رحلة جبهة النصرة للحفاظ على المصالح التركية

أسماء عديدة, ومع كل ظرف دولي زي جديد, وتكتيكات متقلبة, هذا ما تفعله جبهة النصرة في إدلب, تناغماً مع المطالب التركية.

هيئة تحرير الشام حالياً أو كما كانت تُعرف سابقاً باسم جبهة النصرة، تنظيم أتقن لعبة تبديل الخطاب والزي تماشياً مع الضغوط الإقليمية والدولية, فمرة يعلن تشدده كذراع للقاعدة في بلاد الشام ليعود ويهادن المجتمع الدولي, ومرة أخرى يساند المعارضة ليقوم بسحقها فيما بعد, كل ذلك لتحقيق مآرب بإقامة إمارة إسلامية تنعش أحلام السلطنة التركية.

ما إن أخذت الاحتجاجات الشعبية في سوريا طابعاً مسلحاً، وارتبطت بمصالح الدول الإقليمية والعالمية, حتى ظهر إلى الواجهة ما سُمي أبو محمد الجولاني في أواخر عام 2011, وبطلب من زعيم القاعدة قام بتشكيل ذراع للتنظيم في سوريا تحت اسم جبهة النصرة.

عبر أبو محمد الجولاني ومعه ستة من إرهابيي القاعدة الحدود إلى سوريا وهم "صالح الحموي, أبو ماريا القحطاني, أبو أنس الأردني, أبو جليبيب الأردني, أبو عمر الفلسطيني, وأنس حسن خطاب"، في صيف 2011.

بداية رحلة النصرة وقائدها..

قبل الغوص في قصة جبهة النصرة ومراحل نموها, يجب علينا أن نعرف من أين نشأ هذا التنظيم وكيف وضعت أساساته, والتي لا زال الكثير يهملها, ويفصل بين داعش والنصرة, إلا أنه في الحقيقة, التكوين كان مصدره واحد.

كعادتها الحدود السورية العراقية والتي تتسم بمساحتها الشاسعة كانت سهلة ومنذ القدم على المجموعات العابرة للحدود, من مهربي المواد الممنوعة إلى الجهاديين الذين سلكوا هذه المرة ذات الطريق لكن بشكل عكسي, فسابقاً كانت هذه المجموعات تذهب إلى العراق بحجة قتال الأميركيين إثر اجتياح بغداد, لكن هذه المرة باتت سوريا وجهة هذه التنظيمات.

في ظلمة إحدى ليالي عام 2011 تجمّع أشخاص من إرهابيي تنظيم القاعدة تحت إمرة المدعو أوس الموصلي ودخلوا إلى سوريا، وعلى عكس رفاقه الذين كانوا معروفين لأجهزة الاستخبارات الإقليمية والدولية كأبو جليبيب وأبو ماريا القحطاني, لمن يكن الموصللي معروفاً بل كان شخصاً غامضاً لا يعرفه أحد.

كانت تهدف رحلة الصحراء هذه إلى نقل تجربة داعش في العراق إلى سوريا, فالموصللي الذي سُجن كما أبو بكر البغدادي زعيم داعش في سجن بوكا الأميركي, خرج وكُلف بنفس المهمة حيث تقاسم الاثنان مناصب التنظيم وأصبح البغدادي أمير داعش بينما أوكل إلى الموصللي منصب والي نينوى.

الجولاني والبغدادي.. أمراء حرب واحدة لكن بطرق مختلفة

لم يكن يعرف هاذان الشخصان بأن دخولهما إلى سوريا والذي جعلهما يتصدران نشرات الأخبار وقوائم الإرهاب العالمية سيدفعهما للانشقاق عن بعضهما تنظيمياً لكنهما بقيا يعملان بنفس التفكير وذات الخطط.

وأصبح كل منهما أمير حرب على ضفته, فالبغدادي أصبح زعيماً لداعش, والموصللي غير اسمه عدة مرات ليصبح أبو محمد الجولاني في النهاية.

البغدادي والجولاني يحملان نفس التفكير والإيديولوجيا إلا أنه وأثناء دخولهما الأراضي السورية وبحسب المصادر اختلفا حول طريقة وأسلوب الحكم والعلاقات الدولية حيث سعى البغدادي لإعلان أفكاره المتطرفة ومعادته كل دول العالم, فيما عمل الجولاني على مهادنة الغرب والمعارضة لتحقيق أهدافه.

