مجلة أمريكية: تركيا هي الملاذ الآمن لأموال وذهب داعش

تحدث تقرير لمجلة "ذا اتلانتيك" الشهرية الأمريكية عن الطرائق المبهمة والسرية في نقل الأموال ويقول إن بعض هذه الأموال يتم الاحتفاظ بها نقداً من قبل أفراد في تركيا، بينما تم استثمار جزء منها أيضاً في الذهب.

يقول الكاتب ديفيد كينار: "إذا كنت تبحث عن تحويل الأموال هنا، فهناك فرصة لتوجيهك إلى أبو شوكت، إنه يعمل بمكتب صغير في إحدى ضواحي العاصمة اللبنانية، لكنه لن يعطيك موقعه بالضبط. بدلاً من ذلك، سيقوم بتوجيهك إلى زقاق قريب".

ويشير كينار إلى أن أبو شوكت - وليس اسمه الحقيقي - هو جزء من نظام الحوالة، والذي يستخدم غالبًا لنقل الأموال إلى الأماكن التي تعطل فيها النظام المصرفي أو يكون تحويل أي مبالغ إليها مكلفاً للغاية بالنسبة للبعض.

وبحسب المجلة الأمريكية، يمكن أن تنتقل النقود عبر حدود الدول دون أي استفسار حول من يرسلها أو يستلمها، أو الغرض منها.

ويعتقد المحللون أن هذه الشبكات لصاحبها "ابو شوكت" والتي تقوم بتحويل ونقل الأموال كانت تمارس أنشطة غير قانونية وسرية في الكثير من الأحيان، حيث يمتلكون شبكة من شركات خدمات المال تتولى نقل ملايين الدولارات أسبوعياً لصالح داعش.

ويشير الكاتب إلى أن داعش لا يزال لديه قوة مالية، وإمكانية للوصول إلى مئات الملايين من الدولارات، وفقاً لتقديرات الخبراء، بالرغم من قضاء قوات سوريا الديمقراطية على "الخلافة المزعومة"، وبالتالي يمكن لداعش الاعتماد على الأسلوب السابق اختباره وتجربته أثناء المعارك للحفاظ على استمرار تدفق الأموال إلى خزائنه.

ويلفت الكاتب إلى أن القوة المالية لداعش توفر نافذة على التحدي الأوسع الذي يواجه الولايات المتحدة والحكومات الأخرى.

ويضيف الكاتب: "اضطرت واشنطن إلى الاعتماد على استراتيجية مختلفة اختلافاً جذرياً عن تلك التي استخدمتها في حملتها العسكرية، ولم يكن سلاحها الرئيسي في هذه المعركة هو الضربات الجوية وقنابل المدفعية، ولكن أدوات أكثر دقة، مثل معاقبة الشركات المرتبطة بداعش، وحرمانها من الوصول إلى النظام المالي الدولي، والتعاون بهدوء في هذا الشأن مع الحكومات في جميع أنحاء العالم".

ويستدرك الكاتب قائلاً: "لن تكون هناك نجاحات واضحة في هذا السياق، كما أن الحملة ربما تمتد إلى سنوات عديدة مقبلة ولا يوجد في نهاية المطاف ضمانات بإحراز النصر".

ويلفت الكاتب إلى أن نهاية أيام داعش وسيطرته على الأراضي في سوريا تمثل سلاحاً ذو حدين للمسؤولين الذين يتطلعون إلى تجفيف موارد التنظيم الإرهابي. فمن ناحية، أدت الخسائر الهائلة، التي مني بها داعش إلى صعوبة في الاعتماد على مصدرين رئيسيين للدخل، هما استغلال حقول النفط في العراق وسوريا، وفرض الضرائب على المواطنين الذين يعيشون في الأراضي التي يسيطر عليها.

ويشير الكاتب إلى أن هذان المصدران لعبا دوراً رئيسياً في قيام التنظيم الإرهابي بجمع حوالي مليون دولار يومياً، بحسب ما ذكره مسؤول أمني عراقي رفيع المستوى، رفض الكشف عن هويته أثناء مناقشة مسائل استخباراتية، موضحاً أن هذا الأمر جعل من داعش أغنى منظمة إرهابية في العالم.

ومن ناحية أخرى، فإن فقدان سيطرة داعش على الأراضي ربما يعد توفيراً للمبالغ التي كان يتم إنفاقها، وتحريراً له من التكاليف ذات الصلة بمحاولة بناء "الخلافة" المزعومة، مما يفسح المجال للتركيز حصرياً على النشاط الإرهابي.

وقال مسؤول بوزارة الخزانة الأميركية، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، إن داعش يعمل بشكل متزايد مثل سلفه تنظيم القاعدة الإرهابي في العراق، ولم يعد يحتاج إلى نفس الموارد مثلما كان عليه الحال عندما كان يسيطر على الأراضي في سوريا.

ولا يزال النفط يحقق عائدات للتنظيم الإرهابي أيضاً، إذ بينما لم يعد داعش يسيطر على حقول النفط نفسها، وفقاً لما صرح به مسؤول الخزانة الأميركية، فإن أحد المصادر الرئيسية لدخل التنظيم الإرهابي هو حصيلة عمليات ابتزاز خطوط أنابيب إمدادات النفط في جميع أنحاء المنطقة.

ويقول هوارد شاتز، كبير الاقتصاديين في مؤسسة راند المالية والمؤلف المشارك للعديد من الدراسات حول الشؤون المالية لداعش: "لا يزال داعش يرقد على المفاجأة الهائلة التي قام بتشييدها خلال فترة ذروة قوته"، مضيفاً: "ما نعرفه هو أنهم جمعوا مبالغ كبيرة من الأموال وغيرها من الأصول. ولكن لا نعرف إلى أين ذهب كل هذا".

