من ملحمة قرية مظلومة قصة شهيد

ضحى بنفسه من أجل بناء مستقبل مشرق حر. كان يقول " إن حمل اسم الثوري ليس بسيطاً "، بل هو عبء ثقيل. لذا، علينا أن نكون لائقين بهذا الاسم. فليس كل من يقول أنا ثوري، يعني أن بإمكانه إعطاء المعنى الحقيقي له، بهذه الجمل انضم وأشعل نيزك الحرية بأنامله.

عانى الشعب الكردي الويلات خلال القرون التي مضت في دوامة صراع السلطات، وكان من نصيب الكرد أن يصبحوا ضحية ألاعيب الأنظمة المحتلة لأرضهم، لكن فئة كبيرة من الكرد كانت على قدر الوعي من المؤامرة على كردستان، لذا ناضل المئات من أبناء الكرد دون أيَّ مقابل، وقدموا كل ما يملكون فداء للوطن.

فوصلوا بنضالهم ومقاومتهم إلى مراتب العلا والسمو وأصبحوا مثالاً للأجيال القادمة، سجلوا بجسارتهم وشهامتهم أعظم البطولات والإنجازات. ولأنهم آمنو بفكر الإنسان الثوري والمرأة الحرة حملوا على عاتقهم مسيرة نضالية ثورية هدفت لتحقيق الحياة الحرة والعيش الكريم.

على هذا الدرب، احتضن الكرد في روج آفا الآلاف من الكوادر الطليعيين في حركة التحرر الكردستاني، وتعرفوا على فكر القائد عبدالله أوجلان، وكانت عائلة المقاتل الشهيد برزان نعمو،  الذي نتحدث عن قصته اليوم، من بين العوائل التي تعرفت على الحركة وعملت في نشاطات الحزب سراً وخفية عن أنظار النظام البعثي.

قصته

ولد المقاتل برزان نعمو في مدينة تربه سبية عام 1972 وسط عائلة تعتمد في تحصيل قوتها على الفلاحة وأعمال البناء، يتكون أفرادها من شابين وشابتين مع الوالدين فخرية وسليمان نعمو.

اتصفت العائلة بين الجوار بأخلاق أفرادها الحسنة والمعاشرة الحميدة والطابع الإنساني، وكثيراً ما كانت تقف إلى جانب الأقرباء والجيران في كل المحن على الرغم من حالتها المادية السيئة.

درس برزان المرحلة الابتدائية وترك الدراسة كون عائلته كانت من العوائل التي حرمت من الجنسية السورية، وبالتالي لم يكن لهم الحق في تلقي التعليم وغيره من الحقوق الأساسية.

تميز برزان بأخلاقه الحميدة وشهامته بين الجوار ومساعدته للفقراء، مع مرور الوقت لم يستطع برزان البقاء في مسقط رأسه وتوجه إلى لبنان، وعمل ليلاً ونهاراً وانقطعت أخباره عن العائلة لفترة.

تقول ديلبر نعمو شقيقة برزان، إنهم عانوا من ظروف معيشية صعبة بعد وفاة والدهم، لذا اضطر شقيقها برزان للعمل ليلاً ونهاراً ليعيلهم، حيث عمل في الزراعة والفلاحة وأعمال البناء.

وتوضح شقيقته الأخرى شاهوان أنهم كانوا يعتمدون على برزان، وأنه قضى حياته وهو يعمل من أجلهم.

وبعد انشغاله بالعمل لأعوام عدة، يعود برزان إلى دياره ويتزوج، حيث أنجب من زوجته "خنساء علي" ابنتين، كما توجه إلى العاصمة السورية دمشق مع عائلته.

الانخراط في صفوف الثورة

ومع بداية الأزمة السورية يعود برزان مع عائلته إلى مسقط رأسه تربه سبية، وفيما بعد ينخرط في الثورة التي كانت قد انطلقت عام 2012 بدءاً من كوباني ثم انتشرت في عموم مناطق روج آفا، فينضم إلى قوات الأسايش ثم إلى وحدات حماية الشعب عام 2013.

يشارك رفاق دربه وجيرانه في حماية منطقته، إلى جانب مشاركته في العديد من المهمات حيث كان في مقدمة الجميع.

تقول رفيقة دربه نوجان حسن، إن برزان انضم إلى الثورة ليشارك المناضلين مسيرة النضال ولم يكترث للصعوبات وعاهد على البقاء وحماية أرضه.

وتضيف: "كانت له خاصية مميزة، لقد أحب الكدح وبذل الجهد من أجل صون كرامة شعبه وأرضه".

ويقول محمد حسين وهو رفيق دربه إن "العديد من الشبان في الأيام الأولى من الأزمة السورية فروا إلى الخارج تاركين أرضهم، لم ينضم برزان لهم وكان موقفه من الأمر قوياً، فضل البقاء وشجع العشرات من الشبان على الانضمام إلى الثورة".

جدير بالمهمات

يستذكر رفيقه فارس محمد مشاركة برزان في المهمات التي كانت تطلب منهم في بداية الثورة، ويضيف "كان فعالاً في تنفيذ المهمات، وقد انضم إلى وحدات حماية الشعب ولم يكن يرضى إلا بالتواجد في جبهات القتال ضد المرتزقة حتى يشفى غليله".

إبان اشتداد القتال على جبهات إقليم الجزيرة، وخاصة في تل حميس جنوبي مدينة قامشلو، أصر برزان الذي كان يقاتل إلى جانب وحدات حماية الشعب ضد مرتزقة جبهة النصرة على الذهاب والمشاركة في جبهات القتال، لكن قيادته كانت ترفض ذلك لأنه كان المعيل الوحيد لعائلته، لكن جوابه للقيادة كان "أنتم من ستحمون أولادي إن استشهدت".

برزان شهيداً

تمكن برزان الشاب المندفع من قلب القرار لصالحه، وتوجه إلى جبهات القتال المحتدمة، يستذكر رفيقه محمد حسين، تلك اللحظات التي ودع فيها برزان ويقول: "بقينا في حراسة نقاطنا لمدة 3 أيام من دون أن ترى أعيننا النوم، في الليلة الثالثة كانت الساعة الثانية عشرة عند منتصف الليل حين تعرضنا لهجوم من المرتزقة بأعداد كبيرة وبالأسلحة الثقيلة".

على الرغم من أن نقطة تواجده تعرضت لضغط هجومي كبير، لكنه لم يتخلَّ عن نقطته ورفاقه الذين رآهم يستشهدون أمامه حتى استشهد هو الآخر أيضاً ملتحقاً بقافلة الشهداء في 26 تموز/يوليو عام 2013 في قرية مظلومة التابعة لمدينة تربة سبيه في مقاطعة قامشلو برفقة 12 من رفاقه.

(ج)

ANHA


إقرأ أيضاً