لعبة إفقار غزة.. مأساة القطاع بين الحصار والانقسام

مرت أيام, على انطلاق حراك "بدنا نعيش" الذي نظمه المواطنون الفلسطينيين في غزة،  والتي يعيش فيها  أكثر من مليوني فلسطيني ويعانون من أعراض كارثة إنسانية بسبب ما خلفه  الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع منذ ما يزيد عن 13 عاماً، والانقسام الفلسطيني الداخلي بين حركتي فتح وحماس.

يعد الحراك الشعبي الفلسطيني الذي خرج رفضاً للأوضاع المعيشية والاقتصادية والإنسانية المتدهورة الأول من نوعه في قطاع عزة منذ أن سيطرت حركة حماس، على غزة، عقب فوزها في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006.

وحمل الحراك إلى الواجهة الإعلامية، درجة المعاناة المتراكمة التي يعيشها قطاع غزة، دون بوادر حل أو تحسين للأوضاع التي يعيشها.

وتنقسم معاناة الشعب الفلسطيني بشكل عام والقطاع خصوصاً إلى قسمين هو الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع وحالة الانقسام بين حركتي حماس. وفتح ولمعرفة الوضع الفلسطيني بشكل أكثر سنتعرض خلال هذا التقرير لمراحل "إفقار قطاع غزة" والعوامل التي أوصلت القطاع إلى الحال المأساوية التي يعيشها.

إسرائيل العامل الأول والأكثر تأثيراً

منذ عام 2005 وتحديداً بعد أن سحبت إسرائيل قوتها ووجودها  بقطاع غزة، تبنت إسرائيل، سياسة تضييق ضد القطاع لإحكام قبضتها الأمنية عليه، وضمن ذلك قيدت حركة الدخول والخروج من القطاع، وحتى عام 2006، كانت إسرائيل تحافظ على وتيرة تضييق منخفضة، في إطار السيطرة على الفلسطينيين في غزة, إلى أن سيطرت حركة حماس على قطاع غزة، بعد فوزها في الانتخابات التشريعية خلال العام المذكور.

وشددت إسرائيل فيما بعد حصارها على القطاع، ووسعت منعها ليشمل قطاعات تجارية كاملة، ومواد اقتصادية ذات احتياج عالي لإبقاء المرافق الصناعية في القطاع نشطة، ثم منعت دخول أصناف "تجارية، طبية، صناعية"،  مبررة ذلك، بأن الفصائل الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس، تستعمل هذه الأصناف في تصنيع معدات عسكرية تهاجم بها الجيش الإسرائيلي.

وفي عام 2008  شنت إسرائيل أول حرب مدمرة على غزة، خلفت وراءها آثاراً كارثية على قطاعات التجارة والاقتصاد والصحة، ثم أعقبت الحرب بتشديد أكثر للحصار، وبدأت بعد عام 2008 بالتصعيد أكثر فأكثر في تضييق منافذ غزة براً وبحراً، بحجة منع التنظيمات الفلسطينية المسلحة، من تطوير قدراتها العسكرية وتلقي الدعم العسكري، وصولاً إلى عام 2012 الذي شنت فيه إسرائيل حرباً ثانية على القطاع، فعمقت الآثار الكارثية للحرب الماضية ونقلتها إلى درجة أكثر سوءاً وتردياً، وخلال هذه الأعوام ظلت إسرائيل مشددة للحصار مع زيادة في إجراءات التضييق تفرضها متى شاءت وتحت ذرائع تختارها، وحتى عام 2014 الذي شنت فيه إسرائيل آخر حرب مدمرة ضد غزة، نقلت بفعل آثار الحرب، أزمات غزة، إلى مرحلة مزمنة وأكثر حساسية.

وكذلك أدى الحصار الإسرائيلي إلى منع وإعاقة وصول الإمدادات الإنسانية والغذائية والطبية ومواد البناء الضرورية لغزة بعد ثلاثة حروب مدمرة، الأمر الذي أعاق عملية تهيئة بنية القطاع التحتية والاقتصادية ومرافقه الإنسانية من جديد، وظل القطاع على الحال نفسها التي خرج بها من الحروب الثلاثة.

