لماذا يرفض أردوغان الآلية الأمنية رغم تطبيقها؟

لطالما خرج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وأدعى إن مناطق شمال وشرق سوريا تشكل تهديداً لأمنه القومي، ورغم أن شعوب هذه المنطقة تدرك تمام الإدراك زيف هذه الادعاءات إلا أنها وافقت على آلية أمنية على الحدود، مطبقة المثل الشعبي "إلحق الكذاب لورا الباب"، ولذلك جاء اتفاق واشنطن وأنقرة وقوات سوريا الديمقراطية على الآلية الأمنية.

وبدأ بالتطبيق العملي لهذه الآلية، وسارت الدوريات المُشتركة في المنطقة يوم 8 أيلول/سبتمبر الجاري، ولكن حتى مع تسيير هذه الدوريات أيضاً خرج أردوغان ورفض هذه الآلية. والسؤال الذي يطرح نفسه، لماذا يرفض أردوغان هذه الآلية وما تم الاتفاق عليه يتم تطبيقه عملياً، ووفق ما هو مخطط له؟ والإجابة على هذا السؤال لا تحتاج إلى الكثير من التفكير، فهذه الآلية الأمنية من شأنها كشف زيف ادعاءاته لأنه هو من يهدد منطقة آمنة بالأساس، وبالتالي السير في هذه الاتفاقية يعري ورقة التوت التي يتستر بها أردوغان ويقطع الطريق أمام مخططه في السيطرة على حلب وشمال وشرق سوريا ومن وراءهما الموصل وكركوك لإحياء الميثاق المللي.

أردوغان قال يوم الأحد الماضي إنه يريد أن تشمل ما يسمى المنطقة الآمنة، المدن والأرياف، وبذلك كشف نيته ورغبته باحتلال المنطقة لضرب الأخوة الكردية العربية السريانية الموجودة فيها والنظام الذي شكلوه معاً ويديرون بها مناطقهم، هدف أردوغان هو القضاء على هذه الإدارة الذاتية لأنها الحالة المعاشة الأكثر ديمقراطية في الشرق الأوسط المتميز بتنوعه، وهذه التجربة تستطيع أن تكون الحل لكافة المشاكل التي تعيشها المنطقة انطلاقاً من تركيا ومروراً بإيران وسوريا وحتى العراق، لأن نظام القومية الواحدة الحاكمة سواء أكانت أقلية أم أكثرية في تلك البلدان تضطهد البقية وتنفي حقوقهم.

أردوغان من خلال تهديداته أيضاً كشف عن نيته الأخرى بتغيير ديموغرافية المنطقة والقضاء على الكرد، فهذه المنطقة خليط من الكرد والعرب والسريان الآشور الكلدان والأرمن والشركس والتركمان، مع وجود مدن ذات أغلبية كردية. وهذه المكوّنات تعرضت للمجازر على يد العثمانيين وأحفادهم الأتراك، وكلنا يتذكر مجازر الأرمن والسريان، والمجازر بحق الكرد واضطهاد العرب ونهب ثرواتهم، وبالتالي هذه الشعوب كلها ترفض أردوغان وهو بذلك يريد توطين موالين له على الحدود بدلاً من سكانها وبشكل خاص الشعب الكردي، ليستخدمهم كلما أراد لخلق الفتن وتمرير مخططاته التوسعية العدوانية في المنطقة.

وما تهديدات أردوغان للاتحاد الأوروبي قبل عدة أيام بفتح باب الهجرة أمام اللاجئين – جميعهم ليسوا سوريين- إن لم يدعموا مخططه في تشكيل ما يسمى منطقة آمنة على مقاس أردوغان، سوى تأكيد على نيته في تغيير ديموغرافية المنطقة، خصوصاً أن الإدارة الذاتية رحبت بعودة اللاجئين من أبناء المنطقة إليها ولكن حديث أردوغان عن مليون لاجئ هو بالتأكيد لتطبيق مخططه في هذه المنطقة.

ومما لا شك فيه أن تهديدات أردوغان المتكررة هذه تؤثر على الهدف الكبير لقوات سوريا الديمقراطية والتحالف الدولي ضد داعش، والذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية والمتمثل بالقضاء على خلايا داعش النائمة وإيجاد حل للدواعش المحتجزين وكذلك عوائلهم في مخيم الهول الذي يعتبر قنبلة موقوته مستعدة للانفجار في أي وقت، لأنه من غير المعقول أن تهدد تركيا عوائل المقاتلين الذين يحرسون الدواعش في مدنهم ويبقوا هم يحرسون داعش.

