شمال سوريا.. ثورة اللغة لإحياء ما طُمس أو هُمِّش

يتميز الشمال السوري بالتنوع الثقافي وتعدد المكونات المتعايشة والتي نالت حقوقها بالتمتع بممارسة ثقافتها والتكلم بلغتها الأم وتعلم لغة الآخر، بعد أن قاومت وما تزال تقاوم حتى الآن سياسة اللغة الواحدة والثقافة الواحدة. لتنعم هذه المكوّنات بصياغة نظام يحيي فيه كل منها لغته ويعلمها لجاره ضمن إطار لوحة نادرة في منطقة حكمتها العقلية القوموية الفردية.

بالرغم من محاربة النظام السوري للتنوع وفرضه اللغة الواحدة والثقافة الواحدة واللون الواحد، كما تفعل الحكومة التركية في باكور(شمال كردستان)، ومحاولته إبادة الثقافات واللغات الأخرى الموجودة أو جعلها في طي النسيان والضياع، إلا أن تلك الشعوب المتعايشة والجارة لم تقطع اتصالها مع بعضها البعض، وإلى حد ما حافظت على علاقاتها وحرصت على معرفة ثقافة الآخر.

فلم يقتصر تعلم اللغة العربية والتكلم بها على المكون الكردي، فهناك العشرات من المكون العربي في إقليم الجزيرة وعفرين يتحدثون الكردية بطلاقة منذ عشرات السنين وبالعكس، ليتحول هذا الميراث التاريخي إلى نظام متنته الإدارة الذاتية الديمقراطية بعد ثورة 19 تموز 2012، ليتعلم كل مكون بلغته ويتعلم لغة جاره ويزداد التلاحم والتكاتف بين الشعوب.

15 لغة في سوريا

توجد في سوريا 15 لغة محكية، عدا عن اختلاف اللهجات حسب المناطق، وهي" العربية، الكردية، الشركسية أو (الأديغية)، التركمانية، اللغة السريانية، الأرمنية، الآرامية، الآشورية الحديثة، الأذرية الجنوبية (تسمى التركمانية أحياناً)، الدومرية، القبردية، اللومابرين، الملحسو (انقرضت مع وفاة إبراهيم حنا عام 1998)، الطورية أو الطورانية، الآرامية الحديثة الشمالية.

ثورة التعدد الثقافي واللغوي في الشمال السوري

استطاعت الشعوب في شمال وشرق سوريا، ومن منطلق إذا فقد الشعب لغته فقد هويته، الرقي بلغات مكوناتها المتعددة وأدخلتها إلى المدارس والمعاهد والجامعات، ناهيك عن المؤسسات والهيئات في الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا.

وتحضيراً لثورة اللغة والثقافة، ونيل الحقوق في تعلم كل فرد لغته الأم، وكخطوة أولى على طريق نشر وتعليم اللغة الكردية افتُتحت أول مدرستين لتعليم اللغة الكردية، واحدة في مقاطعة كوباني في الـ 26 من تشرين الثاني من عام 2011، والأخرى في قرية قرتقلق في مقاطعة عفرين في العام ذاته.

فيما كان الأهالي سابقاً يتعلمون الأحرف الكردية على شكل مجموعات سرية في مدن ومناطق روج آفا بعيداً عن أعين النظام السوري الذي حظر تعلم اللغة الكردية أو التكلم بها.

ومع اندلاع ثورة 19 تموز في عام 2012، اندلعت معها ثورة اللغة، فنالت المكونات المتعايشة في المنطقة حقها في الحديث بلغتها الأم وتعلمها.

وأصبحت تُدرّس في المدارس في إقليم الجزيرة لتعدد المكونات فيها إلى جانب اللغة العربية، اللغة الكردية والسريانية كلغات رسمية، فيما تدرس في مدارس إقليمي الفرات وعفرين اللغتان العربية والكردية.

كما يلاحظ التغيير الطارئ على شوارعها ولافتات المحلات ومداخل ومخارج المدن وتنوع الشعارات المكتوبة بمختلف لغات المنطقة.

فيما يتركز بند حماية اللغة في ميثاق العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، في الباب الأول، المادة رقم / 3/ بأن " كل اللغات الموجودة في “الفدرالية الديمقراطية لروج آفا – شمال سوريا” متساوية في جميع مجالات الحياة الاجتماعية، الإدارية، التعليمية، الثقافية. وكل شعب ينظّم حياته ويسيّر أموره بلغته".

وتقول الرئيسة المشتركة لهيئة التربية والتعليم في شمال وشرق سوريا كوثر كودو، بأن مجال التعليم والتدريب في الشمال السوري خطا خطوات تاريخية في ظل الثورة، من ناحية المواد التربوية التي اطلع الطلبة عليها من الناحية الفكرية والذهنية.

وتشير، بأن نظام التعليم الديمقراطي يفتح المجال لكافة المكونات للتعلم بلغتهم الأم والتعرف على مختلف الديانات والطوائف في المنطقة، بالإضافة للتدريب على نمط المجتمع الديمقراطي والكومينالي.

حملات دعائية مضادة لنظام التعليم

في بدايات سنوات تدريس المناهج المعتمدة من قبل لجنة تدريب المجتمع الديمقراطي في مدارس روج آفا وشمال سوريا عامة، عمد النظام البعثي إلى مناهضة التعليم باللغة الكردية والسريانية، وعمل على إغلاق بعض المدارس، وأُطلقت الإشاعات الواهية التي تدعو إلى الفتنة والتحريض بين المكونات أو نشر إشاعات عن ضعف المناهج الدراسية وعدم قدرة الكادر التدريسي على تعليم الطلبة أو أنها غير شرعية.

