هل أيقظ "صاروخ" تل أبيب الحرب ؟

حملت إسرائيل، حركة حماس المسؤولية عن الصاروخ الذي استهدف "تل أبيب"، وأصاب 7 إسرائيليين، وقد توعدت برد قاس ضد غزة، فإلى أين سيتجه الوضع الميداني بين غزة وإسرائيل؟

للمرة الثانية، منذ حرب عام 2014 الإسرائيلية على غزة، تنطلق صواريخ من القطاع صوب عمق إسرائيل، وتسقط في مدينة "تل أبيب" مخلفة 7 جرحى بينهم حالة خطرة، وفي الوقت الذي فرضت فيه إسرائيل إغلاقاً شاملاً "براً، وبحراً" على قطاع غزة، واعتبرت منطقة غلاف غزة والمدن الإسرائيلية القريب من غزة "منطقة عسكرية مغلقة" في إطار استعدادها للرد عسكرياً على الصاروخ، تأهبت الفصائل الفلسطينية المسلحة، للتصدي للرد الإسرائيلي.

شكل الحدث

يعد الحدث بشكله وتوقيته، نذير أزمة شاملة بين الطرفين، إذ أن الصاروخ خلف إصابات في صفوف الإسرائيليين، ودمر منزلين، في منطقة تعتبرها إسرائيل عمقها الاستراتيجي والأمني "تل أبيب".

وهو حدث، يعد أمنياً من الدرجة الأولى، بالنسبة إلى الحكومة الإسرائيلية والجيش، كما أن مدينة تل أبيب في نظر الفصائل الفلسطينية، مصنفة كـ"ورقة ردع" تمتلكها، وتمكنها من تحقيق مستوى ردع مع إسرائيل، ويعني ذلك أيضاً، أنها تعلم أن قرار قصف تل أبيب يترتب عليه تبعات كبيرة، قد تجر المشهد إلى حيث لا يتوقعه الطرفان، وهو الحرب، لكن  وحتى هذه اللحظة، لم تتضح وجهة الميدان النهائية بين غزة وإسرائيل: "إلى الحرب أم إلى ردٍ عسكري مكثف ومحدود".

ولكن الظاهر حالياً، هو تبادل الاستعداد العسكري من الطرفين، في وقت يجري فيه الوسطاء، اتصالات لتحجيم التصعيد، وقد نقل الإعلام الإسرائيلي عن مصدر في الحكومة الإسرائيلية: "إن إسرائيل بعثت رسالة لحماس عبر مصر، أنه في حال ردت حماس على رد الجيش ستقع الحرب"، فيما قوبلت هذه الرسالة بـرسالة أخرى بعثتها الفصائل الفلسطينية على رأسها حركة الجهاد الإسلامي، التي طرح أمينها العام، زياد النخالة بأنه: "إذا شنت إسرائيل، عدواناً على غزة، سترد الفصائل الفلسطينية، بقوة".

توقيت القصف

وترجع حساسية توقيت حدوث القصف أو الحدث عموماً، إلى جانبين، الأول، أنه تزامن مع وجود حالة من التفاهمات  بخصوص تهدئة طويلة الأمد بين غزة وإسرائيل، وهنا الوقوف على توقيت الحدث، بما يمكن أن ينعكس جراء هذه الخطوة على  التفاهمات بين الطرفين، إذ بالحد الأدنى، قد تتعثر التفاهمات بشكل نهائي، بين غزة وإسرائيل.

ورغم الإرهاصات التي سبقت هذا الحدث، فإن إسرائيل لم توافق على شروط التهدئة التي وضعتها حركة حماس، وأن الوفد المصري نقل ذلك إلى حركة حماس.

أما الجانب الثاني، فهو المعركة الداخلية الإسرائيلية التي تشهدها الأحزاب الإسرائيلية في إطار الانتخابات الإسرائيلية المقرر عقدها خلال الأيام القادمة.

ويتلقى رئيس الحكومة الإسرائيلية الحالية بنيامين نتنياهو، الكثير من الانتقادات من خصومه السياسيين والأحزاب المترشحة، وذلك بغية التفوق عليه في الانتخابات وتأليب الرأي العام الإسرائيلي على نتنياهو وإسقاطه من رئاسة الحكومة.

هذا إلى جانب، أن الحدث أفشل زيارة نتنياهو إلى واشنطن ولقاءه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو اللقاء الذي كان سيتخلل وفق ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية، إعلان الرئيس الأمريكي أن الجولان السورية أرض إسرائيلية، وضمن سيادتها.