وكشف القيادي المنفصل عن جبهة النصرة المدعو أبو صالح الحموي أن الجولاني شدّد على توطيد العلاقة مع تركيا والسير بتوجيهاتها وذلك بحسب قول الجولاني أنها توجيهات من أمير القاعدة أيمن الظواهري الذي طالب أنصاره في سوريا بعدم استهداف المصالح التركية.

مسار النصرة ما بين القاعدة و(الثورة) حسب التفاهمات الدولية

كما قلنا في البداية بأن تنظيم النصرة كان يتغير حسب الأوضاع السياسية الدولية والإقليمية, ومن خلال ذلك يتبين بأن تحركات النصرة الذكية لم تأتي من وحي أمرائها إنما كانت نابعة من توجيهات استخباراتية تركية.

وظهر الجولاني في أول مقابلة له(لم يتم الكشف عن وجهه) عام 2013، ورسم خلالها صورة جماعته على أنها امتداد للحركة الجهادية العالمية التي وبحسب كلامه "نهضت لتحكيم شرع الله في أرضه" ووضع أسس علاقة جماعته مع المجتمع السوري الذي وصفه بالقول "كان فيه من الخير الكثير، لكن كان ينقصه المحرّض والمرشد والداعي"، كما لمّح إلى نيتهم التدخل في لبنان.

لكن خطابه هذا تحول في مقابلة أخرى له أواسط عام 2016(كشف عن وجهه) حيث لم تتعدى خططه حدود إدلب وأرياف حماة وحلب فيما بات يسمى مناطق منزوعة السلاح بحسب اتفاق روسيا وتركيا في أيلول/سبتمبر 2018, كما غابت عن كلماته وصف عناصره "بالمجاهدين".

قفز بين الضفاف.. مرافقة(المعارضة) وسحقها فيما بعد

بعد أن استفاد الجولاني من اسم تنظيم القاعدة وحصد القوة والنفوذ وأغرى الحالمين بإقامة إمارة إسلامية, وباتت النصرة أقوى المجموعات في الأراضي السورية, واللعب على طموح كارهي الغرب بوصفه "الغرب الكافر", إلا أن تحول النصرة إلى جبهة فتح الشام, ومن ثم تحرير الشام، حمل الكثير من التغيرات والمناورات السياسية.

كانت أبرز التغييرات التي طرأت على جبهة النصرة رميها للواء القاعدة، وخروجها بمظهر جديد, ففي تموز من العام 2016 أعلن الجولاني انفصال "جبهة النصرة" عن القاعدة، وأصبح اسمها "جبهة فتح الشام".

في تلك الفترة شهدت الساحة السورية تصعيداً عسكرياً على عدة جبهات, وبدأ الحديث عن نية الولايات المتحدة وروسيا توجيه ضربات لمرتزقة جبهة النصرة, خصوصاً بعد أن صنّفت واشنطن "النصرة" على أنّها "منظمة إرهابية" وبدأ طيران الروسي يستهدف مقرّات تابعة لها في حلب وإدلب, ما زاد الضغط على تركيا. وإثرها غيّرت جبهة النصرة اسمها إلى جبهة فتح الشام.

إلا أن واشنطن عبّرت عن عدم اقتناعها بما حدث وقالت "إن هذه الحيلة لن تنطلي على أحد، وأنها تنتظر أفعالاً لا أقوالاً".

مبادئ الجبهة الجديدة لم تختلف أبداً عما كانت أعلنته النصرة منذ بداية ظهورها على الساحة السورية خلال عام 2012، فهي ما زالت مصرة على "إقامة إمارة إسلامية"، ولكنها لا تريد ربما حالياً، أن تكون شبيهة بداعش.

وعندما كانت المعارضة السورية تتلقى دعماً غربياً, استغلت النصرة ذلك وكانت تحابيها ودعتها لتوحيد الصفوف, لكن هذه الحال لم تدُم طويلاً، إذ انقلبت "تحرير الشام" على الفصائل في يومٍ وليلة، وبدأت بسحقها أو طردها من إدلب أو إجبارها على الاستسلام واحدة تلو الأخرى.

