حلقة جديدة من اجتماع الـ 13 من آذار/مارس 2013

تعد عمليات الاغتيال التي تستهدف شخصيات وطنية في شمال وشرق سوريا حلقة جديدة من مسلسل التدخل التركي في سوريا التي رسمتها في الـ 13من آذار/مارس 2013، وخلايا حركة القيام وغيرها خير مثال على ذلك.

أحمد محمد/مركز الاخبار

مع انطلاقة الثورة السورية في شهر آذار من سنة 2011 هرعت العديد من الدول الإقليمية والدولية إلى التدخل وتحريف مسار الثورة في سوريا، بهدف تحقيق استراتيجيات بعيدة الأمد في المنطقة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، تحت مسميات عديدة كأصدقاء سورية، وراعية الثورة السورية، إلى جانب رعاية بعض الدول الأخرى لاجتماعات خارجية لتكون المحور في البوصلة السورية. وأكثر الدول تربصاً بالثورة السورية وحولتها إلى أزمة وبؤرة للإرهاب الدولي في سبيل توسيع نفوذها، كانت تركيا وحلفائها في المنطقة.

فتركيا ولتسهيل تدخلها في الشأن السوري الذي تحول من ثورة إلى أزمة رسمت خطة المتاجرة بورقة النازحين, بهدف تغيير ديمغرافية المناطق السورية, إلى جانب الحصول على بعض التسهيلات الاقتصادية الدولية, والضغط بتلك الورقة للتدخل مباشرة في الأزمة السورية, حيث فتحت حدودها أمام موجات النازحين السوريين منذ انطلاق الثورة, نظراً للامتداد الكبير للجغرافية التركية مع الحدود السورية شمال شرق سوريا التي تصل الى 822 كم يعني 511 ميل.

تركيا لتستفيد بشكل أكبر من ورقة النازحين السورين عمدت إلى تأجيج الأزمة السورية من خلال فتح الحدود أمام الجماعات الإرهابية للدخول إلى الأراضي السورية, ودعم مجموعات مسلحة أخرى بغية تنفيذ مخططاتها الاستعمارية والاقتصادية في المنطقة, لا سيما بعد تهميش المصالح وأهداف الدولة التركية  بعد التدخل الأمريكي والإيراني والروسي في الأزمة بشكل أكبر, والتي شكلت بذلك نوعاً من التأثير على دور تركيا في سوريا.

هذا وخير دليل على محاولة تركيا لشرعنة هجماتها على مناطق شمال شرق سوريا هي التسريبات للتسجيلات الصوتية التي نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي في الـ  27 آذار/مارس 2017, فتناول التسجيل الصوتي حديث بين أربعة مسؤولين نافذين في الحكومة التركية  في اجتماع سري في الـ 13 آذار/مارس 2014 بين كلٍّ من "وزير الخارجية السابق أحمد داوود أوغلو، ووكيل وزارة الخارجية سينيرلي أوغلو، ورئيس الأركان يشار غولر، ورئيس جهاز المخابرات هاكان فيدان, ويظهر فيها إصرارهم على اجتياح المناطق السورية تحت حجج وذرائع مفبركة ستقوم بها الاستخبارات التركية.

حيث يؤكد المسؤولون الاتراك في التسجيل منهم رئيس جهاز المخابرات هاكان فيدان قائلاً"إذا لزم الأمر سابعث بأربع رجال إلى سوريا ثم سأطلب منهم إطلاق 8 قذائف هاون على الجانب التركي من الحدود, ونخلق بذلك حجج و ذريعة للتدخل واجتياح مناطق في سوريا", وثبت صحة ذلك التسجيل وفق المحكمة العليا للجنايات التركية في الـ 16 من كانون الثاني/يناير 2019, التي أكدت صحة هذا التسجيل الصوتي المسرب.