قبل معرفة الأهالي بنظام المنهاج الجديد، امتنع بعض الأهالي عن إرسال أطفالهم إلى المدارس وخصوصاً من المكوّن العربي في ظل الإشاعات التي تُروج لها بعض الأطراف المعادية للتطور الحاصل في الشمال السوري والتي تتهم الكرد بنشر التعليم الكردي، ولكن بعد تعرفهم على مضمون المنهاج ونظامه ازداد إقبال الطلبة عليه.

وبحسب الرئيسة المشتركة لهيئة التربية والتعليم لشمال وشرق سوريا كوثر كودو بأن الإقبال المتزايد في كل عام يُفشل تلك الحملات الدعائية.

كل مكون يحافظ على لغته، ويتعلم لغة الآخر

عن ضرورة تعلم كل فرد لغته الأم، يقول القائد أوجلان "الوجود الهوياتي واللفظي المُدرك والمُعبر عنه بالنسبة للمعنى والعاطفة, والمجتمع الذي يعبر عن ذاته على امتلاكه الحجة القوية للحياة, ذلك أن مستوى رقي اللغة هو مستوى تقدم الحياة, أي بقدر ما يرقى مجتمع ما بلغته الأم".

وافتتح الكرد مؤسسة اللغة الكردية في بداية ثورة روج آفا، لتعليم اللغة الكردية، فأصبحت لغة رسمية في المدارس، بالإضافة لافتتاح معاهد وكليات الأدب الكردي.

وكذلك الأمر بالنسبة للمكونات الأخرى، فبعد أن حُرم الشيشان، والشركس والسريان والتركمان من تعلم لغتهم عادوا لإحيائها وتعليمها لأطفالهم من جديد بشكل رسمي في المدارس ومعاهد ومراكز خاصة.

فيتعلم المكوّن السرياني لغته بشكل رسمي في المدارس، إلى جانب الدعم للتعلم في الكنائس كدروس تعلم اللغة، كما وافتتحت الجمعية الثقافية السريانية معاهد إعداد المدرسين لتعليم اللغة السريانية في المدارس العامة أو المراكز الخاصة بدعم ورعاية من الإدارة الذاتية.

فيما يتعلم المكوّن الشركسي عبر دورات تعليم اللغة في الجمعية الشركسية في مدينة منبج بشكل مجاني بإشراف أعضاء الجمعية على التدريب.

وأما المكون التركماني الذى لاقى الصهر والإبادة على مر السنين، فنال حقه في تعلم وتعليم اللغة التركمانية بعد تحرير مدينة منبج من مرتزقة داعش. وعمل التركمان على افتتاح جمعية تركمانية في 25 نيسان 2018، لإحياء الثقافة التركمانية وتعليم اللغة.

يقول عضو مجلس إدارة الجمعية التركمانية في مدينة منبج فايز حيدر، بأن الجمعية تهدف لإحياء الثقافة التركمانية بين مكونها بعد أن عانت سنوات من الصهر، مضيفاً بأن هناك العديد من العائلات التركمانية لا تجيد اللغة التركمانية.

فيما افتُتحت في وقت سابق كورسات لتعليم اللغة التركمانية، انضم إليها العديد من أبناء المكونين العربي والكردي إلى جانب التركماني لرغبتهم بتعلم اللغة ومعرفة الثقافة التركمانية.

ويضيف سليمان إبراهيم مدير مدرسة سالم المرعي في مدينة سري كانية/ رأس العين، بأنه من حق كل المكونات تعلم لغتها الأم، وتعلم لغة مكونات المنطقة للتعرف على ثقافة المكونات الأخرى وسهولة التواصل.

ونوّه "سابقاً كانت المكوّنات محرومة من تعلم لغتها، فالمجتمعات الأخرى تتعلم لغات أجنبية أخرى، فمن حق المكونات في المنطقة تعلم لغة المكونات الموجودة فيها".

ازدياد إقبال الطلبة كل عام يُبين ثقة الأهالي بالمنهاج التعليمي

طرأت على المنهاج التعليمي وطرق التدريس لعام 2019-2020 تطورات كثيرة، من افتتاح معاهد وكليات جديدة.

واستقبلت 4223 مدرسة في إقليمي الجزيرة والفرات ومناطق الرقة والطبقة ودير الزور ومنبج أكثر من 500 ألف طالب/ـة من المراحل الدراسية الثلاث " الابتدائية والإعدادية والثانوية"، فقد بلغ عدد الطلبة في إقليمي الجزيرة والفرات فقط 320489 طالب/ـة.

ويواصل طلبة عفرين المقيمين في مقاطعة الشهباء تعلمهم رغم ظروف النزوح، ومحاولات النظام البعثي عرقلة سير نظام التعليم وإغلاق المدارس.

ويتعلم 13 ألف طالب وطالبة في 65 مدرسة في الشهباء وناحية شيراوا.

وأما جامعة روج آفا فتضم 820   طالباً وطالبة، فيما فاق عدد الطلبة الجامعيين في جامعة كوباني 40 طالباً وطالبة في الأقسام الخمسة.

يشير محمد حاجو عضو لجنة تدريب المجتمع الديمقراطي، إلى أن الإقبال الشديد والذي يزداد كل عام عن الآخر يبين ثقة الأهالي بالمنهاج التعليمي الذي يقتضي تعلم كل مكون بلغته الأم.

ANHA


إقرأ أيضاً