في 58 يوماً تركيا تبيد التاريخ والثقافة وتنوع الأعراق في عفرين -2

على مدى التاريخ اتصف الشعب الكردي بطابع المقاومة ودائماً ما فضلوا الشهادة على أن يرضخوا للمحتلين...في عفرين التاريخ أعاد نفسه خلال 58 يوماً من مقاومة شعوب المنطقة وتلاحمهم للوقوف ضد المحتل وعليه  سُمي ذلك النضال بـ "مقاومة العصر".

جعفر جعفو – غاندي علو/عفرين

مقاطعة عفرين تقع في الزاوية الأقصى لشمال الغربي سوريا، يحدها من ناحية الغرب لواء اسكندرون والنهر الأسود، من الشمال خط سكة القطار في ميدان أكبس، من الشرق سهل إعزاز ومن ناحية الجنوب جبل سمعان، وهي منطقة جبلية بمعدل الارتفاع 700- 1269م وأعلى قمة فيها gire mezin، ويبلغ طول مقاطعة عفرين 75كم والعرض 55كم وتساوي مساحتها 3850كم2.

بعد ثورة روج آفا وتحرير مقاطعة عفرين من يد النظام البعثي، قام جيش التركي بإنشاء الجدار العازل على طول الحدود الممتدة بين مقاطعة عفرين وباكور كردستان خلال السنوات الماضية.

فمنذ سنة 2013 لم تتوقف الاعتداءات التركية على القرى الحدودية في عفرين وكذلك حصارها، حيث قصف تلك القرى بالمدافع والرصاص العشوائي وكانت النتيجة استشهاد عدد من أهالي تلك القرى وإصابات البعض الآخر.

كما أن الجيش التركي لم يتوقف عند هذا الحد بل وقام باحتلال بعض المسافات وتجاوز الحدود نحو أراضي مقاطعة عفرين.

قبل بدء الاحتلال بالهجوم على مقاطعة عفرين قام بتحشيد آلياته  العسكرية المتطورة على الحدود.

أصدر أردوغان تصريحات هدد بالهجوم على عفرين بحجة تأمين حدودها من الخطر تزامن مع ذلك حشد حوالي 25000 من مرتزقته  من عدة فصائل ووحدات من جيشه واستخباراته على طول حدود عفرين وباكور كردستان، وفي المقابل كان أهالي عفرين يظهرون مقاومتهم واستنكارهم لتلك التهديدات وقيام بمظاهرات في 18 كانون الثاني من العام الماضي شارك فيها أكثر من 80 ألف من أطفال، نساء، مسنين ورجال عفرين.

خلال هذا الملف سنستعرض بما مرت به  مقاطعة عفرين خلال 58 يوماً من هجمات الاحتلال وارتكابه للمجازر واستهداف التعليم، الثقافة، التاريخ والبنى التحتية وما قابلها من مقاومة قوات سوريا الديمقراطية والأهالي.

ارتكاب مجازر من قبل طيران التركي

بدأ الهجوم التركي على عفرين بعد تصريح أردوغان بإطلاق حملة تحت ما يسمى عملية "غصن الزيتون" وذلك في حوالي الساعة 16:22 من 20 كانون الثاني من العام الماضي وذلك بمشاركة 72 طائرة قصفت جغرافية عفرين الصغيرة.

مع بدء هجمات جيش الاحتلال التركي على مقاطعة عفرين فقد ارتكبت طائراته  عدة مجازر بحق المدنيين العزل.

ففي اليوم الأول من الهجوم التركي ارتكبت طائراته  الحربية مجزرة بحق أهالي قرية جلبره في ناحية شيراوا راح ضحيتها 9 شهداء و12 جريح. وارتكبت مجزرة في مركز ناحية موباتو راح  ضحيتها 7 شهداء جميعهم من عائلة واحدة بتاريخ 26-1-2018.

وشهدت قرية كوبله في ناحية شيراوا غارات مكثفة استشهد على إثرها 18 مدني و7 جرحى وجرح 4 آخرين من عائلة واحدة وكما تسببت بأضرار جسيمة في ممتلكات الأهالي. ومجزرة أخرى ارتكبت في قرية شكاتا في ناحية شيه استشهد على إثرها 5 شهداء مدنيين.

واستشهد 5 مدنيين من أبناء قرية يلانقوز الملاصقة لمركز ناحية جندريسه نتيجة غارات نفذتها طائرات جيش الاحتلال التركي في ساعات الفجر من تاريخ 26-2-2018. تلتها مجزرة أخرى ارتكبها طيران الاحتلال التركي بحق 13 مدني في مركز مدينة جندريسه.

