليس لصالحها في الأزمة السورية، تمدد تركيا في الشمال الغربي من سوريا يعني تثبيت وجود الناتو في المنطقة وتهديد المصالح الروسية. كما تجد موسكو لدى قواتها المزيد من الطاقة لحسم معركة إدلب لصالحها في ظلّ هدوء جميع الجبهات، حيث دفعت بورقة وجود هيئة تحرير الشام المصنفة إرهابياً إلى أجندة الأطراف الدولية، وهي فيما يبدو لن تترك تلك الورقة لوعود تركيا التي سرعان ما تتحول إلى مخططات استيطانية واحتلالية تركية في المنطقة.

بالمجمل، ليس واضحاً تماماً فيما إذا كانت تحركات النظام وتحشيده مع روسيا وإيران من طرف، والتدخلات العسكرية التركية وضغوطاتها الدبلوماسية وتوحيد فصائلها المرتزقة وتسليحهم من طرف آخر ستؤدي إلى انقطاع تام للصلة بين أطراف أستانا، ولكن ما هو مؤكد أن معركة كبيرة قد تكون على مراحل تتخللها بعض المكابح السياسية، العسكرية، والدبلوماسية تلوح في الأفق، وما هو مؤكد أكثر أنه لا عودة إلى المثلث الأول في العلاقة الميدانية بين الأطراف المسلحة في ظلّ أوضاع لا تفتح المجال إلا للخيار العسكري بين الطرفين.

سواء، قبلت تركيا أم لم تقبل فإن عليها فيما يبدو التفكير ملياً في كلمة بوتين بعد يوم واحد فقط من انتهاء قمة أستانا 12، "أنه لا يستبعد إجراء عملية عسكرية كبيرة في إدلب"، وهو تأكيد على ما قاله وزير خارجيته سيرغي لافروف قبل نحو عام "أنه من الضروري التخلص من "الجرح المتقيح" في إدلب السورية".

ANHA

 


إقرأ أيضاً