زنار عفرين.. حقق ما تمناه وجعل من نفسه رمزاً للتضحية

في كل مرحلة من زمن ثورة روج آفا هنالك منعطفات رئيسة أثّرت على مسيرة الثورة، ومنها بدأت حقبة جديدة، إحدى تلك المنعطفات كانت مقاومة الشيخ مقصود التي سطّرها أبناء روج آفا بأحرف من ذهب، وفيها قدم المئات من أبناء الوطن دمائهم ليبقى الفضل لهم دائماً وأبداً في كل ما أُنجز.

زنار عفرين الذي نتحدث عنه اليوم كان أحدهم، أحد الذين كتبوا بدمائهم الطاهرة تاريخ هذا الوطن، ووقفوا ببسالة في وجه كل عدو مستبد حاول إحباط الثورة وهزم الإرادة الشعبية.

المناضل مصطفى عبدو، الاسم الحركي زنار عفرين فتح عينيه على الحياة في عام 1994 في مدينة حلب، وتعود أصول عائلته إلى قرية جولاقه التابعة لناحية جندريسة في مقاطعة عفرين، كبر وترعرع في كنف عائلة بسيطة وفي ظل ظروف مادية صعبة في حي الخالدية بحلب، تتكون عائلته من ثلاثة شبان وهو الولد الأكبر من بين أخوته.

في مطلع عام 2004 انتقلت عائلة المناضل مصطفى إلى حي الشيخ مقصود وأكمل دراسته في مدرسة الحي حتى وصوله إلى الصف السادس الابتدائي، حينها ترك المدرسة وتعلم مهنة "كومجي" لمساعدة العائلة التي كانت تعاني من ظروف مادية صعبة.

الانضمام إلى صفوف الثوار

مع تغلغل الأزمة السورية، التي بدأت كثورة في البداية ثم تحولت إلى أزمة وحرب كبيرة، إلى مدينة حلب، شارك مصطفى إلى جانب عدد من شبان حي الشيخ مقصود في واجب حماية الحي.

ومع تشكيل وحدات حماية الشعب في الحي، أراد مصطفى الانضمام، وأحب كثيراً مشاركة المقاتلين في وحدات واجب الدفاع عن الوطن، لكن الظروف العائلية لم تدعه يفعل ما يشاء.

وبعدما شنّت فصائل المرتزقة هجمات متكررة على حي الشيخ مقصود، وأودت بحياة العشرات من المدنيين العُزّل، لم يقف مصطفى مكتوف اليدين، وهبّ كشاب يحمل على عاتقه مسؤولية حماية أبناء وطنه للانضمام إلى وحدات حماية الشعب عام 2013، والتي تكفّلت حينها بحماية الحي والتصدي لهجمات المرتزقة.

الارتباط الذي جمع مصطفى مع المقاتلين في وحدات حماية الشعب لم يكن عادياً، لقد وصل كل شيء إلى مرحلة متقدمة من الوفاء والقيم الرفاقية النبيلة.

تتذكر حميدة محمد والدة "الشهيد مصطفى"، أنه: "في إحدى الأيام وعندما كان زنار في إجازة، أعددتُ له الطعام فقال لي ضعي الطعام في الوعاء سأذهب إلى نقطتي وسنأكله أنا وأصدقائي سوياً، وسألني حينها: "لماذا لم تسمحي لي منذ البداية الانضمام إلى وحدات حماية الشعب".

كان قوياً، وملامح وجهه وحركته تظهران هذه الصفة بوضوح، كانت تلك القوة ترافقه في جبهات القتال التي شارك فيها، يقاتل بقوة، يخدع الأعداء ويتقن استخدام عدة أنواع من الأسلحة.

لم يفوﱢت المشاركة في معركة واحدة، كان الأول في جبهة القتال، فحينما يقع اصطدام أو معركة عسكرية، فإنه لا يدع أصدقائه يقاتلون لوحدهم، وكان على الدوام إلى جوارهم في أصعب الأوقات.

كان متبنياً لأفكار قائد الشعب الكردي عبدالله أوجلان وارتبط بفلسفته ارتباطاً كبيراً، ويقول لأصدقائه حينما يتبادلون أطراف الحديث إن اجتمعوا: "يجب علينا أن نقدم الغالي والنفيس من أجل القائد(أوجلان) ولنكن أوفياء لشهدائنا ونحافظ على المكتسبات التي تحققت بفضل تضحياتهم".

تعلّق كثيراً بشقيقه الأصغر محمد والذي كان من ذوي الاحتياجات الخاصة، كان يسانده دائماً ولم يُشعره أبداً بالوحدة.

حقق ما تمناه

في الـ 20 من آذار/ مارس من عام 2016، عاد مصطفى في ساعات الظهيرة إلى المنزل وهو يرتدي بدلته الجديدة ويقول ممازحاً: "لقد أصبحتُ عريساً في هذه البدلة"، بعد ساعات أتى زنار بأكياس محملة بالحلويات وزّعها على جيرانه، وأعطى قطعتين من الحلويات لوالدته طالباً منها أن تقدمها لأخيه محمد وأوصته بالاعتناء به ورحل.

قبل خروج زنار من المنزل احتضن أمه بشدة وقال لها: "إن استشهدتُ فادفنوني بجوار ابن عمي "الشهيد مصطفى" بمزار الشهيد سيدو".

في اليوم ذاته، اشتدت المعارك في جبهة شارع المخابرات الذي يفصل حيي الأشرفية والشيخ مقصود، حينها أصيب صديق زنار برصاص المرتزقة، لم يستطع زنار الانتظار لتهدأ الاشتباكات حتى يساعد صديقه المصاب على أرض المعركة، بل سارع لإنقاذ صديقه لكن وعند مروره في الشارع استهدفه قناص من المرتزقة في رأسه وارتقى على إثرها لينال مرتبة الشهادة.

تقول والدته أنها لم تستطع النوم تلك الليلة، وبقيت تقف عند النافذة تنتظر عودة زنار، وعندما حلّ الصباح ذهبت إلى بيت شقيقها، وفي مساء ذلك اليوم سمعت نبأ استشهاده.

تعبّر والدته حميدة محمد عن فخرها بالطريق الذي سلكه ابنها، والتضحيات التي قدمها في سبيل أن يعيش شعبه وأهل حيه بحرية وسلام.

يقول تيريج غمكين المقاتل في وحدات الحماية الشعب وصديق المناضل "زنار"، إن صديقه كان دائماً يشدد على ضرورة سلك درب الشهداء والاقتداء بهم، لافتاً إلى أنه حقق ما تمناه.

ووري جثمان المناضل زنار عفرين الثرى في مزار الشهيد سيدو بجانب ضريح ابن عمه الشهيد مصطفى.

(ج)

ANHA


إقرأ أيضاً