واستهدف جيش الاحتلال التركي مركز مدينة عفرين استشهد خلالها 7 مدنيين بينهم 4 أطفال و17 جريحاً. ولاشتداد القصف على مركز المدينة استشهد 20 مدني في حي محمودية.

كما واستهدف طيران جيش الاحتلال التركي مشفى آفرين بتاريخ 16-3-2018 واستشهد أكثر من 16 مدنيين بينهم أطفال فيه كانوا يتلقون العلاج.

ووصل عدد شهداء المدنيين 257 وجرح 742، فقد استشهد 45 طفل وأصيب 113، واستشهدت 36 نساءٌ وجرحت 113، أما الرجال فقد استشهد  176 وجرح 516.

وتشير الطبيبة دلكش كركوكي عن المجازر التي ترتكب "إنها كارثة، كارثة حقيقية ما حصل في عفرين، الجيش التركي يستهدف المدنيين وجاء إلينا العشرات من شهداء وجرحى المدنيين ولم يكن يوجد أي عسكري فكيف تفسر هذه؟!!".وتتحدث المواطنة خديجة محمد التي فقدت شقيقها تحت القصف "كنا سبعة أشخاص وتوجهنا إلى إحدى الأقبية، ومن ثم بقينا لمدة يوم أو يومين في منزل شقيقي حتى سقطت قذيفة على المنزل واستشهد شقيقي نتيجتها وخرجنا من المنزل".

تدمير المرافق العامة

لم يبقى مكان في عفرين إلا وتعرض للقصف، فقد استهدف جيش الاحتلال التركي ومرتزقته المرافق العامة في عفرين بهدف تضييق الخناق على الأهالي الأمر الذي قابله الأهالي بالمقاومة وعزيمة أكبر.

نتيجة الانكسارات والهزائم التي تلقاها العدو في الجبهات فكان مثل كل مرة يقوم بقصف المرافق العامة ظناً منه أنه سيتمكن من كسر عزيمة الأهالي.

فقد تعرض  مركزي هلال الأحمر الكردي في مركز منطقتي جندريسه وراجو للقصف وخروجهما عن الخدمة.

استهداف جامع صلاح الدين الأيوبي في مركز منطقة جندريسه الذي بُني عام 1961م وهو أحد أقدم الجوامع في مقاطعة عفرين وكان يضم أقساماً عدة للعبادة وقراءة القرآن، واستهداف جامع بلدة جلمة التابعة لمنطقة جندريسه والذي بُني  عام 1958م.

حتى تاريخ 1 شباط نَفَق أكثر من 30 ألف رأس من المواشي في عفرين وما يقارب ثمانية آلاف هكتار من مساحة الأراضي الزراعية تعرضت للضرر نتيجة القصف وتدمرت أيضاً 5 مداجن في مقاطعة عفرين.

قصف مزار شهيد سيدو في بلدة كفر صفرة التابعة لمنطقة جندريسه بقذائف المدفعية.

استهدف المرتزقة مصادر المياه مثل سد ميدانكي الذي كان  يزود أهالي عفرين بمياه الشرب، ومضخة المياه الصالحة للشرب في قرية متينا التابعة لناحية شرا، وينبوع بلدة جلمة، ومضخة المياه في بلدة كفر صفرة في منطقة جندريسه.

كما واستهدفوا القطاع التعليمي حيث دُمرت 68 مدرسة من أصل 318 مدرسة واستشهد وأصيب العشرات من الطلبة.

تدمير الآثار ونهبها في إطار إبادة وطمس هوية عفرين التاريخية..

واستهدف جيش الاحتلال التركي ومرتزقته موقع تل عين دارا الأثري بتاريخ 28-1-2018 على بعد 1كم غربي قرية عين دارا في ناحية شيراوا ويقع على الطريق الواصل من حلب إلى إعزاز وعفرين، ويتكون الموقع من آثار ومعبد يضم تماثيل مختلفة تمثل حيوانات مجنحة وتماثيل لأبو الهول ونقوشاً وآثاراً كثيرة وبحسب المؤرخين بأنه عُثر في الموقع على لوحة بازلتية تمثل الآلهة عشتار، ويعود تاريخ هذا الموقع إلى حوالي 10 آلاف عام، وتبين من خلال هذا القصف أن الاحتلال استهدف تاريخ وحضارة المنطقة بهدف طمسها وإنكارها.

الإبادة الثقافية التي انتهجها جيش الاحتلال التركي ومرتزقته أثناء الهجمات توجهت هذه المرة نحو مدرج نبي هوري التاريخي وتم تدميره  بشكل كامل ولم تترك حجراً فوق حجر في سعي منهم طمس تاريخ المنطقة.

كما استهدف العدو الكنائس والمزارات والمساجد دون استثناء محدثين دماراً ممنهجاً في عفرين. ليصل عدد المواقع الأثرية التي دمرتها تركيا إلى 3 مواقع مدرجة على لائحة منظمة يونسكو إلى جانب مزارات للمجتمع الإيزيدي وآخر للطائفة العلوية إلى جانب كنائس قديمة للمسيحيين ومزارات ومساجد قديمة للمسلمين في عفرين وريفها.

مقاومة شعبية ضد الاحتلال لا مثيل لها في المنطقة

لم يرهب أهالي عفرين من أسلحة العدو الثقيلة والمتطورة بل أبدوا مقاومة كبيرة في وجهه محولين الحرب إلى حرب شعبية ثورية ضد الاحتلال، فالكثير من الأهالي لم يخرجوا من قراهم حتى بعد احتلال المرتزقة للقرية، منهم من وضع حياته في الخطر لأجل إيصال العتاد والطعام والشراب لمقاتلي وحدات حماية الشعب والمرأة، فقد كانت مقاومة الأهالي مع القوات العسكرية.

ومع إعلان النفير العام واشتداد الهجمات ومن أجل إبداء موقف ضد الهجمات التركية توافد مئات الآلاف من أهالي الشمال السوري إلى مقاطعة عفرين وذلك لمساندة القوات العسكرية والأهالي في حماية المقاطعة، وقد توجهوا نحو مركز منطقة جندريسه بالرغم من تعرضها للقصف وتظاهروا فيها ليعلنوا استنكارهم للهجمات الاحتلالية والصمت الدولي حيال تلك الهجمات.

كما توافد إلى مقاطعة عفرين المئات من أهالي حي شيخ مقصود في مدينة حلب، وقدوم وفد من باشور كردستان وشمال سوريا، وتوافد المنظمات السياسية والاجتماعية والدينية في باشور كردستان.

رموز من مقاومة العصر في الحرب الشعبية ضد الاحتلال

ترسانة العدو التي أحضرها لأجل احتلال عفرين جُوبِهت بمقاومة تاريخية وكبيرة من قبل مقاتلي وحدات حماية الشعب والمرأة الذين وقفوا أمام الطائرات والدبابات بأسلحتهم الخفيفة.

في الكثير من التلال التي درات فيها الاشتباكات التجأ فيها العدو إلى استخدام العشرات من الطائرات لأجل تدمير طبيعة تلك التلال ليتمكن من احتلال نقاط مثل تلة قسطل جندو، شيخ خورزه، حمام وكفري كر.

فقد توجهت المقاتلة في وحدات مكافحة الإرهاب آفيستا خابور نحو دبابات العدو وقامت بتفجير نفسها بينهم وتمكنت من إعطاب دبابة وقتل من فيها وذلك في قرية حمام التابعة لمنطقة جندريسه.

لم تخرج المقاتلة بارين كوباني من نقطتها في قرية قورنه التابعة لناحية بلبله وقاتلت العدو حتى الرصاصة الأخيرة لتستشهد وتعطي دفعة معنوية كبيرة في ميدان المقاومة.

كما تمكن المقاتل آيلان كوباني من إخراج 22 من رفاقه من الحصار الذي قاموا به  المرتزقة في مركز منطقة جندريسه عندما قام المقاتل آيلان بتفجير نفسه ضمن العدو وقتل عدد منهم.

القيادي في وحدات حماية الشعب كاركر إيريش أبى أن يخرج من عفرين وقاوم بسلاحه تكنولوجية العدو المتطورة، واستشهد في 18 آذار بعد استهدافه من قبل الطيران

