داعش .. من البداية إلى النهاية ومجموعات ممولة تركياً تحمل ذات الذهنية - 1

انبثق داعش في العراق من رحم تنظيم القاعدة مستفيداً من الأوضاع التي مرت بها المنطقة والتدخل الأمريكي في العراق والتفرقة الطائفية التي سعت أطراف إقليمية إلى تغذيتها. ومرّ بالعديد من المراحل حتى وصل إلى داعش وتولى قيادته العديد من عناصر القاعدة الذين حاربوا في أفغانستان حتى تولي أبو بكر البغدادي.

داعش .. الذهنية والمؤسسين

حسن رمو/مركز الأخبار

لم يكن أحد يتوقع أن يخرج تنظيم يستطيع أن يتجاوز القاعدة وأن يسيطر على مساحات واسعة من الأراضي وينتشر في دول عديدة، ويرتكب المجازر في مختلف أصقاع الأرض. ولكن داعش خالف كل التوقعات وأصبح خلال فترة قصيرة تنظيماً يخشاه العالم أجمع. والسؤال الذي يطرح نفسه، من أين ظهر داعش وما هو الفكر الذي يعتنقه ومن تولى زعامته حتى وصل إلى الشكل الذي عرفناه في الوقت الحالي. وفي هذا الملف سنتطرق إلى مراحل تطور داعش وزعماءه وفكره.

البداية ومناطق النشاط

منذ تأسيسه عام 2003 على يد القيادي في القاعدة أبو مصعب الزرقاوي، غيّر داعش اسمه عدة مرات، إذ تشكل في البداية تحت اسم "جماعة التوحيد والجهاد"، وذلك في أيلول/سبتمبر من عام 2003، بعد التدخل الأمريكي في العراق اعتباراً من 19 آذار/مارس 2003، وحارب الزرقاوي القوات الأمريكية في العراق، كما شن هجمات على الشيعة في البلاد وهذا كان سبب الخلاف بينه وبين قادات القاعدة وخصوصاً أسامة بن لادن، إذ أن قادات القاعدة كانوا يخشون أن يرتد الهجوم على الشيعة بشكل سلبي عليهم.

أبو مصعب الزرقاوي المعروف باسم "أحمد فضيل نزال الخلايلة المولود في 30 تشرين الأول/أكتوبر 1966"، والمنحدر من مدينة الزرقاء الأردنية، توجه إلى أفغانستان أواخر الثمانينيات من القرن الماضي وتلقى تدريبات عسكرية هناك والتقى أسامة بن لادن زعيم القاعدة، وأعلن في تشرين الأول/اكتوبر من عام 2004، البيعة لتنظيم القاعدة، وغيّر اسم جماعته إلى "تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" والذي عرف بين الأهالي باسم "تنظيم القاعدة في العراق".

وبغية تقوية "تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين"، جمع أبو مصعب الزرقاوي بقية المجموعات المسلحة التي كانت تنشط في المحافظات العراقية السنية "الأنبار، نينوى، كركوك، صلاح الدين، وأجزاء من بابل، ديالى وبغداد، وكانت تتخذ من بعقوبة عاصمة لها"، وشكل ما يسمى "مجلس شورى المجاهدين في العراق".

من هو المؤسس الحقيقي ؟

بحسب الكاتب المتخصص في قضايا الإرهاب ومؤلف كتاب "داعش: داخل جيش الإرهاب"، حسان حسان، الذي كتب مقالاً لمجلة The Atlantic الأميركية، فإن هناك رجلاً عراقياً كان هو بمثابة القوة الخفية التي تقف وراء تشكل داعش.

ويقول الكاتب "يمكن القول إنَّ أصول داعش قد أُرسِيَت قبل فترة طويلة من الغزو الأميركي، وإن كان ثمَّة مسؤول عن أسلوب إدارة الجماعة فهو عبدالرحمن القادولي، وهو عراقي ينحدر من مدينة نينوى، وعُرِف باسمه الحركي أبوعلي الأنباري، وليس الزرقاوي. إذ إنَّ الأنباري، كان الرجل الثاني في تنظيم القاعدة بالعراق بعد الزرقاوي، هو من يُنسَب له وضع نهج داعش بدرجة لا يضاهيه فيها أحد، وكانت سلطته أكثر منهجية وأطول أمداً وأعمق عن سلطة الزرقاوي".

وحصل الكاتب على الأدلة التي تثبت ذلك من خلال وثيقة تتألف من 93 صفحة، تؤرِخ لحياة الأنباري. إذ كتب عبدالله، نجل الأنباري السيرة الذاتية لوالده ليستفيد منها داعش، التي بدورها نشرت أجزاءً منها في المجلة العربية الأسبوعية الخاصة بها، النبأ، عام 2016، أي بعد فترة وجيزة من مقتل الأنباري.

