صحيفة بريطانية: مجازر الأرمن التي ارتكبها العثمانيون والهولوكوست هما وجهان لعملة واحدة

نشرت صحيفة الإندبندنت البريطانية مقالاً  للصحفي روبرت فيسك، قارنت فيه بين مذابح الأرمن التي ارتكبها العثمانيون وجرائم النازية الألمانية  تحت حكم أدولف هتلر، كاشفاً أن النازيين ارتكبوا مجازرهم بعد متابعتهم للمجازر التي تم التخطيط لها جيداً قبل تنفيذها من الدولة العثمانية.

ويرصد الصحفي فيسك في مقاله ووفقاً لوثائق متعددة، الإحصاءات المرعبة لعمليتي الإبادة الجماعية الفظيعة الأرمنية والمعروفة في الأدبيات الأرمنية (الجريمة الكبرى)، والتي تسببت في قتل مليون ونصف مليون شخص على يد العثمانيين الأتراك، والمحرقة اليهودية (الهولوكوست)، التي بدأت بعد أقل من ربع قرن، وأودت بحياة ما لا يقل عن ستة ملايين نسمة.

ويؤكد فيسك أن التخطيط للإبادة في الحالتين جاء مبكراً ونتيجة إرادة واعية وتدبير مُسبق، فالتخطيط لإبادة اليهود جاء في اللحظة التي عبر فيها الألمان الحدود البولندية في أول سبتمبر 1939، قبل سبعة أشهر مما حدث في فانسي حيث أُقيمت المحرقة، وبشكل متطابق تم التحريض على قتل الأرمن في بداية ديسمبر عام 1914، أي قبل تاريخ 24 أبريل 1915، والذي يُحيى الأرمن ذكراها كل عام باعتبارها بداية الإبادة الجماعية ضدهم، على يد التشكيلات العثمانية التي تُعد المعادل الموضوعي لوحدات النخبة النازية.

ويلفت فيسك الأنظار إلى أن الأتراك لم يقبلوا حتى يومنا هذا، الاعتراف بمسؤوليتهم عن هذه الواقعة، فيما أقر الألمان بأنهم مذنبون في التسبب في محرقة "الهولوكوست"، وسخر فيسك من التناقض في التعامل الغربي مع هذه القضية قائلاً: "ما زلنا نسجل باحترام كيف أن الأتراك يرفضون بشدة الاعتراف بعمليات الإبادة الجماعية للأرمن، فيما ندين الأوروبيين اليمينيين الذين ينكرون الإبادة الجماعية للنازيين لليهود".

ويستند فيسك في مقاله على دراسة حديثة للمؤرخ التركي تانر أكتشام، والذي يعيش في منفاه الاختياري في أمريكا هرباً من مطاردة نظام أردوغان، والذي أثبت أن قرار استهداف الأرمن تم اتخاذه بعد 31 يوماً من دخول الإمبراطورية العثمانية الحرب العالمية الأولى في 31 أكتوبر 1914، وأن المذابح الأولية استهدفت الرجال من الأسر الأرمنية فقط في مقاطعتي وان وبيتليس، لكن الجرائم سرعان ما امتدت لتطال النساء والأطفال.

واستند أكتشام على أرشيف رئيس الوزراء العثماني غير المستكشف حتى الآن، نجد ولأول مرة، أمراً سرياً من إدارة "أرزروم" إلى محافظي "وان" و"بيتليس" لاعتقال الأرمن المشكوك في أمرهم بأنهم قادة المتمردين أو أنهم قد يهاجمون المسلمين، ويطلب منهم "ترحيلهم إلى بيتليس على الفور حتى يتم إبادتهم"، وكان المسؤولون العثمانيون يستخدمون الكلمة التركية "imha" للإبادة.

وفي بعض القرى القريبة من بلدة باسكال، قُتل جميع السكان الذكور الذين تجاوزوا سن العاشرة. وبعد ذلك بشهرين، في فبراير 1915، أرسل نائب أرمني في البرلمان العثماني تقريراً من وان إلى طلعت باشا، وزير الداخلية في حكومة الاتحاد والترقي، والذي سيكون مسؤولاً عن الإبادة الجماعية بأكملها التي يبلغ عدد أفرادها مليون ونصف أرمني فيما بعد، يخبره بأن "المجازر تُنفذ في بعض القرى والبلدات في ضواحي باسكال وساراي"، ويتضح من ذلك أن المسؤولين العثمانيين المحليين كانوا يُحرضون على الإبادة الجماعية، ثم يطلبون من القادة في إسطنبول الموافقة على قراراتهم.

واكتشف المؤرخ "أكتشام "، بحسب فيسك، أدلة على أن الحكام المحليين كانوا يسافرون في بعض الأحيان إلى أرزروم - حوالي 800 ميل من العاصمة العثمانية - لعقد اجتماعات مشتركة حول عمليات القتل والإبادة، ثم توصيل قراراتهم إلى طلعت باشا. أحدهم - قبل أيام فقط من بدء الإبادة الجماعية - سجل توجيهات من أرزروم إلى حاكم بيتليس لإرسال ميليشيات للقضاء على الأرمن.

ويعلق فيسك قائلاً: "إن فهم القادة المحليين للطبيعة الإجرامية لأفعالهم - والأدلة الواضحة على أن طلعت باشا كان مدركاً تماماً لطبيعتهم الإجرامية - ينعكس في التعليم المستمر بأن برقياتهم (سرية للغاية)، و(يتم فك شفرة من خلال المستلم فقط)، وذكرت إحدى البرقيات أن نسخة الإدارة المحلية قد أُحرقت على الفور، و(يرجى التأكد من أن إسطنبول تحرق نسختها).