بروسك حسكة يسرد بعض ملامح المقاومة في مراحلها الأولى

والتقت وكالتنا مع الناطق الرسمي لوحدات حماية الشعب بروسك حسكة الذي سرد لنا بعضاً من نقاط المرحلة الأولى في مقاومة العصر ضد الاحتلال التركي ومرتزقته  داخل إقليم عفرين وأوضح أنه "لم يرق لتركيا النظام الديمقراطي في العيش المشترك بين الشعوب السائدة في عفرين حيث كان المجتمع يقود نفسه بنفسه من حيث التنظيم والحماية، كما كانت عفرين موقعاً استراتيجياً من حيث تحكمها بالمناطق المحاطة بها ما جعلها موقعاً متميزة عن باقيها، ووجود وحدات حماية الشعب والمرأة في عفرين وكسرها لجميع هجمات المرتزقة أزعج النظام التركي خلال السنوات الأربعة الفائتة، كما أن تحرير جيش الثوار وجبهة الأكراد لبعض الأجزاء في مقاطعة الشهباء جعلت تركيا تفقد ثقتها بمرتزقتها، فسعت لاحتلال عفرين جاهداً من خلال اتفاقات دبلوماسية وعسكرية مع النظام السوري، إيران وروسيا ولكن الهجمات الحاصلة على عفرين دائماً ما قوبلت بالكسر حتى اتفقت تركيا وروسيا على تسليم مقاطعة عفرين بمناطق أخرى في سوريا، فقد أرادت تركيا ربط الخط الواصل بين إعزاز، مارع وقباسين من جهة وإدلب، حماة واللاذقية من جهة أخرى".

وأشار بروسك إلى فشل العدو في تحقيق أهدافه خلال الشهر الأول من المعارك "استعداداتنا للهجمات الاحتلالية تبين خلال الشهر الأول من مقاومة العصر، حاول جيش التركي ومرتزقته بكافة الطرق واستخدام تقنياته العسكرية المتطورة في كسر خطوط الدفاع الأولى لقواتنا لعسكرية إلا أنه  لم يتمكن من ذلك وبقيت وحدات حماية الشعب والمرأة تتخذ مواقعها في الخطوط الأولى حتى الشهادة، وقد حللت الدولة التركية سبب فشلها في التقدم خلال الشهر الأول وعليه  غيرت تكتيكاتها العسكرية فقد كان التكتيك في البداية هو زج المرتزقة في الأمام وحمايتهم بتكنولوجيتها، وكان هدف تركيا من خلال هذا التكتيك بث فتنة بين الشعب الكردي والشعب العربي في سوريا وهذا ما يظهر الآن في منبج أيضاً بهدف تفكيك مكونات المجتمع عن طريق مرتزقتها، ونحن نعرف أن الجنود الترك لم يهاجموا برياً بل كانوا جلهم من المرتزقة أي كانوا من مكونات سوريا مثل العرب والكرد، وإن لم تغير الدولة التركية من تكتيكاتها فقد كان مضموناً كسر الدولة التركية ومرتزقتها في عفرين، وعليه  وضعت كل ثقلها على التكنيك فقد كانت الخطوة الأولى من الهجوم هي الطائرات والدبابات التي استقدمتها من أسلحة الناتو والخطوة الثانية كانت هجوم المرتزقة".

وتطرق بروسك لمقاومة المقاتلين في خنادق القتال "ففي كل قرية نستطيع كتابة ملحمة عنها مثل قرية حمام في جندريسه التي أراد جيش التركي ومرتزقته لأيام كثيرة في احتلالها ولكن كل مرة كانت تجابه بمقاومة المقاتلين وفي النهاية استخدموا السلاح الكيماوي في هجومهم، تلة شيخ خورزه قاومت لمدة أكثر من شهر فتلك التلة كان الجيش التركي يحتلها وفي الساعة الأخرى يتم تحريرها، وفي راجو تلة كفري كر أيضاً وفي شيه وتلة قسطل جندو، انظروا إلى تلة قسطل جندو استخدم فيها جيش التركي ومرتزقته كافة أنواع الأسلحة فقد أصبحت مسألة الشرف بالنسبة لأردوغان ومرتزقته ففي يوم واحد قامت 24 طائرة حربية بقصف التلة وتدمير طبيعتها وجغرافيتها".

ويقول بروسك حسكة في نهاية حديثه إنها لم تكن حرباً أخلاقية وتم خرق كافة قوانين الحرب من قبل الدولة التركية "كانت حرباً غير حقوقية وغير أخلاقية فلم تستخدم حقوق الحرب وليس اليوم فقط بل منذ التاريخ وهي تقوم بذلك مثل الإبادة العرقية على الأهالي ولكن للأسف فجميع الجهات التي تدعي أنها تحمي حقوق الإنسان، حماية البيئة، حقوق الأطفال بقيت صامتة حيال هذه الهجمات وهذا يبين منح الدولة التركية الضوء الأخضر في هجومها وفعل ما يحلو لها وصمتوا على قتل المدنيين وتدمير الآثار وذلك جميعه فقط لحماية مصالحهم، ضمن الأزمة السورية والحرب على عفرين تبين هذا".

(آ ر)

ANHA


إقرأ أيضاً