حي الشيخ مقصود.. نموذج للحماية الذاتية

خلال تاريخ البشرية اعتُبرت الحماية والدفاع عن النفس واجباً أخلاقياً أساسياً، ولأجل تحقيق وأداء هذا الواجب سلك الإنسان مختلف السُبُل من أجل حماية قيمه ضد أي اعتداء أو هجوم.

تتمتع جميع الكائنات الحية ببنى ووسائل للدفاع عن حياتها وبقائها ضد أي خطر يواجهها. وخلال مسيرة التاريخ البشري اعتُبر الدفاع الذاتي والدفاع عن النفس واجباً أخلاقياً بالنسبة للأفراد والمجتمعات، وسلكوا مختلف السبل لتحقيق ذلك.

مقاومة حي الشيخ مقصود في حلب، والتي امتدت من عام 2012 إلى عام 2016، ضد هجمات المجموعات المرتزقة تُعتبر أحد الأمثلة الحية على الحماية الذاتية.

خلال الهجمات التي تعرضت لها معظم أحياء حلب، سلك أهالي حي الشيخ مقصود مختلف السُبُل واتخذوا العديد من الوسائل لحماية الحي وحماية أنفسهم، ويمكن القول إن كافة فئات المجتمع استنفرت وشاركت في تنظيم هيكلية الدفاع الذاتي في الحي.

وفي سياق هذا الملف نستعرض مساعي وكفاح أهالي حي الشيخ مقصود وفق مبادئ الدفاع الذاتي ضد مرتزقة الاحتلال التركي وقوات النظام والموالين له.

موجز تاريخ حي الشيخ مقصود

بُني حي الشيخ مقصود على تلة استراتيجية، تُطل على معظم أحياء مدينة حلب. ويعتبر هذا الحي أحد أكبر أحياء المدينة، يحده من الغرب حي الأشرفية، وتبلغ مساحة الحي المأهولة بالسكان حوالي 4 آلاف متر مربع.

وبحسب الإحصاء السكاني لمدينة حلب لعام 2010 يبلغ عدد سكان حيي الشيخ مقصود والأشرفية حوالي 800 ألف نسمة، ورغم وجود سكان من المكوّنين العربي والتركماني إلا أن الكرد يُشكلون غالبية سكان الحي.

تنظيم الشعب

مع بداية الأزمة السورية في ربيع عام 2011 تعرض حي الشيخ مقصود ابتداءً من عام 2012 لهجمات عنيفة من قبل قوات النظام السوري والمجموعات المرتزقة التابعة للدولة التركية.

وأدرك أهالي الحي ضرورة العمل على حماية أنفسهم وحيهم وأن الدفاع الذاتي بات من أساسيات الحياة، واعتبروا أن الهجمات التي تستهدف الحي تُشكل خطراً على حياتهم ووجودهم، لذلك باشروا بتأسيس قوات الدفاع الذاتي في الحي.

النظام السوري اعتبر أن تنظيم أهالي حي الشيخ مقصود يُشكل خطراً على بقاء النظام هناك، وعليه بدأ بتحريض مجموعات موالية للنظام للهجوم على الحي.

وبناء على أوامر من النظام هاجم المرتزقة الموالين حي الشيخ مقصود، إلا أن الهجمات جُوبهت بمقاومة عنيفة من قبل أهالي الحي.

وخلال هذه المقاومة تمكّن أهالي الحي من حماية العاملين في فرن الحي، وخلال تلك المقاومة شاركت عضوة اتحاد ستار (مؤتمر ستار حالياً) كلي سلمو في المقاومة واستشهدت برصاص المرتزقة في 13 آذار.

بعد تلك الحادثة تأسست لجان للحماية الذاتية، لكن الأهالي لم يكونوا يملكون سوى القليل من الأسلحة والقنابل اليدوية.

ورغم الإمكانيات القليلة فإن الأهالي تمكنوا من خلال لجان الحماية من طرد أتباع النظام من الحي، ومنذ ذلك التاريخ دافع الأهالي عن بعضهم ضد جميع الهجمات التي تعرض لها الحي خلال سنوات، وتحولت هذه المقاومة إلى نموذج يُحتذى به في الدفاع والحماية الذاتية.

نموذج للتنظيم والمقاومة الشعبية

في الفترة الممتدة من نهاية عام 2012 إلى شباط عام 2016، كان الحي هدفاً لهجمات متواصلة من قبل مرتزقة النظام.

واكتسب الأهالي المزيد من التجارب خلال التصدي لهذه الهجمات وصدها، في تلك الفترة كان الحي يتعرض للهجمات من جميع النواحي من قبل المجموعات المرتزقة التي كانت تستخدم الأسلحة الثقيلة والأسلحة المحظورة دولياً.

ولمواجهة هذه الهجمات كان الشباب وكبار السن مستنفرين ومنتظمين في لجان الحماية الذاتية، وانضموا بشكل فعّال للمؤسسات التنظيمية والمدنية والاجتماعية ومؤسسات الحماية.

ورغم الحصار الخانق نظّم الأهالي صفوفهم وفق مبادئ الحرب الشعبية، ولم يستسلم الأهالي للحصار ولا للهجمات الشرسة والعشوائية، فقد تمكنوا من تأمين ما يكفي لسد رمقهم واستمرار الحياة، حيث زرع الأهالي الخضار في المنازل وصنعوا الطحين لأجل إعداد الخبز بطرق بدائية.

كما عمدوا إلى استخدام الحطب والأخشاب وأحياناً البلاستيك لأجل التدفئة في فصل الشتاء.

بعد بدء الحصار والهجمات على الحي، بدأت المجموعات المرتزقة بالهجوم على الحي بشكل وحشي واستهدفوا المدنيين، وجراء هذه الهجمات استشهد العشرات من الأهالي معظمهم من النساء والأطفال، ومن جهة أخرى، واصل مقاتلو ومقاتلات وحدات حماية الشعب والمرأة ولجان الحماية التصدي للهجمات وسطّروا ملاحم بطولية خلال هذه المعارك.

وبناء عليه أعلنت حركة المجتمع الديمقراطي والأهالي النفير العام للدفاع عن الحي، وحمل جميع الأهالي السلاح وانضموا إلى المعارك إلى جانب مقاتلي ومقاتلات وحدات حماية الشعب والمرأة.

انضم النساء والرجال إلى المقاومة، كل بحسب دوره وإمكانياته وتصدوا للهجمات، بعضهم كان يساعد في نقل الجرحى إلى المشافي، النساء اللواتي لم يشاركن في جبهات القتال كن يُعددن الطعام للمقاومين في الجبهات، وكما عملت أخريات على معالجة الجرحى، ومع كل هذه المعارك لم يغب صوت زغاريد الأمهات عن حي الشيخ مقصود.

القصف الكيمياوي

تعرض حي الشيخ مقصود في عام 2016 للقصف الكيمياوي ثلاث مرات من قبل المجموعات المرتزقة التابعة للاحتلال التركي، الأولى كانت في 8 آذار، والثاني في 7 نيسان والثالثة في 8 نيسان من نفس العام، وخلّف القصف العديد من القتلى والمصابين، ورغم حدة الهجمات على الحي إلا أن مقاومة الأهالي تصاعدت واستمرت، ومنذ اليوم الأول سجّلت مقاومة الشيخ مقصود اسمها في صفحات التاريخ.

استخدام الملاجئ الأرضية

الأهالي القاطنين في المنازل المؤلفة من طابق واحد كانوا الأكثر عرضة لقنابل ومدافع المرتزقة، حيث كانت القذائف تتساقط فوق منازلهم.

الأهالي الذي دُمّرت منازلهم استخدموا الأقبية الأرضي لحماية أنفسهم، ورغم الحالة السيئة لتلك الملاجئ الأرضية إلا أنها كانت غالباً تضم عدة عوائل، مما ساهم في حماية الأهالي نوعاً ما من الهجمات.

