في الذكرى الـ 5 لمجزرة شنكال: مشروع الإبادة لم ينته والمقاومة تستمر

من خضم الإبادة التي عانته المجتمع الايزيدي، بعد أن ارتكبت داعش أفظع جريمة إنسانية بحقهم في شهر آب من سنة 2014، لا تزال شنكال وفي الذكرى الـ5 للمجزرة تقاوم رغم محاولات تكرار المجزرة على الشعب الصامد في الجبل من قبل القوى المحلية والإقليمية الطامعة في استبداد الشعب ومحو ثقافتها وعقيدتها.

تعتبر مجزرة شنكال من أكبر المجازر بشاعة وفظاعة في تاريخ الإنسانية الحديث، لهول ما حدث فيها من خيانة المجتمع الدولي قبل القوى المحلية التي باعت هذا الشعب كأضحية لسيوف الإرهاب العالمي المتمثلة بداعش، حيث القتل والخطف والتشريد والتهجير القسري بالألاف.

شنكال المنطقة والوضع الاجتماعي والتنظيمي

يعتبر قضاء شنكال ثاني أكبر قضاء في محافظة الموصل بعد قضاء تلعفر وتسمى بالعراق المصغرة لما تحويه من تنوع ديني وعرقي حيث يمثل المجتمع الايزيدي فيه الأغلبية بنسبة 80% أو أكثر بقليل الى جانبهم الكرد والعرب والتركمان المسلمين سنة وشيعة وكذلك السريان والأرمن المسيحيين.

وهي أيضاً تقع في حلقة المناطق المتنازعة عليها حسب المادة 140 في الدستور العراقي وذلك بين الحكومة المركزية وحكومة اقليم باشور (جنوب كردستان)، وكانت تحت سيطرة قوات البيشمركة واساييشها من الامن الداخلي الى جانب تواجد مراكز للشرطة الاتحادية في مراكز بلدات شنكال والمدينة نفسها.

المجزرة: المخططون والمشاركون والداعمون

كانت الاحداث متسارعة بشدة سنة 2014 حيث تزايدت مجموعات المرتزقة التي تحارب بالوكالة عن القوى الإقليمية والدولية في المنطقة في خضم ثورات الشعب المعلنة من أجل الحرية واسقاط الديكتاتوريات.

 وكانت الحصة الكبرى لتلك المجموعات من نصيب الدولة التركية وحلفائها من تنظيمات سياسية وعسكرية في الدول العربية والافريقية.

ففي سوريا والعراق أعلنت داعش عن خلافتها المزعومة بدعم تركي قطري بحت ومعلن، حيث السلاح والمواد اللوجستية الكاملة والامداد بالمتطرفين من كافة دول العالم عبر الحدود المفتوحة للإرهاب والسلاح.

بتاريخ 9-6-2014 احتل داعش مدينة موصل لتعبئة قواعده بالسلاح والذخائر المتروكة لهم فيها هناك، ونشروا فيها الدمار والقتل والتشريد بمشاركة عدة جماعات محلية اعتبرت حاضنة لهم في الموصل نفسها، الى جانب بقاء الدبلوماسيين الأتراك في قنصليتهم كجزء من الخطة في تمرير مشروع تركي لإزالة " عراقيل " في المنطقة أمام مخططاتهم المرجوة.

ليتم اللعبة بإدخال 350 داعشي عبر حافلات من الأراضي التركية الى تل أبيض وتبديلهم بـ 50 موظف تركي كانوا قد بقوا في مدينة الموصل وفق المخطط له، حسب ما ذكره ضابط في جهاز المخابرات العراقي- فرع الموصل أثناء جلسة الاستماع للجنة المختصة بسقوط الموصل حيث أكد سيطرة القنصل التركي أوزتورك يلماز على قرارات الموصل وان له يد في تسليمها لداعش،

وكذلك ما أكده عناصر من داعش المسجونين لدى قوات سوريا الديمقراطية لوكالتنا، كانوا من ضمن العناصر في الصفقة السرية بين الاستخبارات التركية وداعش.