وذكر عبدالله أنَّ السيرة الذاتية استندت إلى 16 عاماً من العمل بشكل وثيق مع والده، إضافة إلى مذكرات احتفظ بها الأنباري، وروايات مباشرة من زملاء الأنباري في داعش. ويقول الكاتب حسان حسان: «إلى جانب السيرة الذاتية التي قدمها عبدالله، اعتمد في هذا المقال على سلسلة من المحاضرات التي قدمها الأنباري في عامي 2014 و2015، وملاحظاتي من مقابلات أجريتها مع أعضاء داعش ومعارضين سوريين». ومن من الواضح أنَّ الزرقاوي هو من تأثر على الأرجح بالأنباري وليس العكس، حسبما خلص الكاتب.

من هو عبدالرحمن الأنباري ؟

ولد الأنباري في شمالي العراق عام 1959 لعائلة تركية، ونشأ وسط أجواءٍ متدينة. ودرس الشريعة في معهد في مدينة تلعفر شمالي العراق. وتخرج في جامعة بغداد عام 1982، بشهادة في الدراسات الإسلامية، وارتاد الجامعة مع زعيم داعش الحالي أبو بكر البغدادي. وخدم في الجيش العراقي مدة 7 سنوات وشارك في الحرب الإيرانية العراقية واكتسب القدرات العسكرية، وبعد إنهاء خدمته قام بتدريس الشريعة في بلدة صغيرة متعددة الأديان والأعراق تُسمَى مجمع برزان.

وفي التسعينيات عاد إلى تعفر وفي هذا العقد عاد مجدداً إلى شمال العراق وانضم إلى منظمات جهادية كردية "أنصار الإسلام" وعندما قَدم أبو مصعب الزرقاوي إلى شمالي العراق من أفغانستان في ربيع عام 2002، التقى به الأنباري بعد شهر من ذلك في بغداد.

وبعد ذلك بدأ الأنباري بالاستعداد للتمرد من حيث التمويل والرجال والأسلحة واستفاد من أبو مسلم التركماني العقيد في جيش صدام حسين، إذ أصبح التركماني الرجل الثالث في قيادة داعش بالعراق لاحقاً.

ومع إعلان الزرقاوي المبايعة للقاعدة، أصبح الأنباري نائباً للزرقاوي، وتوجه الأنباري إلى باكستان عام 2005 وعند عودته وتشكيل ما يسمى مجلس شورى المجاهدين في العراق في كانون الثاني/يناير 2006 تولى الأنباري رئاسة هذا المجلس واستخدم اسمه الجديد عبد الله رشيد البغدادي.

ومع تولي أبو بكر البغدادي زعامة داعش، كلف الأنباري بالتواصل مع القاعدة تحت اسم أبو صهيب العراقي، كما تولى مهمة الترويج الإيديولوجي لداعش وبإشرافه تم الحكم على الطيار الأردني معاذ الكساسبة بالموت حرقاً.

وفي وقت لاحق، عَيَّن البغدادي الأنباري المسؤول المالي في المجموعة، وهي وظيفة انطوت على إجراء رحلات مستمرة بين العراق وسوريا. وفي مارس/آذار 2016، وفي إحدى تلك الرحلات المتكررة، قُتِلَ الأنباري بالقرب من مدينة الشدادي السورية، على طول الحدود مع العراق. ووفقاً للسيرة الذاتية، شنَّ الجنود الأميركيون غارةً في محاولة لقتله، لكنَّه فجَّر نفسه بحزام انتحاري.

مقتل أبو مصعب الزرقاوي

في يوم الـ 7 من حزيران/يونيو من عام 2006، قتل أبو مصعب الزرقاوي وذلك في غارة جوية أمريكية على منزل كان يتواجد فيه الزرقاوي بالقرب من بعقوبة في محافظة ديالى العراقية، ويقال إنه تم استعمال 500 رطل من المتفجرات في الغارة الجوية.

دولة العراق الإسلامية

بعد عدة أشهر من مقتل أبو مصعب الزرقاوي وتحديداً في 13 تشرين الأول/أكتوبر من عام 2006، أعلنَ مجلس شورى المجاهدين عن تأسيس دولة العراق الإسلامية والتي ضمّت حينَها 6 محافظات عراقية: بغداد، الأنبار, ديالى، كركوك، صلاح الدين، نينوى وأجزاء أخرى من محافظة بابل كما تمّ تعيين أبو عمر البغدادي في منصب أمير المنظمة الجديدة.

