غيضٌ من فيض جرائم داعش في الرقة..

لعلَّ بقاء مرتزقةٍ لأكثر من عامين في مدينة الرقة وريفها التي كانت "عاصمته المزعومة" كانت حقبة سوداء حالكة، مرت على شعب المنطقة. قصة عائلة غصون محمد الخلف وعائلة علي الحسن تُجسد الظلام الذي كان شعب المنطقة يعيش فيه.

في مطلع عام 2014 احتلت مرتزقة داعش مناطق واسعة من دولتي سوريا والعراق، ومن أهم المدن التي احتلتها هي الموصل ودير الزور والرقة، ارتكب فيها مرتزقة داعش جرائم يندى لها الجبين بحق أهل هذه المنطقة.

غصون محمد الخلف تعمل الآن في بلدية الشعب ببلدة الحمرات بريف الرقة بحرية كاملة، لكنها دفعت ثمناً باهظاً لحصولها على الحرية، حيث فقدت والدها محمد خلف وشقيقها سليمان.

لا شك أن الدموع التي كانت تنهمر من عينيها دلت على حجم الكارثة التي تعرضت لها، وسردت قصتها: "في أحد الأيام داهم أمنيين ملثمين من مرتزقة داعش منزلنا، اعتقلوا جميع أفراد عائلتي دون معرفة السبب وقاموا بتغطية أعينهم، ونقلوهم بسيارات عسكرية ، علمت فيما بعد أنه تم اقتيادهم إلى مقرهم المشهور باسم "النقطة 11" المتواجد في الملعب الأسود وسط الرقة. كان المرتزقة يعلقون المساجين من أرجلهم بالسقف ويبقونهم على هذه الحال لأيام وذلك للاعتراف بالإكراه بالتهم الملفقة".

وتابعت غصون: "لقد بحثنا عنهم لشهور لكن دون جدوى، وعندما كنا نسألهم عن معتقلينا يزجروننا بقولهم: اذهبي إلى منزلك يا حرمة، لا يوجد أحد بهذه الأسماء، وفي كل مرةٍ يأتينا خبر بالإفراج عن معتقلين من سجون داعش نسارع لعلنا نجد أبي وأخي، ولكننا نعود دائماً محملين بالخيبة".

تضيف غصون الخلف، بعد مرور عدة أشهر من البحث والتقصي وردني خبر أن المرتزقة أقدموا على قتل والدي البالغ من العمر 55 عاماً وأخي ابن الـ30 عاماً أمام مرأى ومسمع جموع من الناس في إحدى ساحات الرقة وتحديداً في حي الصناعة، وظهرت أسمائهم على صفحات التواصل الاجتماعي وكانت التهمة الملفقة بحقهم هي التعامل مع قوات سورية الديمقراطية والتحالف الدولي".

وتعرضت غصون لمعاناة كبيرة من إجراءات المرتزقة المجحفة، وقالت: إن المرتزقة قد منعوها وبقية أفراد عائلتها من نصب خيمة عزاء بحجة "لا يجوز بناء خيمة عزاء لهم".

بعد هذه المحنة التي تعرضت لها غصون، وتحديداً بعد تحرير الرقة من قبل قوات سوريا الديمقراطية؛ سارعت غصون إلى الالتحاق بركب المساهمين في بناء المجتمع، فباشرت بالعمل في قسم البلديات وتحديداً في بلدية الحمرات في الريف الشرقي للمدينة.

وحول الدوافع التي دعتها للعمل ضمن البلدية، قالت غصون: "إن السبب الرئيسي الذي شجعني للإقدام على هذا العمل هو إيماني العميق بأن المرأة تستطيع إنجاز الأمور التي ستوكل إليها، ولتعيش حياة جديدة علّها تنسى الشدائد التي عايشتها قبل التحرير، كما أنها تمتلك قدرات هائلة".

الأمل يراودها بلقاء أبنائها ومأساة لا يتحملها الحجر

أما القصة الأخرى التي يندى لها الجبين، فتتجسد في حالة مأساوية على أدنى وصف، ففي سردها تتجاوز أن تكون معاناة فحسب، بل كارثة إنسانية عصفت بعائلة علي الحسن التي تتألف من 12 فرداً.

