قصة صومي السرياني وعمر الكردي ومريم الأرمنية صفحة من شقاء الشعوب على يد العثمانية

لا تزال تفاصيل وقصص المجزرة والمذابح التي ارتكبها العثمانيون بحق الأرمن والسريان خالدة في ذاكرة الأحفاد الذين سمعوها عن أجدادهم، ومن بين تلك القصص المروعة والمثيرة قصة والد الأم فريدة صومي السريانية، ووالدة زوجها مريم باسوس الأرمنية، وعمر عثمان الكردي الذي انقذ مريم فقُتل جزاء لذلك على يد العثمانيين.

الأم فريدة صومي "السريانية" البالغة 81 عاماً، هي ابنة أحد الناجين من المذبحة السريانية التي ارتُكبت من قبل الدولة العثمانية، تعيش حالياً في قرية معشوق بناحية تربه سبية التابعة لمقاطعة قامشلو، وتروي لنا تفاصيل سمعتها عن والدها الذي نجا بأعجوبة من تلك المجازر العثمانية.

صومي موسى هو والد فريدة كان يقطن في نواحي ماردين بشمال كردستان، حين بدأت المذابح السريانية كان صومي شاباً ومتزوجاً حديثاً، ولدى هجمات الجيش العثماني على قراهم أقدم على قتل العوائل السريانية وخطف بعض النساء ومن بين المختطفات زوجة صومي، وتمكن الأخير مع أحد أشقائه من الفرار وتوجهوا صوب شمال سوريا ووصلوا ناحية تربه سبية وسكنوا قرية "آلارش" التي كان يقطنها الأرمن والإيزيديون والسريان.  فيما قتل المئات من عائلة صومي في تلك المذبحة.

وبعد عدة أعوام من السكن في تربه سبية تزوج من فتاة سريانية من قرية آلارش تدعى "خاتة شمعون" وانتقلت عائلة صومي لتستقر في قرية علي بدران وهناك أنجبوا فريدة، والتي سمعت قصة المذبحة من والدها.

وفي السياق نفسه تحدثت ابنة فريدة "حزنية عثمان" التي روت لنا بدورها قصة جدتها مريم وهي "أرمنية الأصل" والدة أبيها عثمان التي نجت أيضاً من المجزرة بعد مقتل 50 فرداً من عائلتها.

ومجزرة الأرمن هي من أبشع جرائم الإبادة التي ارتكبتها الدولة العثمانية بحق الأرمن عام 1915، وقد راح ضحيتها مليون ونصف مليون أرمني وتم تهجير الآخرين عن ديارهم، وما تزال الحكومة التركية لا تعترف بالإبادة الجماعية.

ولعدم توفر شهود على المجزرة، فالأحفاد يسردون الواقع الذي عاشه أجدادهم والأحداث التي مروا بها، وعليه روت لنا حزنية قصة جدتها "مريم" التي كانت تقطن مع عائلتها في "كار بوران" بولاية ماردين بشمال كردستان قبل المجزرة التي ارتكبت بحقهم.

تسرد حزنية قصة عائلة جدتها والمأساة التي عاشها الشعب الأرمني في حقبة الدولة العثمانية، وتقول "كانت جدتي تروي لنا ما تعرضوا له من انتهاكات ومجازر وحشية على يد الجنود العثمانيين، حيث كانت جدتي مريم شابة غير متزوجة أثناء بدء العثمانيين ارتكاب الإبادة الأرمنية، وحينها فرت مريم مع عائلتها واختبأوا في ملجأ تحت إحدى الكنائس المسيحية التي لا تتذكر اسمها، ومكثوا فيه شهرين خوفاً من ملاحقة الجنود العثمانيين، وظناً منهم أن العثمانيين سيحترمون دور العبادة ولن يدخلوها".

ونوهت حزنية أن جدتها قالت أنهم كانوا يملكون كمية كبيرة من الذهب، وبعد أن كان الأمل ضئيلاً في النجاة أقدموا على تحطيم كل الذهب ونثره بين التراب حتى لا يحصل الجنود العثمانيون عليها.

وأردفت :"بعد شهرين من المعاناة والبقاء بلا طعام مع شح المياه في الكنيسة، كشف الجنود العثمانيون مكانهم وهاجموا الكنيسة، وخلالها ارتكبوا مجزرة بحق عائلة مريم راح ضحيتها قرابة 50 شخصاً من الرجال والنساء والأطفال، فيما ألقت بعض النساء من بينهن شقيقة مريم أنفسهن من أعلى مبنى الكنيسة حتى لا يتعرضن للاغتصاب والتعذيب، وكانت مريم تقول إن مشهد قتل الجنود لطفلة شقيقتها الرضيعة في المهد لا يفارق خيالها".