وكان داعش قد سبق في هجمته على شنكال بالسيطرة على عدة مناطق في محيط شنكال كالبليج والقائم ومعظم الحدود السورية العراقية غربي وجنوبي شنكال، بعد هروب الجيش العراقي من معظم مناطق محافظة الموصل ومركزها.

بحسب الوثائق والشهادات التي خرجت علناً وسراً فإن لعدة فئات وشخصيات داخل الحكومة العراقية وجيشها وكذلك للحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم في باشور وللحكومة التركية والقوى المرتبطة بها داخل العراق يداً في المؤامرة المحاكة ضد شنكال وشعبها.

هجوم داعش وهروب مسلحي حزب الديمقراطي الكردستاني والشرطة الاتحادية العراقية وحصيلة المجزرة  

بالرغم من أن هجمات داعش كانت على تخوم شنكال والقرى الايزيدية المحيطة وبالرغم من محاولات الشعب في دفع القوات الموجودة بالتصدي ورفع الجاهزية وتقديم الأسلحة الثقيلة، إلا أن قيادات مسلحي حزب الديمقراطي الكردستاني لم تعط أي أمر للصد أو الهجوم بل بقيت مكتوفة الايدي ولم تحرك ساكناً.

بتاريخ 3-8-2014 بدأ داعش بالهجوم على أطراف قضاء شنكال المتمثلة بقرى كرزرك وسيبا شيخ ورمبوسي وتل بنات وكوجو، حيث لاقت مقاومة من قبل أهالي تلك القرى ولاسيما في كرزرك وسيبا شيخ، حيث استشهد العشرات من المواطنين خلال تلك الهجمات لحين تمكين العوائل من النزوح.

وبالرغم من توجه مجموعة من شخصيات ووجهاء من شنكال ونواحيها الى مركز لتجمع قيادات مسلحي حزب الديمقراطي الكردستاني في منطقة شرفدين خلال تلك الليلة للمؤازرة من أجل التصدي، إلا أن قياداتهم لم يقدموا أي جواب وحاولوا طمأنة الوفد للوضع.

مع تقدم داعش نحو المدينة وفي ساعات الفجر الأولى بدأ مسلحو حزب الديمقراطي الكردستاني بالانسحاب حيث قدر تعدادهم بـ 18 ألف عنصر والمجتمعة معظمها في المدينة نفسها وفي نواحي "منطقة الشمال" شمالي جبل شنكال، وتوجهوا نحو محافظة دهوك ومن لم يتمكن من الهرب أوصل لجأ الى روج افا ليحتمي بوحدات حماية الشعب.

بقاء الشعب أمام أنياب داعش في مواجهة الموت

أما الشعب في شنكال ومعهم مئات النازحين من الموصل وتلعفر ونواحيها فقد أصابهم الذهول وينهال الأهالي على الطريق الوحيد المؤدي الى الجبل أو تسلق الجبل من أقرب نقطة لهم سيراً على الأقدام وسط الحرارة المميتة.

واحتل داعش خلال ساعات الصباح الأولى مدينة شنكال ليقوم بالقتل العشوائي في الشوارع وداخل المنازل وخطف النساء والأطفال قدر المستطاع، مرافقاً بحالات حرق وتفجير للمزارات المقدسة الخاصة بالايزيديين والشيعة في المدينة ومحيطها.

في الجانب الأخر، بدأت وحدات حماية الشعب بفتح أكبر ممر انساني في التاريخ الحديث لإنقاذ الشعب من إبادة كاملة على يد مجموعة مرتزقة عالمية تمتلك كامل التقنية والسلاح وآلاف العناصر.

وتمكن مئات الآلاف من النجاة والوصول الى مخيمات وقرى افرغته الإدارة الذاتية لاستقبالهم ومساندتهم. حيث استشهد في هذا الممر أكثر من 150 مقاتلاً من الوحدات. وبقي قسم أخر من الأهالي صامداً في الجبل تحت حماية مقاتلين من الكريلا ومتطوعين محليين معهم.