والاسم الحقيقي لـ "أبو عمر البغدادي" هو "حامد داود محمد خليل الزاوي" الذي كان يعمل في سلك الأمن بالعراق ولكنه أصبح مطارداً من نظام صدام حسين بعد عام 1985 نظراً لتوجهاته المتشددة. وكان أبو عمر أميراً لما يسمى بـ "جيش الطائفة المنصورة" ثم بايع تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، واختير خلفاً لأبو مصعب الزرقاوي تحت اسم أبو عبد الله الراشد البغدادي في تولي قيادة دولة العراق الإسلامية.

وبعد ذلك بشهر أعلن أبو أيوب المصري زعيم مجلس شورى المجاهدين عن حلّ المجلس لصالح دولة العراق الإسلامية. وفي نيسان/أبريل من عام 2007؛ حصلَ أبو أيوب المصري (المعروف أيضاً باسم أبو حمزة المهاجر) على رتبة وزير حرب داخل دولة العراق الإسلامية.

وأبو أيوب المصري اسمه الحقيقي هو عبدالمنعم عز الدين البدوي، مصري سافر إلى السعودية ومنها إلى افغانستان وصاحب أبو مصعب الزرقاوي وهناك في افغانستان تعرض للقصف بعد هجمات أيلول/سبتمبر.

مقتل أبو عمر البغدادي وتولي أبو بكر البغدادي

وقتل أبو عمر البغدادي وأبو أيوب المصري معاً في نيسان/أبريل عام 2010، وهناك روايتان عن عملية القتل، إذ قال نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي حينها، في 19 نيسان 2010 إن أبو عمر البغدادي وأبو أيوب المصري قتلا في عملية استخباراتية في منطقة الثرثار في محافظة صلاح الدين شمال بغداد.

في حين قالت دولة العراق الإسلامية إن البغدادي والمصري كانا في منزل بمنطقة الثرثار يتجهزون للاجتماع بجماعة جيش أبو بكر الصديق، وصادف ذلك مرور دورية للجيش العراقي بالمنطقة فحدث اشتباك بين الطرفين تدخلت فيه المروحيات الأمريكية وقصفت عدة منازل بالمنطقة كان بينها المنزل الذي يتواجد فيه البغدادي والمصري. وأعلنت أيضاً الهيئة الشريعة بدولة العراق الإسلامية، نبأ مقتل أبو عمر البغدادي.

وبعد مقتل أبو عمر البغدادي، أعلن "مجلس شورى المجاهدين" لاحقاً عن تولي أبو بكر البغدادي إمارة دولة العراق الإسلامية.

من أين يستمد داعش فكره

يعد كل من عالم الدين البارز أحمد بن حنبل (780 إلى 855) الذي أسس أحد المذاهب السنية الأربعة في الفقه الإسلامي، والإمام ابن تيمية الذي جاء بعد خمسة قرون من بن حنبل، ولقي حتفه في السجن بدمشق، الأبوين الروحيين لمن جاء بعدهم من مفكرين وما ظهرت من حركات، عرفت لاحقًا باسم "المذهب السلفي"، الذي يدعو للعودة إلى منهج السلف الصالح.

وأثّر الشيخان في محمد بن عبد الوهاب المولود في نجد السعودية عام 1703، وهو الذي ذو اتجاه أكثر تزمتًا وصرامةً من ما كان يرى أنها العقيدة الأصلية، وطورها، وسعى إلى نشرها بإبرام مواثيق مع أصحاب السلطة السياسية والعسكرية.

ولكنّ ثمة رجلٌ استحضر الفكر السلفي إلى القرن العشرين هو المفكر المصري سيد قطب المولود عام 1906 بصعيد مصر الذي أعدمته السلطات المصرية عام 1966 بعد ادانته بالتآمر مع الأخوان المسلمين لاغتيال جمال عبد الناصر. فقد عمل قطب على توفير جسر بين فكر عبد الوهاب وأسلافه وبين جيل جديد من الجهاديين، ممهدًا السبيل لظهور تنظيم القاعدة وكل ما تلاها فيما بعد.

ويرى سيد قطب، أن الجهاد ضد الغرب وعملائه في المنطقة هو السبيل الوحيد لاستعادة العالم الإسلامي، وكان هذا في جوهره، نوعاً من القبول لفكرة "التكفير"، التي لا تسوغ قتل مسلم فحسب، بل تجعل قتله فرضًا يثاب فاعله.

وقال هشام الهاشمي الخبير العراقي في الحركات الإسلامية، موجزًا جذور داعش وغيره من المجموعات التي سبقته: "إنهم يستندون إلى أمرين: عقيدة تكفيرية يستمدونها من كتابات محمد بن عبد الوهاب، ومنهجيًا، الطريق الذي رسمه سيد قطب".

غداً: داعش والتمدد من العراق إلى سوريا مستفيداً من الدعم التركي

(م ح)

ANHA


أخبار ذات صلة