ماذا حدث في 12 آذار؟

في 12 آذار 2004 حاول النظام البعثي وعبر مخطط محكم خلق نزاع طائفي عنصري بين الكُرد والعرب في ملعب (نادي قامشلو) ملعب شهداء 12 آذار بمدينة قامشلو في إقليم الجزيرة، تحت غطاء مشاجرات بين مشجعي فريقي، نادي الفتوة من دير الزور ونادي الجهاد في قامشلو. إلا أنّ ذاك المخطط وبرغم من إحكامه فشل. وبات الملعب الآن مكاناً تتحد فيه كافة مكونات المنطقة.

أكرم بركات/ مركز الأخبار

في عام 2003 سقط نظام حزب البعث في العراق بعد التدخل الأمريكي، وتحولت سوريا إلى منطقة عبور للجهاديين للقيام بعمليات في العراق. وقام النظام السوري بدعم ما كانت تسمى بالمقاومة العراقية بالإضافة لإيواء قادة النظام السابق لعرقلة أي تقدم أمريكي قد يؤثر على مستقبل النظام في سوريا، وشهدت بدايات عام 2004 أحداثاً متسارعة، حيث اعتقل النظام البعثي كل من جندهم (تحت حرب الجهاد وجندهم بعد التدخل الأمريكي من مناطق دير الزور والحسكة والشدادة والرقة في تلك الآونة وأدخلهم إلى العراق من أجل محاربة القوات الأمريكية هناك تحت اسم الجهاد، وبعد عودتهم إلى سوريا تم اعتقالهم ووضعهم في سجون دير الزور والحسكة).

في تلك الآونة أعلنت حكومة إقليم كردستان في باشور حكمها الذاتي في 1 آذار 2004. حاول النظام البعثي في 8 آذار 2004 عرقلة احتفالية النساء في مناطق قامشلو بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، وضغط النظام البعثي على بعض قادة الأحزاب السياسية، وبشكل خاص أعضاء حزب الاتحاد الديمقراطي الذي كان حديث المنشأ وحمل أفكاراً ديمقراطية وتحريرية، بالإضافة للنضال من أجل تمتين الأخوة بين الشعوب والأثنيات في إطار الاتحاد الطوعي الحر على أساس الانتماء والأمة الديمقراطية.

وكان النظام البعثي يرى في تلك الآونة بأن أفكار حزب الاتحاد الديمقراطي تشكل خطراً على سياساته التعسفية بحق شعوب المنطقة، بالإضافة لتخوفه من مطالبة الشعب الكردي في سوريا بحقوقه المشروعة، لذلك افتعل وبخطة محكمة ما جرى في ملعب شهداء 12 آذار (ملعب قامشلو سابقاً).

قبل المباراة

وبحسب مصادر عدّة فإن النظام وقبل المباراة المرتقبة بين فريق نادي الجهاد في إقليم الجزيرة وفريق نادي الفتوة في دير الزور، أطلق سراح كافة الذين ذهبوا إلى العراق تحت اسم (حرب الجهاد) أي في 10 و11 آذار 2004.

وفي صبيحة يوم الجمعة في 12 آذار، خرج قطار وكالعادة من دير الزور باتجاه مدينة قامشلو في الساعة الـ 08.00، ووصل إلى مدنية قامشلو قرابة الساعة الـ 11.30، كان ممتلئاً بالشبان يهتفون هتافات عنصرية، منها "يسقط الزعماء الكرد، يعيش صدام حسين". دخل الوافدون من دير الزور إلى معلب شهداء 12 آذار بحجة تشجيع فريق نادي الفتوة، لم يتم تفتيشهم من قبل قوات حفظ النظام التابعين للنظام على عكس جمهور نادي الجهاد الذين تم تفتيشهم تفتيشاً دقيقاً، كما كان من المفترض أن يجلس مشجعو نادي الفتوة في المدرج المخصص للضيوف في الملعب كما هي العادة، إلا أنّ قوات النظام تعمدوا وضعهم في مدرج مشجعي نادي الجهاد.

قبل بدء المباراة بين فريقي الجهاد والفتوة بدأ جمهور نادي الفتوة برفع شعارات وهتافات استفزازية كـ "يعيش صدام حسين" و "يسقط زعماء الكرد الخونة". وبدأ الذين دخلوا المعلب بحجة تشجيع فريق نادي الفتوة بقذف الحجارة على عامة الشعب، وأثناء حدوث احتكاك مباشر بين هؤلاء ومشجعي نادي الجهاد تدخلت فوراً قوات حفظ النظام والقوات الأمنية التي كانت متواجدة في الملعب وبدأت بإطلاق الأعيّرة النارية عشوائياً على مدرج جماهير نادي الجهاد بأوامر من محافظ الحسكة سليم كبول، وظهر ذلك جلياً في مقاطع فيديو تداولتها وسائل الإعلام في تلك الآونة، وعلى إثرها فقد 9 أشخاص لحياتهم بينهم طفلان.