لم يعد يخفى على القاصي والداني مدى تلطخ يد الدولة التركية بدماء الشعب السوري, من خلال مجموعاتها المرتزقة التي انتشرت في مختلف الجغرافية السورية, ولا سيما بعد المصالحات والصفقات الاقتصادية والعسكرية الأخيرة التي تمت بين الجانب الروسي والتركي في إخلاء بعض المناطق السورية من تلك المجموعات بعد اجتماعات اختلفت مسمياتها كسوتشي, وآستانا, وخير دليل تلك المناطق " حلب, درعا, الغوطة, حماة, وغيرها, وقد نشهدها مؤخراً السيناريو نفسه في إدلب القابعة حالياً تحت سيطرة مرتزقة تركيا ما تسمى جبهة النصرة.

استخدمت الدولة التركية سياسات عدة لتحقيق مآربها السياسية والاقتصادية في سوريا, لكنها جوبهت بالرفض في مناطق أخرى آمنت بسلمية الثورة السورية واعتماد حق الدفاع المشروع, كما هو حال المناطق الواقعة في شمال وشرق سوريا, والتي تحميها قوات سوريا الديمقراطية الممثلة سياسياً في مجلس سوريا الديمقراطية وإدارتها المدنية.

التكاتف والتلاحم بعيداً عن الأزمة السورية, وعدم اعتماد شعوب تلك المنطقة على الجانب التركي لم يتماشى مع مصالح الدولة التركية في سوريا, ولم تخول الدولة التركيا التحرك حسب مصاحها في المنطقة بأريحية, بل عمدت شعوب تلك المناطق من خلال قواتها العسكرية وإدارتها المدنية من مجابهة كافة الهجمات العسكرية التي شنتها تركيا على المنطقة, والتي تمثلت بمرتزقة جبهة النصرة وبعدها مرتزقة داعش وحالياً على خلايا نائمة ما تسمى بحركة قيام و ما تسميهم بالجيش الوطني.

المحاولات العسكرية التركية على شعب شمال وشرق سوريا لثنيها عن مشروعها الديمقراطي لم تحقق الأهداف التي عملت لأجلها نتيجة التنظيم والمقاومة التي تحلى بها أهالي المنطقة، لذلك عمدت تركيا منذ عام 2016 إلى سياسة جديدة في محاولة منها تشتيت شمل الشعوب المتكاتفة في تلك المناطق وتحريض بعض الأطراف على الأخرى, من خلال الحرب الإعلامية الطائفية, وعمليات اغتيالات بعض الشخصيات العربية والكردية البارزة وأخرى تمثل الشعب والمكونات في الإدارات المدنية المتشكلة..

عمليات الاغتيال في شمال شرق سوريا تعددت مشاهدها وأشكالها, والأيدي التي وقفت خلفها بمختلف مسمياتها التي توضحت مؤخراً بارتباطها بالاستخبارات التركية بشكل مباشر, فتفاوتت بين الاستهداف بالأسلحة الفردية, وعمليات استهدافت بالعبوات الناسفة, من خلال مرتزقة ما تسمى خلايا حركة قيام والتي تحولت مؤخرا إلى حركة جوكور.

تشكلت خلايا حركة قيام من مرتزقة تركيا بتاريخ الـ 15 تشرين الأول/أكتوبر 2017, من خلال بيان مصور نشرته على مواقع التواصل الاجتماعي, وأعلنت فيه آنذاك عن بدء تحركاتها ضد المناطق التي تحررت من مرتزقة داعش وستستهدف شمال وشرق سوريا بعملياتها, وتحولت مؤخراً إلى حركة جوكور, (بمعناه الحفرة )، و هو اسم يطلق على أحد أشهرالمسلسلات التركية التي تعمل كنوع من الدعاية للاستخبارات التركية محلياً ودولياً, أو ما يعرف شعبيا بمسلسل وادي الذئاب أو علم دار.