خلال الهجمات دُمرت منازل العديد من الأهالي، لذلك كان الأهالي ينتقلون من منزل إلى آخر، واختاروا البقاء والصمود في الحي.

الإدارية في قوات الحماية المجتمعية نسرين رشيد التي انضمت إلى القوات خلال المقاومة تحدثت عن تلك الفترة "عانى الأهالي من الضغوطات والاعتقالات التي مارسها النظام، ولكن بعد التجارب التي مرت على الأهالي واكتساب الخبرات تمكنوا من إبعاد الخطر عن الحي ويعيشون الآن في أمان".

وسط القصف وأصوات المدافع، تعلم اللغة الكردية في الملاجئ

لم تقتصر مقاومة أهالي الشيخ مقصود على الجانب العسكري فقط، بل امتدت إلى مختلف مناحي الحياة الأخرى، إلا أن المثال الأبرز لهذه المقاومة تمثل في الإصرار على تعلم اللغة الكردية في الملاجئ، لأن الهجمات استهدفت بالأساس لغرض السيطرة على المجتمع وإبعاده عن قيمه وثقافته.

خلال هجمات المجموعات المرتزقة تضرر مركز مؤسسة اللغة الكردية بشكل كبير، ورغم ذلك لم يتوقف التعليم باللغة الكردية وسط الهجمات والقصف، وأصرّت المؤسسة على مواصلة جهودها، وبدأت بتنظيم دورات تعلم اللغة الكردية في الملاجئ لكل مستويات اللغة الكردية.

وفي تلك الفترة أيضاً توجّه عدد من المعلمين إلى جبهات القتال للتصدي لهجمات المرتزقة حيث وقفوا إلى جانب مقاتلي وحدات حماية الشعب والمرأة، كما توجّه عدد منهم إلى النقاط الطبية لأجل المساعدة في معالجة الجرحى.

إصرار أهالي حي الشيخ مقصود على مواصلة تعليم لغتهم وسط الحرب يُعتبر مثالاً يحتذى به على مستوى العالم في الدفاع والحماية الذاتية. لأنه تعلم اللغة وهو شكل من أشكال النضال ضد مساعي الصهر الثقافية والقومي.

الأهالي يواصلون حماية الحي رغم الصراعات المستمرة

رغم انتهاء سنوات الحرب، إلا أن صراع الأطراف من أجل توسيع مناطق النفوذ لا زال مستمراً، إلا ن أهالي حي الشيخ تمكنوا من تنظيم شؤونه، وتأسيس جو من الأمان والاستقرار في الحي، ويواصل الدفاع عن الحي ومحيطه.

وتواصل لجان الحماية في الكومينات واللجان التابعة لقوات حماية المجتمع انتشارها في كل شوارع وأزقة الحي لحمايته من الفوضى والسرقات، كما تحافظ قوات الأمن الداخلي على أمن الحي.

وفي النتيجة فإن من الواضح أن الحماية الذاتية تعتبر من أولويات المجتمعات والأفراد، ولكن من الأهمية بمكان إدراك حقيقة أن الحماية الذاتية ضد جميع أشكال الاعتداءات والحرب الخاصة، لا تنحصر فقط بالعمل العسكري.

الحماية الذاتية تشمل العمل العسكري وكذلك حماية جميع القيم المعنوية، وابتكار مختلف الأساليب لتحقيق ذلك.

ولكي يتمكن أي مجتمع من حماية ذاته عليه أولاً وقبل كل شيء حماية لغته، وثقافته، وحماية إرثه التاريخي والاجتماعي، ولأجل تحقيق ذلك لا بد له من تأسيس مؤسسات الحماية وتنظيمها.

وسُطّرت مقاومة حي الشيخ مقصود على صفحات التاريخ كمثال حي، وكنموذج يُحتذى به.

(ك)

ANHA


إقرأ أيضاً