وأدى الحصار الإسرائيلي أيضاً بصورة عامة إلى تدهور خطير وغير مسبوق للأوضاع الإنسانية, حيث بات أكثر من 2 مليون نسمة من سكان غزة يعيشون في معزل وسجن جماعي لا تتجاوز مساحته 365 كم2، مفتقدين حقوقهم المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وإلى جانب ذلك، يحرم الحصار الإسرائيلي القطاعات الهامة كالصحة والاقتصاد والمياه، من دخول الوقود اللازم، ويتحكم بكميته، عبر تحويله إلى أداة ابتزاز للقطاع تجبره على تقديم تنازلات لإسرائيل, ما أدى إلى تدهور قطاع الصحة والاقتصاد، وقطاع المياه وتلوث ما نسبته 97% من مياه القطاع حسبما قالت سلطة المياه في غزة.

السلطة الفلسطينية وحماس.. عامل مكمل للحصار الإسرائيلي

وفي آخر إحصائيات المركز الفلسطيني للإحصاء، سجل المركز أن معدل البطالة في غزة  يقارب الـ60% وهي الأعلى عالمياً، تتركز غالبيتها تحديداً بين فئة الشباب والخريجين الجامعيين، وارتفعت نسبة الفقر في قطاع غزة لتصل إلى أكثر من نصف السكان، وبلغت نسبة انعدام الأمن الغذائي لدى الأسر في قطاع غزة حوالي 69% وفق إحصاء أجري في أوائل عام 2018، الذي شهد حالة ركود اقتصادية غير مسبوقة، وهي أتت نتيجة لكل عوامل التضييق التي جرت خلال الأعوام الماضية.

وأدى الانقسام الحاصل بين حركتي فتح وحماس منذ عام 2006 بفعل فوز حركة حماس برئاسة الوزراء، إلى تعميق أزمات قطاع غزة، بفعل تقلص ووقف خدمات السلطة الفلسطينية في غزة، في إطار خلافها مع حماس، واعتبار قطاع غزة مسؤولية الحركة التي تعاني من انعدام التمويل الخارجي، بعد أن جففت إسرائيل منابع تمويلها عبر تضييق الحصار  على القطاع.

ومنذ عام  2014 يحصل جميع الموظفين الذين وظفتهم حركة حماس، ويبلغ عددهم ما يزيد عن 45 ألف موظفاً، على أقل من نصف رواتبهم، على أساس غير منتظم، أما الموظفون الآخرون في غزة والبالغ عددهم 62,000 موظف، الذين يتقاضون رواتبهم من السلطة الفلسطينية، استقطعت من رواتبهم نسبة وصلت إلى 75 - 50٪ منذ آذار/مارس 2017، وقطعت رواتب موظفين آخرين بشكل تام، في إطار تضييق السلطة على حركة حماس، على حد قولها.

وبفعل الخلاف بين الطرفين، قلصت السلطة الفلسطينية، دعمها للمرافق الحيوية في قطاع غزة من بينها المراكز الصحية الرئيسية، وباتت المراكز التي تعمل في القطاع أقل  من 100 مركز لا تستطيع تلبية حاجات القطاع الصحية، خصوصاً أن هذه المراكز تعاني من شح في الأدوية وصل قرابة الـ70% بعد مرور عام كامل على انطلاق مسيرات العودة وكسر الحصار على حدود غزة.

وتأثرت الخدمات الطبية في غزة بشدة جراء أزمة الكهرباء التي تتعرض لها في أية لحظة، وكذلك تخفيض الميزانية المخصصة لوزارة الصحة في السلطة الفلسطينية، فمثلاً لمواجهة نقص الكهرباء، تعمد المستشفيات إلى تأجيل العمليات الجراحية الاختيارية، وتصرف المرضى قبل الأوان، وتحد من إجراءات النظافة وتعقيم المرافق الطبية، كما أن صحة المرضى على المدى الطويل مهددة أيضاً بسبب تأخر شحن الأدوية الأساسية والمستهلكات من الضفة الغربية، وتشويش لمجرى التحويلات الطبية لعلاج المرضى الذين يحالون إلى المستشفيات خارج غزة. الأزمة المالية وعدم وجود فرص التدريب بسبب الحصار الإسرائيلي أدى أيضاً إلى نقص في الأيدي الماهرة والأطباء المتخصصين.

وإلى جانب ذلك، تماطل السلطة الفلسطينية، في تسريع معاملات وتقديم تحويلات طبية، لأصحاب المرضى المزمنين في غزة، الذين يحتاجون عمليات خارجية، منذ عام 2017 الماضي.

قطاع المياه لم يسلم أيضاً، فمعظم العائلات في قطاع غزة لا تحصل على مياه الصنبور سوى مرة واحدة كل أربعة أيام لمدة 6-8 ساعات، حيث تعمل محطات التحلية بقدرة منخفضة تعادل 15٪ فقط من قدراتها، بسبب عدم وجود إمكانيات تمكنها من إتمام عملها كاملاً، وقد انعكس ذلك على تشغيل مرافق ضخ المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي وانخفاض معايير النظافة الصحية، وأدى تعليق دورات معالجة مياه المجاري إلى تدفق المياه العادمة إلى الشوارع، في بعض المرات، الأمر الذي يرجح أنه سيزداد وقد يصل إلى الفيضانات، التي ستحدث تشرد، وإصابة بالأمراض المنقولة عن طريق المياه.

ونتيجة لعجز قطاع المياه والمعالجة، يتم تصريف ما يزيد عن 108 مليون لتر من مياه المجاري غير المعالجة إلى البحر الأبيض المتوسط يوميا، وهو ما  أدى إلى تلوث شواطئ غزة بشكل شبه كامل منذ أكثر من ثلاثة أعوام.

وكذلك، المؤسسات المدنية وخدماتها، حدت السلطة الفلسطينية من قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية  في غزة، مما زاد من معاناة السكان.

ورغم كل المشاريع الدولية التي يجري تحضيرها دولياً وبثها إعلامياً، إلا أنه ومنذ سيطرة حماس، وضع المانحون الرئيسيون شروطاً أو خفضوا تمويلهم للمشاريع الإنسانية والإنمائية في غزة، وذلك لامتناعهم عن التعامل مع حركة حماس، وقد ساهم ذلك في توجيه المساعدة نحو المناطق والمؤسسات التي تخلو من سيطرة حركة حماس كالضفة الغربية، وليس إلى المناطق التي تحتاج المساعدة بشكل أكبر.

وأدت القيود التي تفرضها قوانين مكافحة الإرهاب في بلدانهم الأصلية، إلى جانب سياسة "عدم الاتصال" مع حماس التي فرضتها بعض الجهات المانحة، إلى زيادة تقييد حيز العمل لدى المنظمات غير الحكومية الدولية في قطاع غزة، الأمر الذي يعيق محاولات إنقاذ القطاع.

ومنذ عدة أعوام، تعاني حركة حماس، من أزمة مالية خانقة، دفعتها إلى تعويض تمويلها الخارجي بجيوب المواطنين الفلسطينيين في غزة، فقد فرضت ضرائب مهولة على السلع الأساسية في القطاع والخدمات، لا يستطيع المواطنون تحملها، وذلك لانعدام مصادر دخلهم أصلاً، وهو ما دفع الغزيين مؤخراً إلى إطلاق حراك "بدنا نعيش" الذي قمعته الأجهزة الأمنية في غزة والتابعة لحركة حماس، بقوة.

خلاصة ما يحدث

يلعب الحصار الإسرائيلي دوراً حاسماً وأساسياً في تعميق أزمات القطاع وإبقاءها على حالها، إذ أنه يسد جميع المنافذ البرية والبحرية والجوية لغزة، منذ 13 عاماً، وهو ما يمنع حركة حماس مثلاً بصفتها السلطة المسؤولة عن غزة، من اتخاذ خيارات أخرى قد تساهم في حل الأزمة، كتعزيز الارتباط الاقتصادي مع مصر ودول أخرى.

كما أن الانقسام الحاصل بين حركة فتح وحماس، كان عاملاً مفاقماً لآثار الحصار ومعززاً للأزمات الإنسانية في القطاع، إذ أن دور الحركتين كان يمكن أن يكون مختلفاً، لو اشتركتا في تهوين الحصار على الفلسطينيين في غزة، ووضعتا خططاً تساهم في تسهيل حياة الغزيين، كالإبقاء على الخدمات التي تقدمها السلطة الفلسطينية في غزة وعدم تقليصها ومنعها، وكذلك رفع حركة حماس الضرائب الكبيرة عن المواطنين وتحسين ظروف معيشتهم، إلا أن ذلك لم يحصل، وقد اختارت الحركتان أن تصطفا لاإرادياً عبر أفعالهما، إلى جانب الحصار الإسرائيلي، وتحويل غزة إلى مأساة.

(ي ح)

ANHA


إقرأ أيضاً