وأكملت حزنية سرد القصة قائلة:" بعد أن قتل العثمانيون غالبية أفراد العائلة أخذوا معهم مريم وشقيقها مراد باسوس الذي كان فتى في ريعان شبابه، وباعوهما بعد التعذيب في أسواق النخاسة كسبايا وعبيد للعوائل المسلمة، وكانوا يشترطون على من يشترون الفتيات والشبان الأرمن قتلهم بعد استعبادهم، ولحسن حظ مريم أن الشخص الذي أخذها ويدعى عمر عثمان وكان رجلاً كردياً من مردين لم يمسها بأذى".

ونوهت حزنية أن عمر طلب من مريم الزواج وأكد لها عدم إجبارها على ترك دينها واعتناق الإسلام إن وافقت، ولكن مريم كانت تقول لن أتزوج قبل أن أعرف أين أخذوا أخي مراد، وعليه وعدها عمر بالبحث عن شقيقها وإنقاذه، وبالفعل بدأ بالبحث عن مراد بعد أن أخذ مواصفاته من مريم، وجاب عمر بحصانه كافة قرى مردين بحثاً عنه حتى وجده لدى إحدى العوائل التركية يستخدمونه كعبيد، ولكنه لم يستطع حينها التأكد من أنه مراد لتغير ملامحه بسبب التعذيب، فعاد واصطحب معه مريم إلى تلك القرية وجعلها ترى مراد خلسة لتتأكد من أنه شقيقها، وحينها تعرفت مريم عليه وأكدت أنه مراد.

وبعدها خطط عمر لكيفية إنقاذ مراد، وبات يراقب تلك القرية حتى شاهد مراد يعمل في أرض على أطراف القرية وأسرع في الذهاب إليه وأخبره بأنه جاء من طرف شقيقته مريم ليأخذه معه، واتفقا على الالتقاء ليلاً على أطراف القرية وتمكن عمر فعلاً من إنقاذ مراد وأخذه معه إلى قريته ليجتمع هناك بشقيقته مريم بعد طول انتظار.

ثم تزوج عمر بمريم رغم المخاطر التي قد يواجهها جراء ذلك، إذ أن العثمانيين كانوا يقتلون كل من يحمي أو يتعاطف مع الأرمن.

تكمل حزنية سرد قصة جدتها مريم ونوهت أنه وبعد الزواج أنجبا ولدين أحدهما يدعى عثمان  و"هو والد حزينة" والآخر يدعى خليل، ولكن العثمانيين واصلوا البحث عن مراد وعمن ساعده على الهروب، وبعد عدة أعوام يبدوا أنهم عرفوا أن عمر هو من ساعد مراد أو أنه متزوج من مريم الأرمنية.

تقول حزنية على لسان جدتها مريم:" كانت تخشى دائماً على حياة زوجها عمر، في حال عرف العثمانيون بما فعله معها ومع شقيقها، وفي إحدى الليالي استفاقت مريم من النوم على أصوات حركة حول منزلها، فأخبرت زوجها بأنها تسمع أصواتاً وتخشى أن يكون العثمانيون أرسلوا أحداً لقتله، ولكنه لم يعر الأمر أهمية وطلب منها النوم وإخراج هذه الأفكار والخوف من رأسها، ولدى أذان الفجر استفاق عمر وذهب ليصلي في باحة المنزل، وحينها سمعت مريم صوت طلقة نارية وهرعت إلى الخارج فوجدت زوجها مقتولاً على سجادة الصلاة".

وبعد هذه الحادثة لم تعد مريم وشقيقها مراد وأشقاء عمر يأمنون على حياتهم في القرية، وقرروا الفرار من المنطقة قبل أن يعاود العثمانيون ارتكاب مجزرة أخرى بحقهم، فتوجهت مريم مع طفليها وشقيقها مراد، وأحد أشقاء زوجها ويدعى موسى عثمان كلش، صوب شمال سوريا ووصلوا ناحية تربه سبية وقطنوا في البداية قرية "آلارش" التي تقطنها عدة مكونات من أرمن وإيزيديين وسريان، وقدم لهم أهالي القرية المساعدات وأمنوا لهم المأوى وكل ما يحتاجونه.

وبعد فترة انتقلت العائلة إلى قرية "علي بدران" بناحية تربه سبية، وهناك ربت مريم طفليها حتى كبرا وتزوج ابنها عثمان من فريدة صومي التي كانت تقطن مع عائلتها هذه القرية، وأنجبا عدداً من الأولاد من بينهم حزنية التي لاتزال مع والدتها، أما باقي أشقائها فمنهم من توفي وبعضهم هاجر إلى الخارج.

وذكرت حزنية أن مراد شقيق جدتها مريم عاد بعد عدة أعوام إلى مردين وتزوج هناك من امرأة أرمنية وعادا بعدها إلى سوريا وسكنا مدينة قامشلو وأنجبا 5 أطفال وبقي في قامشلو حتى وفاته.

(ل)

ANHA


إقرأ أيضاً