شربل: التانغو متعب مع ترامب وباهظ مع بوتين.. أيام أردوغان الذهبية انتهت

قال رئيس تحرير صحيفة الشرق الأوسط غسان شربل إن العلاقات الرجراجة لأردوغان جعلت تركيا تمر بانعطافات مفاجئة وتوتر في ظروف إقليمية معقدة ومشهد دولي يتَّسم بضبابية عالية, ما انعكس على الداخل حيث تلاحقت الأزمات التي جعلت السلطان يتلقى صفعة في إسطنبول لن تنساها الكتب, فيما قفز الرفاق من سفينته خوفاً من الغرق, ورغم هذا لا يريد أردوغان تصديق أن الأيام الذهبية قد انتهت.

تحدث الكاتب ورئيس تحرير صحيفة الشرق الأوسط غسان شربل حول الوضع التركي والخلاف بين أردوغان ورفاقه في حزب العدالة والتنمية والدور التركي في الأزمة السورية, مشيراً إلى لقائه مع الرئيس التركي عبد الله غول بعد أيام من انتهاء ولايته الدستورية.

وقال شربل "في أغسطس (آب) 2014 زرتُ الرئيس عبد الله غول بعد أيام من انتهاءِ ولايته الرئاسية، وتحدثنا عن الأزمة السورية التي كانت مُستعرة, تفادى المتحدث أي كلامٍ مباشر عن سياسة أردوغان هناك أو عن علاقته معه, خامرني شعورٌ أن الرجل يريد التقاط أنفاسه ولا يريد خوض معركة مبكرة مع رفيقه القديم هذا إذا كان يريد خوضها, وشعر غول أنه تباخلَ على الزائر بالإشارات، لهذا تعمّد أن يقول حين صافحته مودعاً: «في أي حال النبرة العالية لا تحل المشاكل لا في الخارج ولا في الداخل».

وكانت الرسالة صريحة وهي تقصد احتجاجه على أسلوب أردوغان في إدارة العلاقات مع الدول مستخدماً العبارات النارية كانتقاله من عبارة «صديقي بشار» إلى عبارة «الديكتاتور في دمشق», وربما كان غول يحرص على عدم الصدام باكراً مع رجل لم يعرف بتسامحه مع الرفاق الذين يغادرون السفينة ويحمّلون قبطانها مسؤولية ارتطامها بالصخور".

ويضيف الكاتب "عاودني السؤال عن سياسة أردوغان في سوريا بعد ثلاث سنوات, في سبتمبر (أيلول) 2017 ذهبت من الشرق الأوسط إلى إقليم كردستان وتيسَّر لي أن أقابل في مقر مكافحة الإرهاب في أربيل عدداً من المعتقلين من «تنظيم داعش» بينهم صيني وكازاخي وأميركي, حيث كان الخيط المشترك في رواياتهم أنهم قدموا إلى الأراضي التركية وتولت شبكات نقلهم من هناك إلى «دولة الخلافة»، حيث انخرطوا في صفوف «داعش»".

ويردف "لأنني ابن الشرق الأوسط بحساسياته وحساباته هالني أن تكون تركيا تتصرف كمن يلعب بالنار حين فتحت حدودها أمام آلاف المقاتلين الجوّالين وبذريعة «إسقاط نظام الأسد» ولم يخطرْ يومها في بال أردوغان أي هدية يقدم، ومن غير قصد، للرئيس الروسي الذي يفضِّل الانقضاض على المتشددين على المسرح السوري، بدلاً من دفع أثمان مواجهتهم على المسرح الروسي ومحيطه".

ويكمل شربل "نموذج آخر من السياسات الأردوغانية المُتعجلة, في ديسمبر (كانون الأول) 2008، استقبل أردوغان رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت, وخلال اللقاء انتقل أكثر من مرة إلى غرفة جانبية للاتصال بالأسد آملاً تحويل اللقاء الثنائي قمة ثلاثية, قبل ذلك كانت إسطنبول استضافت، في أحد فنادقها وفي طابقين منفصلين، وفداً سورياً وآخر إسرائيلياً في مفاوضات غير مباشرة. وكان أحمد داود أوغلو ينتقل بين الطابقين حاملاً أفكاراً وصياغات. لم تنجح المحاولة، وغادر أولمرت وسرعان ما اندلعت الحرب في غزة".