ويرى الكاتب أن بعض هذه الأموال قد استثمرت في مشاريع تجارية مشروعة. ففي شهر أكتوبر، كشفت سلسلة من المداهمات لمقار الشركات المرتبطة بداعش في مدينة أربيل (هولير) العراقية عن أوراق تشير إلى أن المجموعة استثمرت في كل شيء من العقارات إلى تجارة السيارات.

ويتوقع الكاتب أن هذه الشركات تُدار من قبل وسطاء يتشاركون مع داعش ليس بسبب التعاطف الأيديولوجي بل من أجل الربح، ومن ثم يتم تحويل الإيرادات إلى داعش عندما يُطلب منهم ذلك.

وذكر مسؤول أمني عراقي كبير: "أن الجزء الأكبر من أصول داعش قد تم نقله إلى تركيا، على الرغم من أن وزارة الخزانة فرضت عقوبات على شركات الخدمات المالية في سوريا والعراق، والتي لها صلات تصل إلى مناطق بعيدة مثل منطقة البحر الكاريبي".

ويتوقع الكاتب أن بعض هذه الأموال يتم الاحتفاظ بها نقداً من قبل أفراد في تركيا، بينما تم استثمار جزء منها أيضاً في الذهب، بحسب تقرير "ذا أتلانتيك".

ويؤكد الكاتب على أن هذه هي ليست السابقة الأولى التي تغض فيها أنقرة الطرف عن نشاط المنظمة الإرهابية على أراضيها، فقد اعتاد التنظيم الإرهابي جني ملايين الدولارات عن طريق بيع النفط المهرب للمشترين الأتراك.

واستهدفت مداهمات أكتوبر في أربيل أيضاً الشبكة المالية التي أنشأها فواز محمد جبير الراوي، أحد قادة داعش والذي تزعم وزارة الخزانة الأميركية أنه يمتلك ويدير شركات خدمات مالية مقرها سوريا، وتتولى تحويل ونقل الأموال إلى تركيا.

ويلفت الكاتب إلى أن الدولتان سوريا والعراق، اللتان مزقتهما الحرب، توفران فرصاً واسعة لداعش لإحياء التكتيكات التي تم من خلالها تمويل التنظيم السابق.

فمن عام 2008 إلى عام 2012، عندما بدأ تنظيم القاعدة في العراق لجأ إلى أساليب سرية مثل عصابات المافيا تحت الأرض، حيث اقتنص عقود البناء، خاصة في مدينة الموصل شمال العراق؛ وسرق البضائع وأعاد بيعها؛ وخطف أفراداً من العائلات الثرية للحصول على فدية.

وعلى الرغم من ظروفها المتوترة، كان التنظيم يحقق إيرادات شهرية تبلغ حوالي مليون دولار فقط في محافظة نينوى العراقية في أواخر عام 2008 وأوائل عام 2009.

وتظهر الوثائق، التي تم رفع السرية عنها، أن كبار السياسيين العراقيين والأتراك تعاملوا مع القاعدة في العراق عام 2009؛ ومن المرجح أن يكون الإشراف على كيفية إنفاق الأموال أسوأ حالياً، بالنظر إلى حجم المهمة.

واحتفظ داعش بسجلات دقيقة حول ما يقرب من 7 ملايين إلى 8 ملايين شخص، يعيشون في الأراضي التي سيطروا عليها في ذروة قوته. إذا احتفظ بالسيطرة على تلك السجلات، فيمكنه استخدامها لابتزاز العراقيين والسوريين لاحقا.

ويقول شاتز: "إذا كنت تعيش في إقليم تحت سيطرة داعش، فهم يعرفون مكان إقامتك، وهم يعرفون الكثير من المال الذي تجنيه، ويعرفون ما هو عملك"، موضحاً أنه "يمكنهم (عناصر داعش) على سبيل المثال الذهاب إلى رجل أعمال ما، قائلين: يجب أن تكون فخوراً بابنك وأنه سيكون من المؤسف أن يحدث له شيء ما".

ومثلما هو الحال مع أي تكتل ذكي متعدد الجنسيات، قام داعش بتنويع مصادر إيراداته، حتى إذا تمكنت الولايات المتحدة وحلفاؤها من وضع نهاية، على سبيل المثال، لأعمال الخطف مقابل الفدية التي يقوم بها التنظيم الإرهابي، فيمكنه أن يعتمد على الإيرادات من تلك الشركات التجارية ومضارب الابتزاز عن طريق السجلات التي يحتفظون بها.

والوضع يتخطى مرحلة ما بعد اليأس، حيث إن الولايات المتحدة ربما تكون قد تمكنت من إلحاق ضرر بالفعل في الشؤون المالية لداعش من خلال استهداف شبكته النفطية، ولكن ربما يكمن الحل المعجزة في القدرة على ضبط والاستيلاء على سجلات داعش، حيث يمكن أن تعطي تلك السجلات نظرة عامة مفصلة على موظفي داعش ومصادر الإيرادات.

ويهدف داعش إلى استغلال انهيار الدولة كوسيلة لتمويل منتجها الرئيسي، وهو العنف السياسي. وبالتالي يؤدي هذا العنف إلى مزيد من السقوط للدولة أكثر فأكثر، مما يخلق المزيد من الفرص المالية للمنظمة الإرهابية.

إن إحراز الانتصار العسكري ضد داعش هو تطور يمكن الاحتفال به، لكنه يمنح التنظيم الإرهابي أيضاً فرصة الاعتماد على استراتيجية اقتصادية عمل عليها جيداً لسنوات، ومن غير المتوقع أن تتوقف عن العمل وتخرج من أسواق العمل في أي وقت قريب.

(م ش)


إقرأ أيضاً