10 أيام والانتفاضة مستمرة

في اليوم الثاني من انتفاضة قامشلو أعلنت قوات النظام حظر التجوال وأنزلت الجيش والقوات التي استقدمتها من الرقة ودير الزور و غيرها من المحافظات كقوات تعزيز إلى الشارع، وهاجمت الشعب الذي كان سيقوم بتشييع جثامين الشهداء الـ 9 الذين استشهدوا في الملعب ومحيطه، واستخدمت القوات الأعيّرة النارية بشكل عشوائي، مما أثار سخط الشارع الكردي وتمددت الانتفاضات إلى سري كانيه، وعامودا، وديرك، وكركي لكي، والحسكة، وكوباني، وعفرين، ودمشق وحلب، وتمكن الشعب من السيطرة على عدّة مؤسسات مدنية.

واستشهد في اليوم الثاني من انتفاضة قامشلو (أي 13 آذار) 24 شخصاً، بينهم نساء وأطفال. بالإضافة لجرح المئات، وبعدها بدأ النظام بحملة اعتقال واعتقلت أكثر 2700 شخص.

استمر النظام في اليوم الثالث من انتفاضة قامشلو بسياساته القمعية واعتقل المئات وتم توجيه تهمة للشعب الكردي الذي انتفض في روج آفا بالمخربين وبأنهم ينوون القيام بإنشاء كيان انفصالي بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، واتهم النظام المعتقلين في أقبية سجونه بذات التهمة. كما منع تشييع الشهداء بمراسم جماهيرية. وفي 16 آذار وأثناء خروج أبناء مقاطعة عفرين في مظاهرة منددة بسياسات النظام البعثي، استهدفت قوات النظام المتظاهرين واستشهد على إثرها 5 مدنيين آخرين، وبذلك وصل عدد الشهداء إلى 38 شهيداً.

استمرت انتفاضة الشعب الكردي لمدّة 10 أيام متتالية، كانت الانتفاضة انتفاضة شعبية شارك فيها كافة أبناء الشعب الكردي بالإضافة لبعض أبناء المكون العربي أيضاً، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن المخطط الذي خطط له النظام البعثي لم ينجح نتيجة تماسك الشعب الكردي فيما بينهم ودعم عدّة عشائر ووجهاء وشخصيات عربية لانتفاضة قامشلو.

ماذا كان يحدث في المعتقلات

تعرض كافة المعتقلين ضمن أقبية سجون أفرع النظام، لأبشع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، وتشوه العشرات منهم بالإضافة لاستشهاد عدد آخر. بعض المعتقلين حكم عليه بأحكام جائرة كالسجن لأعوام.

أثناء انتفاضة قامشلو تخطى الكرد الخطوط الحمراء التي وضعها النظام، وقالوا للنظام لن نتنازل عن كرامتنا بعد الآن، وبعد مرور 15 عاماً من انتفاضة قامشلو التي كانت الحجر الأساس لثورة 19 تموز 2012، تحول ملعب شهداء 12 آذار الذي كان يحاول النظام تحويله إلى ملعب لفتنة طائفية إلى ملعب يحتضن بداخله كافة مكونات شمال وشرق سوريا.

ويُدار المعلب الآن من قبل إدارة مكونة من مكونات المنطقة الكرد والعرب والسريان، تحت إشراف هيئة الشباب والرياضة في إقليم الجزيرة.

يوضح عضو الإدارة دليل عباس أن المعلب أصبح مقصداً لكافة مكونات المنطقة وأبوابه مفتوحة أمامهم لممارسات الرياضة ضمنه، وقال "وتنظم كافة مكونات المنطقة فعالياتهم ونشاطاتهم القومية والوطنية أيضاً في الملعب"، وأوضح أن إدارة الملعب فتحت فيه عدّة صالات للرياضة بالإضافة لقسم خاص للأطفال.

رغم كل محاولات النظام لخلق فتنة طائفية بين الكرد والعرب إلا أن كافة محاولاته باءت بالفشل، والفضل يعود إلى التماسك والتلاحم بين مكونات المنطقة منذ القدم، حيث تربط بين كافة مكونات المنطقة وبشكل خاص الكرد والعرب علاقات وطيدة تصل إلى حد المصاهرة، وفي تصريح سابق لوجهاء العشائر العربية في ناحية تل حميس لوكالتنا حول الأخوة العربية الكردية، أوضح عبد الرحمن الحميد أحد وجهاء عشيرة الجوالة بأن مكونات المنطقة عاشت بانسجام وتلاحم ووفاق والفضل يعود إلى الآباء والأجداد الذين متنوا العلاقات والأواصر بين الحاضنة الشعبية، التي حاولت جميع الجهات التفريق بينها، وبيّن أن جهات عدّة حاولت أن تلعب على هذه الورقة وبذلت الغالي والنفيس لبث الفتنة في قلب هذا المجتمع الواحد ولم تستطع ولن تستطيع.

منذ انتفاضة 12 آذار 2004 وإلى يومنا الراهن، يستذكر شعب المنطقة هذا اليوم، عبر إشعال الشموع في الشوارع العامة وعلى جدران المنازل عشية الانتفاضة، وفي يوم الانتفاضة تقف كافة مكونات المنطقة دقيقة صمت إكراماً لشهداء انتفاضة آذار 2004 في الساعة الـ 11.00. في الشوارع والمرافق العامة.

ANHA


أخبار ذات صلة