وحول التحول التركي يقول غسان شربل "استفاد إردوغان من اعتقاد جهات غربية أن «النموذج التركي يشكل جسراً لإبرام مصالحة بين الشعوب الإسلامية وقيم الحداثة». وتباهت أنقرة في تلك الأيام بقدرتها على التحدث إلى الجميع وفضلت التغاضي عن الهجوم الإيراني الواسع في الإقليم، معتبرة إيران مجرد «منافس» وليست «خصماً أو عدواً».

وتبدلت الصورة مع اندلاع حرائق «الربيع العربي». وتزايدت الشواهد على ما سماه المراقبون «برنامجاً تركياً - قطرياً بنكهة إخوانية» ظهر جلياً في الموقف مما عاشته مصر وليبيا وسوريا.

ولاحظ مراقبون في أوروبا أن امتداح النموذج التركي تضمن قدراً غير قليل من التسرع ومن نقص المعلومات حول السياسة العميقة لأردوغان، التي اختبأت سنوات تحت ابتسامة داود أوغلو وشعار «تصفير المشاكل»".

ويضيف "في الحلقة السورية سارت الرياح خلاف ما يشتهيه أردوغان, التدخل العسكري الروسي حسم مسألة بقاء الأسد, وهكذا تقلَّصت طموحات أنقرة السورية إلى إبعاد المسلحين الكرد عن حدودها, إسقاط تركيا الطائرة الروسية أوقعها في عملية تطويع روسية تتجاوز في أبعادها إقدام تركيا الأطلسية على شراء صواريخ «إس 400» الروسية وإغضاب واشنطن.

اهتمام روسيا بهذا الاختراق الذي حققته داخل حلف «الناتو» عبر البوابة التركية لم يدفعها إلى تقديم هدايا كبرى لأنقرة على الأرض السورية, موضوع نقطة المراقبة التركية المحاصرة خير دليل ومعه الغارات الجوية على إدلب.

واتبع الكرملين مع أنقرة أسلوب الهدايا الصغيرة لضمان الاستمرار في تعكير علاقتها مع أميركا.

وواشنطن التي باتت تراودها الشكوك في وفاء أردوغان للأطلسي اتَّبعت بدورها أسلوب الخطوات الصغيرة والهدايا المحدودة, تساير أنقرة في موضوع «المنطقة الآمنة» وتشارك فيه لوضع ضوابط للحركة التركية. هكذا بدت السفينة التركية حائرة بين الالتزامات القديمة حيال أميركا والأطلسي والالتزامات الجديدة حيال روسيا".

ويوضح "هذه العلاقات الرجراجة جعلت السياسة الخارجية التركية تتميز بالانعطافات المفاجئة والتوتر في ظروف إقليمية مُعقّدة ومشهد دولي يتَّسم بضبابية عالية, خير دليل تهديد أردوغان أوروبا بفتح الأبواب لإغراقها باللاجئين السوريين إذا لم تدفع المبالغ المناسبة, لغة غير معهودة في التخاطب بين الدول. انتقلت السفينة التركية من تصفير المشكلات إلى تصفير الصداقات. سادت لغة سوء التفاهم".

وحول تداعيات ذلك على الداخل التركي يقول شربل "ترافق ذلك مع انحسار موجة التفاؤل باستمرار الازدهار التركي, تراجعت العملة وتزايد تردد المستثمرين الأجانب, وجاء الأسلوب الثأري الذي عالج به أردوغان ما عرف بـ«انقلاب غولن», حملة تطهير واسعة تخطت الجيش إلى القضاء والإدارة والمدارس والجامعات. ووشوشات حول حملة تفجيرات «غامضة». جرحته إسطنبول حين رفضت أن تبايعه، فرض إعادة الانتخابات فيها فعمَّقت جرحه, لا يحق للسلطان أن يخسر إسطنبول, هذه الصفعة لا تنساها الكتب, تضاعفت شكوكه بأبرز الرفاق القدامى, استنتجوا أن مشكلة السفينة في قبطانها فبدأوا القفز منها قبل أن يطردهم, وها هم يستعدون لإطلاق حزب جديد".

ويختتم الكاتب والصحافي مقالته بالقول "يتمشى أردوغان متوتراً في القصر الشاسع’ التانغو متعب مع ترمب. والتانغو باهظ مع بوتين, لا يريد أن يصدق أن الأيام الذهبية قد انتهت".

(ي ح)


إقرأ أيضاً