حصيلة المجزرة:

بحسب تقرير الهيئة المستقلة لحقوق الانسان في باشور، فان عدد المخطوفين وصل الى 6413 أغلبهم من النساء، وبحسب المدير العام لشؤون الايزيديين في وزارة الأوقاف خيري بوزان فأنه نزح 360 ألف مدني وفقد 1293 أخرين حياتهم في اليوم الأول من الهجوم.

كما يوجد 2745 طفل وطفلة يتيمة، وعدد المقابر الجماعية المكتشفة حتى الأن هي 69 مقبرة جماعية بالإضافة الى عشرات المقابر الفردية المتناثرة في المنطقة، وفجر 68 مزار.

محاولات مستمرة من قبل القوى المحتلة منذ المجزرة الى اليوم دون البلوغ الى الهدف

لم تتوقف الهجمات على شنكال والمجتمع الايزيدي منذ تاريخ 3-8-2014 الى اليوم، بهدف كسر إرادة الشعب والسيطرة على تلك المنطقة لمصالح تجارية وسياسية وعسكرية.

 ففي الـ3 من شهر أذار 2017 هاجمت مجموعات تركمانية مدعومة من تركية برفقة عناصر من استخبارات الأخيرة وقوات مسلحي حزب الديمقراطي الكردستاني وبعض من مرتزقة ما تسمى ببيشمركه روج، ناحية خانه صور شمالي جبل شنكال.

وكان الهدف من الهجوم، كسر إرادة الشعب المتمثلة بالمجلس التأسيسي لشنكال و وحدات مقاومة شنكال الوحيدة التي قاومت داعش وحررت المنطقة، ليستشهد على اثرها 7 مقاتلين والصحفية نوجيان آرهان ومدنية.

وفي 15 آب 2018 استهدفت الطائرات التركية سيارة القيادي في منظومة المجتمع الكردستاني مام زكي شنكالي بعد عملية استخباراتية بدعم جهات عراقية وكردية ليستشهد على اثرها، وكانت ثاني محاولة لتهديد الايزيديين في شنكال بالإبادة أو الاستسلام لاستبدادهم.

تتالت المؤامرات على الشعب في شنكال وأغلقت الحدود والمعابر الرابطة بينهم وبين أهلهم في روج افا كحرب خاصة جديدة مترافقة بهجمات جوية للطائرات التركية، وكذلك اعتقال كل ايزيدي مساند للإدارة المتشكلة في قضاء شنكال، من قبل اساييش واستخبارات حزب الديمقراطي في دهوك وزاخو وهولير.

المقاومة مستمرة والتهديد قائم من كافة الجهات ضد المجتمع الايزيدي وشنكال

رغم كافة المحاولات في الهجوم والحصار والاعتقال والاغتيالات التي طالت الايزيديين بعد مجزرة الـ 3 من آب 2014، لم يتوان الايزيديون في إعادة الحياة الى مناطقهم وبناء ادارتهم بإرادتهم وتشكيل كافة المؤسسات الاجتماعية والأمنية بعد فقدان الثقة بالحكومتين، كل ذلك وفق القوانين الدستورية في العراق الفيدرالية.

لكن لا تزال الحكومة العراقية متذبذبة في دعمها لشنكال وتعويض ما اقترفته بحق هذا الشعب من تهميش وتركه في أيام الشدة، أما حكومة باشور بحزبها الحاكم المتمثل بحزب الديمقراطي الكردستاني فما تزال طامعة في السيطرة بتحريض تركي لمنع ترسخ أي إرادة بارزة في تلك المنطقة تؤثر على مصالحهم الشخصية على الرغم من انسحابه المتتالي منها.

وكذلك الدولة التركية لا تزال تجعل شنكال بمجالسها وقواتها ومؤسساتها هدفاً لطائراتها الحربية مع صمت حكومي ودولي كامل في هذا الصدد.

ANHA


إقرأ أيضاً