على العالم أجمع أن يدرك أن أردوغان برفضه للاتفاق إنما يريد احتلال المنطقة وتطبيق مخططاته، وعلى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا أن يدركوا مدى خطورة هجمات تركيا على هذه المنطقة، ودورها في إعادة إحياء داعش وعودة الدواعش المعتقلين إلى بلدانهم، والخطر الذي يشكلونه في تلك البلدان في هذه الحالة، ولذا الواجب عليهم أن يمنعوا التهديدات التركية وأن يضعوا حداً لغطرسة أردوغان وغروره وجعله للشرق الأوسط وأوروبا تحت التهديد.

يجب أخذ التهديدات التركية ضد شمال وشرق سوريا على محمل الجد، لأن المعروف عن أردوغان عقده للصفقات الدنيئة وهو مستعد لفعل كل شيء من أجل القضاء على الوجود الكردي، فمنذ أن تدخلت روسيا دعماً للنظام السوري في أيلول/سبتمبر من عام 2015، تغيرت استراتيجية أردوغان وحول أنظاره من العاصمة دمشق إلى المناطق الكردية واستخدم المرتزقة السوريين والأجانب الذين يحملون السلاح بسوريا لتحقيق هذه الغاية، فهو من باع حلب ليحصل مقابلها على جرابلس والباب وإعزاز، وهو من باع الغوطة الشرقية التي كانت حصناً أمام النظام وروسيا مقابل أن يحتل عفرين، وهو مستعد لبيع إدلب و3 مليون سوري يقيمون فيها و4 ملايين سوري لاجئون في تركيا وأن يسلمهم جميعاً للنظام مقابل السماح له بشن هجمات على شمال وشرق سوريا والإدارة الذاتية الموجودة فيها.

ولكن الهجوم على هذه المنطقة ليس بالأمر اليسير وليست نزهة سيقوم بها الجيش التركي، فالحدود طويلة وتمتد على مسافة 400 كم وليس بمقدور تركيا ومرتزقتها فتح هكذا جبهات، وقال القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي إن أي هجوم تركي سيدفعهم إلى فتح هذه الجبهة الطويلة، وبالتالي فإن حرباً كهذه ستكون طويلة ومُكلفة لجميع الأطراف، خصوصاً أن أردوغان يعيش مأزقاً داخلياً، كما أن من شأنها إطالة أمد الحرب السورية التي باتت تكاليفها باهظة للقوى العالمية وأكثر من الفائدة التي يمكن أن تجنيها من هذا التدخل.

كما أن أي هجوم تركي يعني أن جهود التحالف الدولي ضد داعش منذ تشكله عام 2014 وحتى الآن سيذهب هباءً منثوراً، وسيستعيد داعش عافيته ويستغل الهجمات التركية ربما للسيطرة مجدداً على مساحات من الأراضي، عدا عن أن أي هجوم تركي يعرّض حياة الجنود الأمريكيين وجنود التحالف للخطر.

وأيضاً روسيا لا يناسبها أن تحتل تركيا هذه المنطقة الغنية بالنفط التي يسيل اللعاب الروسي لها، لأنها تدرك تمام الإدراك أن وجود تركيا كطرف يعني وجود حلف الناتو خلفها وبالتالي إذا حقق أردوغان غايته باحتلال المنطقة فسيدير ظهره إلى الروس، وبالتالي لن تكون روسيا ولا حتى النظام السوري قادرين على إخراجه من هذه المنطقة خصوصاً أن تجربة احتلال شمال قبرص عام 1974 ماثلة أمام الجميع ولم يخرج منها الجنود الأتراك حتى الآن.

وبما أن الظروف على الساحة الدولية ليست مواتية لأردوغان من أجل شن هجمات على هذه المنطقة، لذا فهو يسعى عبر لغة التصعيد التي يستخدمها للحصول على تنازلات من أمريكا وقوات سوريا الديمقراطية لتحقيق أطماعه في المنطقة، خصوصاً أنه يعيش أزمة حقيقية في إدلب التي لا يمكن النظر إليها بمعزل عن الأوضاع في شمال وشرق سوريا، فتركيا حاولت اللعب على التناقضات الروسية الأمريكية في سوريا، ولكن سياسة "اللعب على الحبلين" لم تعد تفيد أردوغان، فتقربه من روسيا يعني ابتعاده عن أمريكا والعكس صحيح وفي كلا الحالتين سيكون خاسراً وإذا تحالفت روسيا وأمريكا معاً ستكون خسارة أردوغان مضاعفة.

على ما يبدو أن تطورات الأحداث تتجه نحو خسارة تركيا بشكل كامل في سوريا لتعارض سياسات أردوغان مع سياسات الدول المحيطة والاتحاد  الأوروبي وروسيا وأمريكا، في جميع أنحاء العالم وبات أردوغان مسبباً للصداع وجب التخلص منه عالمياً.