ليس فقط الاسم الذي تحولت إليه حركة قيام إلى حركة (جوكور) فقط التي توضح ارتباطها المباشر بالاستخبارات التركية, بل وظهرت اعترافات بعض من مرتزقتها الذين اعتقلوا على أيدي مقاتلي وحدات حماية الشعب في أقليم الفرات, ارتباطها الوثيق والمباشر بالاستخبارات التركية, وتبين فيها أيضاً الدعم التركي المقدم لهذه الخلايا في المنطقة.

الهدف منها بحسب عناصر من تلك الخلايا المعتقلين هو استهداف واغتيال شخصيات وطنية سواء أكانت كردية أوعربية لضرب الأمن والاستقرار الذي أتاحته قوات سوريا الديمقراطية, وللعمل على نشر الفوضى والفتنة بين مكونات مناطق شمال شرق سوريا, إلى جانب نشر الإشاعات بين الأهالي عن القوات الأمنية والعسكرية التابعة لقوات سوريا الديمقراطية.

" http://www.hawarnews.com/ar/haber/d8aed984d98ad8a9-22d8acd988d983d988d8b122-d8a7d984d8a7d8b3d8aad8aed8a8d8a7d8b1d8a7d8aad98ad8a9-d8a7d984d8aad8b1d983d98ad8a9-d8aad8b9d8aad8b1d981-h11695.html "

حركة قيام التي نشطت في مناطق مختلفة من شمال شرق سوريا لم تتوقف عن عملياتها الإرهابية بحق أبناء المنطقة ولم تتردد بالكشف عن هويتها في كل عملية لها ضمن المنطقة, فقد استهدفت شخصيات عربية وكردية وقيادات, منها" قائد مجلس منبج العسكري محمد أبو عادل, مسؤول لجنة إعادة الإعمار والتنمية في الرقة إبراهيم الحسن, مسؤول لجنة العلاقات الدبلوماسية في الرقة عمر علوش, الناطق الرسمي باسم مجلس منبج العسكري شرفان درويش,الرئيس المشترك للجنة الصحة في منبج الدكتور فاتح المشهد, شيخ عشيرة العفادلة الشيخ فيصل الهويدي, القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي, الرئيس المشترك للمجلس التشريعي في دير الزور مروان الفتيح, الرئيس المشترك لمجلس بلدة العريشة جنوبي مقاطعة الحسكة حمود الساير, مختار قرية الجرذي جنوبي الحسكة ابراهيم المسلط.

أولى عمليات مرتزقة حركة قيام كانت باستهداف القائد العام لمجلس منبج العسكري محمد أبو عادل بتاريخ 2تشرين الثاني/نوفمبر 2017, وذلك من خلال عبوة ناسفة ألصقت بالسيارة التي تقله على طريق حلب القديم ليلاً في مدينة منبج السورية, تبنتها فوراً مرتزقة حركة قيام ببيان مكتوب نشرته على وسائل التواصل الاجتماعي, نجى منها محمد أبو عادل متعرضاً لإصابات عدة في جسده.

بعدها بأيام قليلة استهدف مرتزقة حركة قيام مسؤول لجنة إعادة الإعمار في الرقة إبراهيم الحسن بتاريخ 12 كانون الثاني/يناير , من خلال إطلاق 8 رصاصات بشكل مباشر على الحسن في منزله الكائن في ريف الرقة, الأمر الذي أدى إلى شلل بعض الأطراف السفلية للحسن,  تبنتها أيضاً حركة قيام بعدة أسطر كبيان نشر على وسائل التواصل الاجتماعي.

عملية اغتيال ثالثة نفذت بعد ظهور مرتزقة ما تسمى حركة قيام (جوكور), كانت لمسؤول العلاقات العامة لمجلس الرقة المدني عمر علوش في الـ 16 آذار/مارس 2018, وذلك باستهداف عمر علوش في منزله الكائن بعدة طلقات من مسدس , في بلدة كري سبي/تل أبيض, فقد على إثرها العلوش لحياته, مجريات الحادثة وملابساتها تشير إلى نفس الجهة التي استهدفت إبراهيم الحسن مسؤول لجنة إعادة الإعمار والتنمية في الرقة.