حرب أم رد إسرائيلي محدود ومكثف؟

ورغم كل التصريحات النارية والقاسية، التي تصدر عن الحكومة الإسرائيلية، وما يقابلها من استعداد عسكري في غزة، في وقت صرح فيه المبعوث الأممي الخاص للشرق الأوسط نيكولاي ملينيدوف بأنه: "نعمل مع مصر لمنع التصعيد بغزة"، إلا أن الوضع الميداني لايزال حتى هذه اللحظة، فوق خط رفيع يفصل بين وقوع حرب شاملة أو أن يكون هناك رد عسكري متبادل ينتهي بتدخل الوسطاء.

فلسطينياً، النقطة المهمة في تحديد شكل الميدان، هو اسلوب الرد الإسرائيلي، بمعنى أنه، إذا كان رداً عادياً بقصف مواقع عسكرية، للفصائل الفلسطينية، دون وقوع خسائر بشرية، سينتهي الحدث ربما حتى دون أن ترد الفصائل الفلسطينية.

ولكن، إذا تعمدت إسرائيل استهداف منشآت حيوية، وإيقاع خسائر بشرية، وهو ما يحرض عليه وزراء إسرائيليون، بضرورة تصفية قادة الفصائل الفلسطينية، فإن الرد الفلسطيني، سيكون بشكل كبير، وهو ما سيدفع الجيش الإسرائيلي أيضاً، إلى تصعيد تعامله، حتى انزلاق الطرفين إلى مواجهة شاملة.

بيد أنه، بالعودة إلى يوم 14 مارس/آذار الجاري، الذي انطلق  فيه  صاروخان من غزة  وسقطا في تل أبيب، كان اختبارًا حقيقيًا، لماهية تعامل الجيش الإسرائيلي مع غزة، إذ امتنع عن الانزلاق إلى مواجهة شاملة مع الفصائل الفلسطينية في غزّة، واكتفى الجيش حينها بقصف مكثف من سلاح الجو، وربما وفق تقدير مراقبين، أن يمر الحدث الحالي، بذات المستوى الماضي، وأن يرد الجيش في إطار مضبوط، بشكل لا يجر إلى مواجهة.

ولكن الفارق الحالي، هو الرغبة  الكبيرة لدى الأحزاب الإسرائيلية في توجيه ضربة عسكرية قوية لغزة، أملاً في التخلص من مسيرات العودة وكسر الحصار، وإنهاء النشاطات الأخرى التي تتعلق بها كـ"الإرباك الليلي"، وهو ما تحاول الجنرالات الإسرائيلية التي تخوض صراع الانتخابات، تحريض نتنياهو عليه.

ولكن إسرائيل – إذا قررت شن عملية عسكرية واسعة ضد غزة – ترى أنها أمام حالة مشابهة للدول العربية، وأن تصرفاتها ستقابل بالشجب والاستنكار، خصوصاً أن إسرائيل، تصعد حالياً تصرفاتها العدائية تجاه الشعب الفلسطيني، بالضفة وغزة والقدس والسجون الإسرائيلية، بالتوازي مع انطلاق حملات انتخابية، إسرائيلية متشددة أيضاً، ترفض تقديم تسهيلات للفلسطينيين.

إذ تشدد إجراءاتها ضد الفلسطينيين في القدس وقد منعت المصلين الفلسطينيين مراراً من الصلاة في المسجد الأقصى وأغلقته بالقوة، وكذلك قمعها للأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، والاقتحامات والاعتقالات اليومية في مدن الضفة، وإطباق الحصار الخانق على قطاع غزة،  كل هذه العوامل، تعتبر بمثابة كرة تصعيد متدحرجة، يمكن أن تجر المشهد في أي لحظة إلى الانفجار بوجه إسرائيل التي ترفض الاستجابة لمطالب الفلسطينيين بكافة الساحات، وتتعمد تشديد الاجراءات ضدهم، لأن أي تخفيف عنهم سيكون له انعكاسات مباشرة في شعبية الأحزاب الإسرائيلية المترشحة.

الأمور بين غزة وإسرائيل تتجه نحو التصعيد المتدحرج، بحيث يمكن أن يؤدي الرد العسكري الإسرائيلي المتوقع، إلى مزيد من إطلاق الصواريخ نحو إسرائيل، وهو ما سيصعد رد الجانبين، إلى نحو يوقع خسائر كبيرة، وهو ما سيفشل جهود الوسطاء في السيطرة على الوضع الميداني، وإعادته إلى ما كان قبل إطلاق الصاروخ على "تل أبيب".

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً