لجنة عيّنها الكونجرس توصي الولايات المتحدة بوقف الانسحاب من سوريا

حثّ تقرير صدر من الحزبين الجمهوري والديمقراطي إدارة ترامب على وقف سحب القوات المزمع من سوريا، وتكثيف الجهود الدبلوماسية لمواجهة النفوذ الإيراني، وتجنب عودة مرتزقة داعش.

حذّرت مجموعة دراسة سوريا المكوّنة من 12 عضواً والتي عينها الكونجرس من أن الصراع السوري لم ينته بعد، وأن داعش لا يزال يمثل تهديداً وأنه بدون استجابة أمريكية حازمة مدعومة بقوات على الأرض يمكن لداعش وغيرها من الجماعات الإرهابية أن تزدهر، وأن يُمكّن إيران وروسيا من توسيع سيطرتهما على الأرض السورية.

وقال التقرير "لا يمكن للولايات المتحدة أن تتجنب أو تتجاهل الصراع في سوريا".

وقال التقرير "بينما يجادل البعض بأنه فات الأوان لنهجٍ أمريكي نشط تجاه سوريا، فإننا نستنتج أن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على التأثير على نتائج الحرب السورية بطريقة تحمي المصالح الأمريكية".

لكن الرئيس دونالد ترامب أرسل رسائل مختلطة حول الوجود العسكري الأمريكي المستقبلي في سوريا، وقال التقرير إن تقلبات إدارة ترامب أثارت الشكوك بين الحلفاء حول موثوقية أمريكا.

وقال التقرير "إن التحولات الحادّة والانتكاسات في السياسة الأمريكية، وفشل كبار المسؤولين الحكوميين في الولايات المتحدة في إعطاء الأولوية للقضية مع نظرائهم، قد قوّضت مصداقية الولايات المتحدة وفعالية السياسة الأمريكية".

انتقد التقرير تعامل ترامب مع سوريا، وتأكيده على أن الإدارة بحاجة إلى تكريس المزيد من الموارد والاهتمام لهذه القضية، وأن تعطي أولوية أكبر لسورية.

وقال التقرير إن نتائج مجموعة دراسة سوريا كانت بالإجماع. ضمت المجموعة اللفتنانت جنرال مارك كليفلاند، الرئيس السابق لقيادة العمليات الخاصة بالجيش الأمريكي، وسفيرين سابقين.

وقالت دانا سترول، الرئيسة المشتركة للمجموعة وزميل كبير في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، في مناخ سياسي مستقطب في واشنطن، يقدم التقرير "خريطة طريق لسياسة الحزبين بشأن سوريا".

"إنها تقول إنه لا يمكننا الاستمرار في التظاهر بأن الأحداث في سوريا لا تؤثر على مصالح الأمن القومي الأمريكية، وأن سوريا تهم الولايات المتحدة".

وصادق السيناتور جين شاهين، الذي قاد الجهود الرامية إلى إنشاء مجموعة دراسة سوريا، على توصيات التقرير. وقال شاهين "الولايات المتحدة، حتى مع وجودها المحدود في سوريا، حققت مكاسب كبيرة، ويجب علينا التمسك بذلك واستخدام نفوذنا بحكمة".

يوجد حالياً حوالي 1000 جندي أمريكي في سوريا، بما في ذلك قوات العمليات الخاصة ، التي يتم نشرها في الغالب في شمال شرق سورية إلى جانب وحدة في جنوب شرق سورية في القاعدة الاستراتيجية في التنف.

أعلن ترامب في ديسمبر / كانون الأول أنه سيسحب القوات الأمريكية من سوريا ، وهي خطوة أعمت حلفاء الولايات المتحدة وساعدت في دفع جيمس ماتيس إلى الاستقالة من منصب وزير الدفاع. لكن ترامب ألغى في وقت لاحق خطط الانسحاب الفوري واختار بدلاً من ذلك تقليص وجود القوات.

وأوصى التقرير بوقف سحب القوات الأمريكية في سوريا، واستعادة التمويل الأمريكي للقوات المحلية التي تقودها قوات سورية الديمقراطية، وعزل النظام السوري، ومكافحة البروبوغندا الروسية، ووضع أولوية أكبر بخصوص ملف معتقلي داعش لدى قوات سورية الديمقراطية.

جادل مُعدّو التقرير بأنه لا ينبغي اعتبار القوات الأمريكية في سوريا جزءاً من "حرب أبدية" مثل الوجود الأمريكي منذ 18 عاماً في أفغانستان. وقالت إن القوات الأمريكية الصغيرة في سوريا - مدعومة بالقوة الجوية - عملت بنجاح مع القوات المحلية على الأرض لدحر متطرفي داعش .

ولفت التقرير "إن السحب المُبكر للقوات الأمريكية من سورية سيُضر بجهود مكافحة داعش وسيضر بالاستقرار في سورية".

وقالت إن سحب القوات الأمريكية لن يؤدي إلا إلى تسريع الاتجاهات المُقلقة والسماح لإيران بترسيخ نفسها في سوريا، وفتح الطريق أمام عودة داعش وكذلك الجماعات الإرهابية الأخرى.

وذكر التقرير إن الاحتفاظ بموطئ قدم أمريكي على الأرض في المنطقة الشمالية الشرقية الاستراتيجية، يسمح لواشنطن بمواصلة الضغط على النظام السوري حتى تصبح الظروف مواتية لتسوية سياسية في نهاية المطاف للحرب.

رددت النتائج التي توصلت إليها المجموعة حول داعش استنتاجات تقرير المفتش العام في البنتاغون، والذي وجد أن المتشددين كانوا يتطورون إلى تمرد فتاك يمكن أن يستفيدوا من الانسحاب الأمريكي.

وقال التقرير إن الإدارة كانت بحاجة إلى تعيين مسؤول كبير لمعالجة المشكلة، مقاتلي داعش في المخيمات والمعتقلات في شمال وشرق سورية، والضغط على الحكومات الأوروبية لإعادة المواطنين الذين قاتلوا في صفوف داعش، وتوفير المزيد من التمويل لتحسين الظروف في المخيمات التي تديرها قوات سورية الديمقراطية.

بالنظر إلى سجل النظام السوري المتمثل في انتهاك قوانين الحرب واستهداف المدنيين منذ بدء الصراع في عام 2011 ، قال التقرير أيضاً إن الولايات المتحدة بحاجة إلى دعم الجهود المبذولة لتوثيق جرائم الحرب للحفاظ على سجل تاريخي وضمان أدلة على الملاحقات القضائية المستقبلية.

عبّر التقرير عن شكوكه في أن النظام السوري مُستعد لتقديم تنازلات في أي محادثات سلام ، لم تنطلق أبداً.

حذّر الخبراء من أن ردة فعل النظام الوحشية منذ بداية الأزمة السورية عام 2011 تجاه المظاهرات السلمية من المُرجّح أن يكون لها آثاراً سلبية خطيرة على المصالح الأمريكية. بالنظر إلى موقع سوريا المركزي في الشرق الأوسط ، وعلاقات نظامها الحاكم مع الجماعات الإرهابية وإيران، وعدم توافق حكم الأسد الاستبدادي مع تطلعات الشعب السوري، فإن الكثير منهم قلقون من امتداد الصراع عبر الحدود السورية. هذه المخاوف هي الآن حقيقة واقعة. أفرز الصراع السوري أزمة لاجئين كارثية. أصبحت مناطق سوريا ملاذاً آمناً للقاعدة وزملائها وموطناً لأكبر تجمع للمقاتلين الإرهابيين الأجانب . كما أذكى الصراع صعود داعش، مما دفع إلى تدخل عسكري مستمر بقيادة الولايات المتحدة. بعد مرور ثماني سنوات، لم يتم احتواء النزاع بشكل مفيد، كما لم يتم حماية الولايات المتحدة من آثاره.

وتوقع التقرير بأن يسعى النظام السوري وشركاه إلى عبور نهر الفرات، والذي بدوره يمكن أن ينفث الحياة في داعش ويسمح لإيران بتوحيد طرقها البرية من العراق إلى لبنان. كل هذه السيناريوهات تصبح أكثر احتمالاً دون وجود قوات أمريكية في سوريا، ودون وجود قيادة أمريكية ملتزمة لتجنب هذه السيناريوهات.

وكما أشار التقرير إلى أن النظام السوري لم يفز في الصراع السوري. على الرغم من استعادة مساحات شاسعة من الأراضي، ويمتلك الآن 60 في المائة من مساحة البلاد. ومع ذلك، فإن سيطرته خارج دمشق ضعيفة، ويعزى ذلك جزئياً إلى افتقارها إلى القوات لتأمين المناطق التي يستعيدها، ولكن أيضاً لأنها تتبع سياسات عقابية ضد السكان المحليين. في معظم في المناطق التي يسيطر عليها النظام، يخضع المدنيون للتجنيد وكذلك الاعتقال التعسفي والتعذيب والإعدام على أيدي النظام.

