فورين بوليسي: أردوغان يريد إعادة رسم الخريطة العرقية للشرق الأوسط

رأت مجلة "الفورين بوليسي" الأمريكية بأن المساعي العدوانية التركية في سوريا، تتماشى مع التاريخ الطويل من التهجير القسري للسكان الذي مارسته الإمبراطورية العثمانية، حيث يحاول أحفاد العثمانيين الآن تهجير من تم تهجيرهم من قبل في القرن الماضي.

ويلفت التقرير إلى أن أردوغان يسعى حالياً إلى إعادة رسم الخريطة العرقية بالشرق الأوسط، دون دراية ربما بأن بعض النازحين المسيحيين في هذه الأيام الذين هربوا من مدينة سريه كانيه شمال وشرق سوريا بعد الهجوم التركي يواجهون صدمات ناجمة عن الماضي بجانب الحاضر، حيث كان أجدادهم في تركيا وقد تم تهجيرهم قسراً من مناطقهم هناك.

وتتوقع المجلة بأن أغلب الذين سيتم توطينهم في هذه المنطقة هم من "المسلمين السُنّة" الذين غادروا حلب وإدلب خلال المعارك مع النظام السوري والمرتزقة المدعومين من أنقرة، ولكنهم سيأتون إلى مناطق مختلفة أغلب تركيبتها السكانية التي كانت تعيش فيها من الكرد والمسيحيين.

ويبدو أن أردوغان يشعر بالراحة مع استخدام تغيير التركيبات السكانية كوسيلة سياسية للوصول إلى أهدافه، فهو يواصل تهديد أوروبا باستخدام اللاجئين كسلاح والسماح لهم بالعبور إلى القارة الأوروبية.

وكانت السفيرة الأمريكية السابقة بالأمم المتحدة سامنتا باور، أحد أبرز منتقدي الرئيس التركي وضمن من اتهموه بالتخطيط لعملية تطهير عرقي للكرد في سوريا.

كما أن ذلك يعيد بالذاكرة ما حدث بمدينة عفرين حينما احتلتها تركيا عام 2018، ونزح على إثر ذلك حوالي 170 ألف شخص غالبيتهم من الكرد، بحسب إحصائيات أممية.

وتقول دارين خليفة، كبيرة المحللين بالشأن السوري في مجموعة الأزمات الدولية، إنها عادت مؤخراً من شمالي سوريا ورأت الخوف من الخطة التي يحاول أردوغان تنفيذها حيث سيقوم بتوطين آخرين في هذه المنطقة.

وبحسب منظمة العفو الدولية، أجبرت تركيا وباستخدام العنف أحياناً، مئات اللاجئين السوريين على العودة إلى إدلب، وهي إحدى المدن الخطيرة التي لازالت المعارك تدور بها، وهو الأمر المخالف للقانون الدولي.

وذكرت فورين بوليسي أن محاولات أردوغان الحالية تعتبر امتداداً لتاريخ طويل من التهجير القسري للسكان الذي مارسته الإمبراطورية العثمانية، وهو ما ترك بصمة لا يمكن إزالتها في شمالي سوريا خصوصاً.

وعلى سبيل المثال، تم تهجير سكان من مناطق الأناضول إلى البلقان في القرن الخامس عشر من أجل ترسيخ الحكم العثماني. وهرب اللاجئون المسلمون من التطهير العرقي والمحاكمات التي مارستها الإمبراطورية العثمانية في البلقان والقوقاز والقرم.

وبعد خضوع شبه جزيرة القرم للإمبراطورية الروسية في عام 1783 والحرب الثانية في البلقان عام 1923، هرب ما بين 5 إلى 7 مليون مسلم من الأراضي الخاضعة للسيطرة العثمانية. ثم استخدمتهم السلطة العثمانية مرة أخرى في لعبتها بعدما اعتبرتهم "مسلمين مخلصين" وقامت بتهجيرهم إلى مناطق حدودية لتأمين الإمبراطورية أو إلى أماكن تريد فيها دمجهم مع أقليات دينية أخرى.

كما كانت أهم جرائم التهجير القسري وتغيير التركيبات السكانية ما ارتكبته الإمبراطورية العثمانية بحق الأرمن وما وصل إلى حد الإبادة وليس التهجير فقط، حيث قُتل أكثر من مليون من الأرمن

وأشار تقرير فورين بوليسي أيضًا إلى أن عملية التغيير الديموغرافي والتهجير القسري لعب دوراً أساسياً في تأسيس الجمهورية التركية التي قامت على أنقاض الإمبراطورية في عام 1923.

ويقول ريان جينجيراس، الخبير التركي بقسم الأمن القومي في جامعة نافال للدراسات العليا بالولايات المتحدة الأمريكية، إن الأمر أشبه بقاعدة من أجل فرض دولة موحدة في كل الأناضول.

وأضاف صاحب الكتب العديدة حول تأسيس الجمهوريات على تاريخ من العنف، لمجلة فورين بوليسي "كان ينظر إلى ذلك على أنه أمر مشروع ووسيلة مؤثرة لفرض ثقافة قومية على الأرض والبشر".

وبعد النجاة من المذابح ضد المسيحيين خلال الحرب العالمية، وجدت أقليات الأرمن والآشوريين والكلدان في جنوب شرق تركيا نفسها في دولة تحاول القضاء على وجودهم.

وتعاملت الصحف التركية معهم على أنهم أعداء، ووضعت لهم مواعيد للرحيل. انتهى الأمر بهروب الكثير منهم إلى شمالي سوريا، والتي كانت آنذاك تحت الاحتلال الفرنسي.

وحينها رحبت بهم فرنسا حيث كانت تدعم الأقليات من أجل إضعاف الأغلبية السُنية العربية. وبحسب فورين بوليسي، فإن عدد من اللاجئين المسيحيين في هذه الأيام، وبعضهم هربوا من مدينة سريه كانيه شمالي سوريا، يعارضون الغزو التركي ويواجهون اضطرابات وصدمات ناجمة عن الماضي أيضًا.

ويتابع جينجيراس حديثه "نرى دليل على ذلك حالياً، كما كان في التسعينيات". حيث كانت أنقرة قد هجّرت ملايين الكرد حينما هاجمت وحرقت آلاف القرى الكردية في تركيا في التسعينيات. وبعد انتهاء اتفاق لوقف إطلاق النار مع حزب العمال عام 2015، اندلعت المعارك في مدن باكور كردستان وقالت منظمة العفو الدوية إن حوالي نصف مليون شخص تم تهجيرهم.

وتقول الفورين بوليسي "لا يمكن التكهن بما إذا كانت أنقرة ستنجح في خطتها بشأن نقل اللاجئين إلى شمالي سوريا أم لا، لكن من الواضح أن ما يحدث ليس ما تخيّل هؤلاء السوريون اللاجئون أو في وطنهم لما يمكن أن يكون عليه وطنهم، حيث يتم ارتكاب جرائم حرب باسم نبع السلام".

(م ش)


إقرأ أيضاً