بدأت أحداث هذه المأساة بفقدان ثلاثة أبناء من أفراد العائلة وهم في مقتبل العمر، فالابنين "وسام علي الحسن مواليد 1990 وحسام علي الحسن مواليد1992" اعتقلا من قبل مرتزقة داعش بحجة التعامل مع التحالف الدولي، فيما بقيَ أفراد العائلة الآخرين بانتظارهم لكي يخرجوا إلى المناطق التي حررتها قوات سوريا الديمقراطية إبّان حملة تحرير الرقة.

أما الابن الثالث شواخ علي الحسن مواليد 1980 فبعدما قطع الأمل في الإفراج عن أخويه؛ قرر هو وأمه وأختيه رهام ووضحة الخروج إلى المناطق المحررة، ولكنه لقي حتفه أثناء خروجه في زيارة أحد الجيران حيث كان المرتزقة يراقبون منزلهم بعد أن سمعوا بأن لهم هدف الخروج من المدينة، فشاهدوه وهو يذهب إلى جاره فأوقفوه لإلقاء القبض عليه ولكن طيران التحالف لم يستطع التفريق فيما بينه وبين المرتزقة، حيث أن المرتزقة كانوا قد فرضوا على جلّ الأهالي ارتداء لباس داعش.

سردت لنا شاهة الحسين والدة وسام وحسام كيف تم اعتقال ابنيها بحجج زائفة حيث قالت: "إن ما أدمى قلبي أكثر أنني كنت نائمة عندما تم القبض على ولدي؛ ولم أرهما ولو للمرة الأخيرة، فعندما سمعت صوتاً في المنزل نهضت من فراشي وإذا بالفاجعة قد وقعت حيث تم اعتقالهما وهما في مقتبل العمر".

وتابعت أم حسام كلامها بتألم وحسرة على مصير ابنيها: "عند اعتقالهم من قبل المرتزقة لحق بهما شقيقهم محمد حسن، فأخبره المرتزقة بأن يتبعهم إلى مبنى المحافظة إن أراد معرفة مصير أخويه، وأثناء وصوله المكان المحدد قابلوه بالتهديد وأنه سيُلقى معهما في السجن إن عاود السؤال مرة أخرى عن مصيريهما ".

وأضافت أم حسام أنه: "بعد مرور شهر على سجن أولادها اتصل وسام بي وطلب مني فصل أجهزة النت الفضائي وتسليم المعدات لهم حتى يتم الإفراج عنه وعن أخيه، فقمنا على الفور بتسليم المعدات وجلسنا ننتظر الإفراج عنهما بناءً على الوعد الذي وعدنا به المرتزقة، لكن وعودهم كانت كاذبة".

وتشير والدة حسام في حديثها بالقول أنها بقيت في منزلها قبيل عملية التحرير بأربعة أيام بعد أن فقدت الأمل كلياً في لقاء أبنائها، وبعد أن ازدادت ممارسات المرتزقة بحق العائلة ومنها قيام أحد المرتزقة والذي يحمل الجنسية المصرية بتهديدهم بعدم الخروج من منزلهم وإلا فسيستخدمه كمقرٍ له، بالإضافة إلى الألفاظ البذيئة التي كان يوجهها لأم حسام كقوله: "أنتم السوريين جميعكم تحت جزمتي يا بتعين المظاهرات"، فسارعت إلى المناطق التي حررتها قوات سوريا الديمقراطية لكي لا يستخدمها المرتزقة درعاً يحتمون بها من القصف".

وحول المعوقات التي واجهت أفراد العائلة أثناء الخروج إلى المناطق المحررة أكدت أم حسام أن الأمر الذي زاد الطين بلّة هي الألغام التي زرعها المرتزقة والتي كانت تعيق خروج الأهالي، بالإضافة إلى تواجد قناصي المرتزقة في كل مكان.

واختتمت أم حسام حديثها والأمل يراودها بلقاء ولديها المعتقلين، وأنها لا زالت تنتظر عودتهم بفارغ الصبر، بقولها "لعلَ قوات سورية الديمقراطية تعيدهم لي أحياء ويملئون البيت".

(ن ح)

ANHA


إقرأ أيضاً