وكذلك أكّد التقرير إلى أن التقدم نحو تسوية سياسية للصراع السوري توقفت ، حيث لم يبد النظام أي استعداد لتقديم تنازلات لخصومه. لم تسفر "عملية جنيف" التي تقودها الأمم المتحدة بناءً على قرار مجلس الأمن رقم 2254 أو "عملية أستانا" المخصصة التي تضم روسيا وإيران وتركيا عن تقدم نحو تسوية سياسية للنزاع. بينما تقود الولايات المتحدة جهداً جديداً لكسر الجمود، وتظل العقبة الأساسية تتمثل في عدم رغبة النظام في دعم إصلاح ذي معنى. من غير المرجح أن تسفر الانتخابات الرئاسية في عام 2021 عن نتيجة انتخابية مشروعة، لأن هناك فرصة ضئيلة لأن يسمح النظام بإجراء انتخابات حرة ونزيهة أو بمشاركة موثوقة من الشتات السوري.

وأشار التقرير إلى أن سورية الآن بعيدة كل البعد عن الاستقرار كما يدّعي البعض، وأن داعش في طور الصعود مرة أخرى، كما حذّر التقرير من تنظيم القاعدة الموجود في إدلب وقال بأنها وداعش يسعيان إلى تنفيذ هجمات ضد واشنطن.

وأوصى التقرير بأنه على الرغم من تقييمها الرهيب للوضع في سوريا، تعتقد المجموعة أن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على ممارسة نفوذها على مسار الصراع، وأن عليها أن تفعل ذلك بالنظر إلى التهديدات التي يُشكلها الصراع على المصالح الأمريكية. وتعتقد المجموعة أن أفضل دولة في سوريا هي تلك التي ينظر فيها إلى الحكومة السورية على أنها شرعية من قبل سكانها ولديها الإرادة والقدرة على إنهاء اعتماد سوريا على القوات الأجنبية ومنع الجماعات الإرهابية من التطور على الأراضي السورية. وهذا بدوره يتطلب ظروفاً يعيش فيها المواطنون السوريون متحررين من الخوف من النظام والوحشية الروسية والإيرانية وداعش، وفي إطار ميثاق سياسي واجتماعي مُحدث قائم على الحكم اللامركزي وتخصيص الموارد بشكل عادل.

وتوصي المجموعة بأن تواصل الولايات المتحدة، بالتعاون مع الحلفاء والشركاء، مهمتها العسكرية من أجل الحفاظ على الضغط على داعش والجماعات الإرهابية الأخرى، مع الحفاظ على الضغط على النظام ومؤيديه، حتى يتم تهيئة الظروف ويفضي إلى تسوية سياسية تُنهي الحرب السورية. على وجه الخصوص، تُوصي المجموعة الولايات المتحدة بما يلي:

وقف الانسحاب العسكري الأمريكي؛ وتعزيز المكاسب في أعقاب الهزيمة الإقليمية لداعش؛ ودعم المجتمعات المحررة من داعش في تشكيل نموذج بديل للحكم وتخصيص الموارد والأمن في سوريا. وتوصي المجموعة بأن تقوم الولايات المتحدة (1) بتحديث مهمتها العسكرية لتفادي تمرد داعش؛ (2) الاستعداد بشكل كافٍ لمختلف الحالات الطارئة وسيناريوهات التصعيد؛ (3) تمويل الاستقرار في شمال شرق سوريا والبحث عن مجالات للتعاون مع تركيا ومعالجة المخاوف الأمنية التركية "المشروعة" مع الضغط على تركيا لتجنب أي توغل في شمال شرق سوريا، وتحسين الظروف في منطقتي عفرين ومناطق "درع الفرات". يجب أن تستمر جهود الولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق بشأن منطقة أمنية أو آلية أمنية على طول الحدود التركية مع شمال شرق سوريا، وحثّ التقرير بأنه  ينبغي على الولايات المتحدة أن تُشجع استئناف محادثات السلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، الأمر الذي يراه التقرير بأنه ستؤدي إلى انفراج بين تركيا وقوات سوريا الديمقراطية.

وللسعي لتفادي وقوع كارثة إنسانية في إدلب أثناء معالجة وجود الجماعات الإرهابية هناك. يتعين على الولايات المتحدة استكشاف السُبُل لزيادة الضغط على الجماعات الإرهابية في إدلب التي قد تكون تخطط لشن هجمات خارجية. في الوقت نفسه، يجب على الولايات المتحدة أن تسعى لردع النظام السوري وشركائه عن مواصلة استهداف المدنيين في ادلب. استعداداً لتجدد الأزمة الإنسانية واللاجئين في إدلب، يجب على الولايات المتحدة الضغط على تركيا لتسهيل عمل المنظمات غير الحكومية التي تخدم السكان.

(م ش)


إقرأ أيضاً