وفي 17 نوفمبر 1914، بعد أسبوعين بالكاد من انضمام الدولة العثمانية إلى حلفائها الألمان والنمساويين في حربهم ضد بريطانيا وفرنسا، وقبل وقت طويل من التاريخ الذي كان يُعتقد سابقاً لبدء الإبادة الجماعية - كتب حاكم أرزروم "تحسين باشا"، إلى وزير الداخلية طلعت باشا، أن الوقت قد حان لـ"اتخاذ القرارات والأوامر الحاسمة فيما يتعلق بالأرمن".

وأجاب طلعت بمكر بأنه "يجب على تحسين باشا تنفيذ ما يتطلبه الوضع حتى يتم إصدار أوامر محددة فيما يتعلق بالأرمن"، وكما كتب المؤرخ أكتشام في مقاله في عدد هذا الشهر من مجلة أبحاث الإبادة الجماعية، فإن إسطنبول كانت "تعطي الضوء الأخضر لأرزروم لتنفيذ أعمال العنف لاحقاً"، وفي نهاية شهر نوفمبر من عام 1914، كلّف طلعت باشا، حاكم مقاطعة "وان" سيفيديت باشا، بأنه "حتى يتم إصدار أوامر حاسمة، من الضروري تنفيذ الإجراءات التي يتطلبها الوضع، لكن يجب أن يتم تنفيذها بحكمة".

ويشيد روبرت فيسك في مقالته بشجاعة أكتشام وعدد قليل من زملائه، بالاعتراف بعمليات القتل الجماعية للأرمن بأنها جرائم "إبادة جماعية"، حيث اقترح المؤرخون أن ترحيل الأرمن من العاصمة العثمانية، ومن ثم قتلهم، قد يكون بسبب عمليات الهبوط التي قام بها الحلفاء في "جاليبولي" في الأسبوع الرابع من أبريل 1915، قبل ساعات قليلة من اعتقال أول الزعماء الأرمن في إسطنبول، أو بالهزيمة التركية في معركة "ساريكاميش" في "يناير" 1915.

ولكن الإشارة إلى أن عمليات القتل الجماعي لمليون ونصف شخص قد تمت في وقت قصير للغاية أمر مثير للسخرية -بحسب فيسك- على سبيل المثال، أبلغ حاكم "ديار بكر" حاكم إسطنبول عن خططه قبل أسابيع من "جاليبولي"، معرباً عن رأيه "سيكون من الجيد... تنفيذ ممارسات قاسية وفعالة حسب الضرورة ضد الأرمن".

وفي "سيواس"  كان لا يزال يساور الحاكم "معمر" القلق على ما يبدو من أن عمليات القتل في منطقته لم يُصرح بها رسمياً، وكتب الحاكم معمر إلى إسطنبول في برقية في 29 مارس 1915 بأنه "إذا تم اتخاذ قرار من قبل الحكومة المركزية، من شأنه أن يكفل الإبادة الجماعية المنظمة، أطلب منكم الاتصال الفوري دون تأخير". وأشار حكام آخرون إلى "إبادة" الأرمن و"تنفيذ إجراءات الإبادة"، لذا لم تكن بداية الإبادة الجماعية للأرمن في ديسمبر 1914 بمثابة مفاجأة للسلطات في إسطنبول، وبالتأكيد ليس لطلعت باشا المسؤول الأول عن هذه المذابح.

واتخاذ قرار الإبادة في "أرزروم" كان مسؤولية بهاء الدين شاكر، رئيس "التنظيمات" والرجل الذي يعتبر إلى حد كبير مهندس الإبادة الجماعية للأرمن. لكنه كان هو نفسه عضواً باللجنة المركزية لحزب الاتحاد والترقي الحاكم ووصل إلى أرزروم قادماً من إسطنبول، وربما وجد طلعت باشا أنه من المناسب البدء في الإبادة الجماعية - أو إعطاء المشروع عملية تجريبية - بعيداً عن العاصمة والسفراء الأجانب، وخاصة الأمريكيين الذين سيكشفون علانية عن المذابح اللاحقة للعالم أجمع.

ومن المؤكد أن المُؤرخين يدحضون الفكرة - التي تم نشرها على نطاق واسع من قبل منكري الإبادة الجماعية الأتراك - بأن عمليات الترحيل والقتل الأرمنية حدثت عندما كانت الدولة العثمانية تواجه صعوبات عسكرية خطيرة واحتمال خسارة الحرب، لكن الوثائق تثبت أن إبادة الأرمن تمت قبل وقت طويل من تعرض الدولة العثمانية لأي لخطر.

إن المذابح المبكرة للأرمن في أقصى شرق تركيا - قبل وقت طويل من شعور المجتمع الأرمني في إسطنبول بالتهديد - تماثل بشكل مثير تجربة اليهود في فيينا عام 1938 عندما قام النازيون بدمج النمسا لدول الرايخ الثالث.

وتابع هتلر تاريخ المذابح الأرمنية عن كثب، وكثيراً ما أشار إليها في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الثانية. وحسدت ألمانيا النازية الأتراك على "تطهير" العرق الأرمني، وشهد الدبلوماسيون الألمان في إسطنبول خلال الحرب العالمية الأولى عمليات الترحيل الأرمنية في مدن بعيدة عن إسطنبول، لقد كان درس العثمانيين في الإبادة هو النموذج الذي سار عليه النازيون فيما بعد.

(م ش)


إقرأ أيضاً