تحرير الشام.. نسخة محدّثة من تنظيم القاعدة بإشراف تركي

تزايد الضغط الدولي على تركيا بخصوص جبهة النصرة والإرهابيين الأجانب، الذين يقاتلون في صفوفها, وخصوصاً بعد اتفاق سوتشي بين روسيا وتركيا, حيث صعّدت الأولى غاراتها على جبهة فتح الشام, إذ يشير الاتفاق الروسي التركي إلى أن الهدنة التي أُقرت تستثني الجبهة كما داعش.

ورأت تركيا بأن الحل الأقرب لها ولمرتزقة فتح الشام هو اللعب مجدداً وبنفس التكتيك وإحداث نسخة جديدة تحت اسم هيئة تحرير الشام, وذلك ضمن مساعي النصرة منذ البداية بتجاوز عقدة وضعها على قوائم الإرهاب, وهذا ما يخدم الأجندة التركية.

تركيا تسعى من ذلك لإيجاد موطئ قدم لها في سوريا عبر ما تسمى "حكومة الإنقاذ" التابعة لمرتزقتها في إدلب, ومن خلال ذلك البقاء في اللعبة السورية بالاستفادة أيضاً من الاتفاق مع روسيا.

واستغلت تحرير الشام اتفاق ما سُمي خفض التصعيد, وضمنت عدم مهاجمة النظام لها بضمانة روسية, وأخذت على عاتقها القضاء على كل التنظيمات الأخرى, واستفردت بالسيطرة على مناطق منزوعة السلاح.

اللعبة التركية في "منزوعة السلاح" إلى أين؟

يبقى الغموض سيد الموقف في مناطق ما باتت تسمى منزوعة السلاح, حيث وصلت اللعبة التركية إلى طريق مسدود، ففي تلك المنطقة التي تسيطر جبهة النصرة على 90 % من مساحتها، يوجد فيها 12 نقطة تركية تحت اسم "نقاط المراقبة"، أي أن القوات التركية تتحرك في منطقة خاضعة لسيطرة جبهة النصرة، وتحت حمايتها ومنها تنطلق الهجمات على قوات النظام.

في الحقيقة سعت تركيا لإقامة منطقة نفوذ لها قريبة إلى حدودها, لكن لا تستطيع أن تستثمر ذلك سياسياً, فهي لا تستطيع إقناع الولايات المتحدة بالقبول بخطتها في تلك المناطق وخصوصاً في ظل خلاف بين الطرفين حول الملف السوري برمته, ولا تستطيع إقناع روسيا القبول بهؤلاء المرتزقة وإدخالهم في ما تسمى اللجنة الدستورية, إذاً على تركيا أن تبحث عن حل جديد.

لا توجد خيارات كثيرة متاحة لتركيا, فهي تبحث عن بازارات سياسية وتسعى لإقناع واشنطن وروسيا بدعم عدوانها في شمال وشرق سوريا شريطة إنهاء هؤلاء المرتزقة, وإن لم يكن ذلك ترغب أن تُبقي هذه المناطق تحت سيطرتها, إلا أن روسيا عبّرت مراراً عن امتعاضها من المماطلة التركية بتنفيذ الاتفاقيات بخصوص هذه المناطق.

قبل أيام بايعت مجموعة تدعى "سرايا خالد ابن الوليد" داعش, بالتزامن مع لقاءات بين ما يسمى الائتلاف التابع لتركيا مع روسيا, وغزل مسؤولي الائتلاف بروسيا بعد أن كانوا يصفونها بقاتلة الشعب السوري, والسؤال هنا هل هذا نتيجة اتفاق روسي تركي على إنهاء تحرير الشام بتحويلها لداعش, وإعطاء الضوء الأخضر للنظام بمهاجمة إدلب, واكتفاء تركيا بدور سياسي لمرتزقتها في الائتلاف خصوصاً مع التصريحات الأخيرة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي قال "علينا مواصلة محاربة الإرهابيين في إدلب السورية. لا أستبعد عملية شاملة في إدلب لكن هذا ليس ملائماً الآن".

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً