صحيفة بريطانية: العراق حائر بين جارته "إيران" وحليفته "الولايات المتحدة"

نشرت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية تقريراً تحدثت فيه عن التحدي الكبير الذي يواجه العراق نتيجة المواجهة بين جارته "إيران" وحليفته "الولايات المتحدة".

ويشير تقرير الصحيفة إلى أن العراق لا يريد أن يدخل في الصراع بين حليفين مهمين له، ولا يريد أن يكون جماعة وكيلة لأي طرف.

وتقول الصحيفة إن القيادة العسكرية والسياسية في العراق اجتمعت في القصر الرئاسي الفاخر في بغداد لمناقشة موضوع واحد، وهو كيفية منع إيران وحليفته القوية أمريكا من شن حرب ضد بعضهما.

ولفتت الصحيفة إلى أن اللقاء، الذي عُقد في 19 أيار/ مايو، جاء في وقت وصل فيه التوتر ذروته بين الولايات المتحدة وإيران، حول المشروع النووي والتأثير المتنامي لطهران في الشرق الأوسط، وجاء في وقت أرسلت فيه أمريكا تعزيزات عسكرية إلى منطقة الخليج، بعد تلقيها معلومات عن إمكانية تعرض المصالح الأمريكية والحلفاء للتهديد.

وأفاد التقرير بأن المسؤولين خافوا من تحول العراق، الذي يشترك مع إيران بحدود طولها 1400 كيلومتر، وفيه حوالي 5 آلاف جندي أمريكي إلى جانب سلسلة من الجماعات المسلحة الموالية لطهران، إلى ساحة للمواجهة، مشيراً إلى أن العراق عانى من نزاع طويل مع إيران وسابق على الغزو الأمريكي عام 2003، الذي أطاح بنظام صدام حسين، بالإضافة إلى أنه خارج للتو من حرب عمرها 4 أعوام للتخلص من داعش.

ونقلت الصحيفة عن الرئيس العراقي برهم صالح، قوله: "العراق هو نجاح يظهر بعد 4 عقود من النزاع.. ليست لدينا القدرة أو الطاقة أو المصادر أو الاستعداد لأن نكون مرة أخرى ضحية حرب جديدة بالوكالة"، وحذّر صالح من موجة عنف جديدة قد تهز الآمال ببناء البلاد، ودعا جيران العراق وحلفاءه لعدم تقويض النجاح الذي حصل عليه العراق بصعوبة، وأضاف: "نقول العراق أولاً، ولا نريد إضاعة استقرارنا، وعانينا بما يكفي من النزاعات".

ونوّهت الصحيفة بأن المحللين يخشون من انبعاث شرارة المواجهة من العراق؛ بسبب الجماعات المسلحة التي تدعمها إيران، وهي قوية لدرجة أن قادتها كانوا من الذين حضروا اجتماع القصر، مشيرة إلى أنه تمت مقارنة صعودهم للسلطة والتأثير بصعود حزب الله، الذي أصبح القوة الرئيسية في لبنان.

ولفتت الصحيفة إلى أن واشنطن تعاملت مع التهديد النابع من العراق بجدية، وقررت إغلاق القنصلية في البصرة، وطلبت من الموظفين غير الرئيسيين في سفارة بغداد مغادرة العراق.

وأشارت إلى دور الجماعات المُسلحة المدعومة من إيران أثناء الغزو وحربها ضد القوات الأمريكية لتعود وتتعاون معها تحت مظلة الحشد الشعبي، التي شُكّلت عام 2014 لمواجهة داعش، لافتة إلى أن هذه الجماعات البالغ عدد عناصرها 100 ألف شخص، أصبحت قانونية في عام 2016، وحصل قادتها على تأثير سياسي في انتخابات العام الماضي، وتم التصويت لصالح أشخاص تعدهم أمريكا إرهابيين ودخلوا البرلمان.

وترى الصحيفة أنه في الوقت الذي أثنى فيه الكثيرون على دور الحشد بمنع داعش من الوصول إلى بغداد، إلا أن زيادة سلطتهم السياسية والاقتصادية منذ عام 2018 حولتهم لتحدٍ خطير تواجهه الدولة العراقية، مشيرةً إلى قول وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إن الجماعات المدعومة من إيران "تهدد سيادة العراق".

وأشارت الصحيفة أن عدداً من المشاركين في لقاء القصر فضلوا طهران على واشنطن، وقال مسؤول إن إيران شعرت بالإحباط من حيادية العراق التي تم التأكيد عليها في ذلك اللقاء، وبعد ساعات وصلت قذيفة كاتيوشا إلى المنطقة الخضراء، التي تعد مقراً للسفارة الأمريكية والمؤسسات الحكومية، وكان الهجوم واحداً من الهجمات التي لم يعلن أحد مسؤوليته عنها، وترافق مع عمليات تخريب لناقلات نفط في منطقة الخليج، فيما ربط بومبيو الهجمات بإيران، إلا أن أحداً لم يعلن مسؤوليته عن هجمات غير متقنة لم تتسبب بخسائر بشرية.

ونقلت الصحيفة عن ماريا فانتابي، من مجموعة الأزمات الدولية، قولها: "كانت طريقة لمعرفة حدود الصبر الأمريكي"، وأضافت أن الطرف الذي قام بها كان يعلم بأن خطوط إدارة ترامب هي وقوع ضحايا.

وبحسب تقرير الصحيفة، فإن قلق أمريكا كان واضحاً قبل أسبوعين من لقاء القصر، حيث ألغى بومبيو لقاءً له مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وسافر على عجل إلى بغداد لتأكيد القلق الأمريكي من الجماعات المدعومة من إيران، مشيراً إلى أن واشنطن لم تحدد طبيعة الخطر.

ونقلت الصحيفة عن مستشار الحكومة العراقية لشؤون مكافحة الإرهاب هشام الهاشمي، قوله إن المخابرات الأمريكية "لديها تحيز تريد إثباته"، إلا أن مسؤولاً عراقياً مخضرماً تحدث عن "التهديدات القبيحة" من الجماعات المحسوبة على إيران ضد منشآت أمريكية، بما فيها شركات نفط ومواقع دبلوماسية، وبأن قادة عسكريين إيرانيين التقوا مع قادة المجموعات المُسلحة العراقية. 

وأوضحت الصحيفة أن ما زاد في المخاوف من قيام جماعة مارقة بدفع العراق للدخول في مواجهة بين إيران والولايات المتحدة هو الصاروخ الذي أصاب منشأة نفطية سعودية في ينبع، وتحمل الحوثيون في اليمن مسؤوليته، لتقول أمريكا إن جماعة عراقية هي المسؤولة عنه.

ويستدرك التقرير بأن مسؤولاً عراقياً قال إن الخطر الذي تتحدث عنه أمريكا نابع من كتائب حزب الله، التي يبلغ عدد عناصرها 10 آلاف مقاتل، وصنفتها واشنطن جماعة إرهابية، إلا أن المسؤول العراقي شكك في التقييم الأمريكي، وقال: "بحسب معلوماتنا فقد أعطى الإيرانيون الأوامر لهذه الجماعات بعدم الضرب".

وذكرت الصحيفة أن السفير الأمريكي في العراق حتى كانون الثاني/يناير دوغلاس سيليمان، عبر في تصريحات لموقع "لوفير" الأمريكي عن خشيته من قيام جماعة لا تخضع لسيطرة إيران بعملية تتسبب بخسائر بين الأمريكيين لتصنع لنفسها اسماً، وبأنها هي التي طردت الأمريكيين.

ولفتت الصحيفة إلى أن منطقة الخليج شهدت توتراً هذا الصيف، خاصة بعد إسقاط الإيرانيين طائرة أمريكية مسيّرة، وردت واشنطن بالتحضير لضربة انتقامية أوقفها ترامب قبل عشر دقائق، مشيرة إلى أن مخاوف العراقيين لم تتلاش بعد إحباط الهجوم، خاصة أن ترامب قال قبل أشهر أثناء زيارة له للقوات الأمريكية في العراق، إن بلاده تستخدمه لمراقبة التصرفات الإيرانية. 

ونقلت الصحيفة عن برهم صالح، قوله: "معضلة العراق هي أن الولايات المتحدة حليف مهم له.. وإيران هي حليف مهم"، فهو يُمثّل منطقة تجارية مهمة لإيران، وهناك علاقات اجتماعية ودينية، ويتدفق كل عام ملايين الحجاج الإيرانيين إلى العراق.

وترى الصحيفة أن من المفارقة أن الإطاحة بصدام حسين منحت إيران فرصة لتوسيع تأثيرها الإقليمي، وسيطر على الحكم منذ عام 2003 المنفيون العراقيون الذين لجأوا إلى إيران، حيث تم تحضير أحزابهم وقادتهم هناك، لافتة إلى أن نصف المقاعد البرلمانية يحتلها نواب لديهم ولاءات واضحة لإيران والمجموعات التي تدعمها.

ونقلت الصحيفة عن المتشددين في الإدارة الأمريكية، قولهم إن تأثير إيران على الحكومة والجماعات الوكيلة عنها حوّل العراق إلى دويلة تابعة، مشيرة إلى أن نوري المالكي، الذي حكم العراق لمدة 8 أعوام، يرفض هذه المزاعم، وقال إنه صافح الأمريكيين، وعقد صفقات معهم، واستفاد في الوقت ذاته من إيران.

ويجد التقرير أن تأثير الأخيرة القوي على العراق يعني أنه لو قررت الإدارة الضغط على الحكومة فيه فإن المعتدلين فيها سيميلون نحو إيران، وقال المالكي، الذي أجبرته إدارة باراك أوباما على التنحي عام 2014: "سياسة القوائم السوداء والعقوبات والحصار والتهديد بالحرب لن تؤدي إلا إلى زيادة أعداء أمريكا".

وتستدرك الصحيفة بأن شخصيات مثل هادي العامري، الذي يقود منظمة بدر، وعاش سنوات في إيران قبل عودته إلى العراق، واتُهم بإدارة فرق الموت، ويدافع عن إيران بشكل مطلق، يثير المخاوف، مشيرة إلى أنه مدح دور إيران في الحملة ضد داعش، ووصف قائد فيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني، بـ"صديقنا وليس عدونا".

وتختم "فايننشال تايمز" تقريرها بالإشارة إلى أن قادة العراق يريدون التركيز على مشكلاته الداخلية النابعة من زيادة السكان المتسارعة، وحاجة البلاد إلى المؤسسات التعليمية، ومع ذلك يشعر ساسة عراقيون أن أمريكا وإيران لا تسعيان للحرب، لكنها قد تحدث بالخطأ، كما يقول وزير الخارجية العراقي السابق هوشيار زيباري.

(م ش)


إقرأ أيضاً