عادت تلك المجموعات لتنفيذ عملية لها في مدينة منبج السورية و تلك العمليات استهدفت الناطق الرسمي باسم مجلس منبج العسكري شرفان درويش في الـ 25آذار/مارس في منزله الكائن بمدينة منبج شمال سوريا, ونشرت حينها حركة قيام فيديو بينت فيه مسؤوليتها عن عملية اغتيال الدرويش, إلا أن ذوي الدرويش تمكنوا من رفعه إلى المشافي حيث نجى بعدها من عملية الاغتيال تلك.

هذا وفي نفس المدينة حاولت مرتزقة درع الفرات استهداف الرئيس المشترك للجنة الصحة في منبج الدكتور فاتح المشهد بعبوة ناسفة زرعت في سيارته بتاريخ 26 ايلول/سبتمبر 2018, أدت لفقدانه حياته على إثرها بعد عدة محاولات طبية لإنقاذه .

كما وقامت مرتزقة حركة قيام باستهداف أحد شيوخ عشيرة العفادلة الشيخ بشير فيصل الهويدي في الـ 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2018 ضمن مدينة الرقة, فقد حياته الهويدي على إثرها, لم تتبناها حركة القيام هذه المرة في محاولة من المرتزقة زرع الفتنة بين عشائر المنطقة العربية والكردية.

وسعت المجموعات المرتزقة من أعمالها الإرهابية للوصول إلى قيادات عسكرية أكبر حسب تعليمات الاستخبارات التركية, حيث حاولت مجموعة ما تسمى بحركة قيام (جوكور) باستهداف القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي بعبوة ناسفة في الـ 5 من تشرين الأول 2018 في بلدة عين عيسى شمال مدينة الرقة السورية, والتي باءت بالفشل في اغتيال عبدي, لكن فقد أحد مرافقيه لحياته ضمن تلك العملية.

لم تكن مدينة دير الزور السورية ومسؤولي إدارتها بعيدون عن عمليات الاغتيالات تلك الهادفة إلى تفكيك التكاتف والتلاحم التي تبلورت يوماً بعد يوم بين مكونات شمال شرق سوريا, استهدف المرتزقة هذه المرة الرئيس المشترك للمجلس التشريعي في دير الزور مروان الفتيح في الـ 29 كانون الأول/ ديسمبر 2018, مستخدمين بذلك سلاحاً من نوع كلاشنكوف أثناء عودته من عمله على الطريق الواصل بين مدينة الحسكة ودير الزور.

وهناك أمثلة كثيرة على عمليات الاغتيالات تلك التي استهدفت شخصيات عربية وكردية بارزة في شمال شرق سوريا, والتي كانت آخرها منذ فترة ليست بالبعيدة استهداف الرئيس المشترك لمجلس بلدة العريشة الواقعة جنوبي الحسكة إبراهيم حسين المسلط في الـ 27 كانون الثاني/نوفمبر 2019, الذي وجد مقتولاً على أطراف البلدة بعدت رصاصات في الرأس والصدر.

مجمل عمليات الاغتيال تلك حيكت خططها في مكاتب الاستخبارات التركية, حسب ما أكده المرتزقة حركة القيام (جوكور) الذين اعتقلوا من قبل وحدات مكافحة الإرهاب في وحدات حماية الشعب والمرأة في مناطق مختلفة منها" كوباني, كري سبي/تل أبيض, عين عيسى", بأوقات مختلف من العام الماضي بحسب البيان الذي نشرته وحدات حماية الشعب على موقعها الرسمي بتاريخ الـ4 من كانون الأول/يناير2018, والذي وصل عددهم كمعتقلين إلى الآن 5 مرتزقة.

هذا وناهيك عن التهديدات اليومية التي تتلقاها الشخصيات العربية والكردية في المنطقة, إلى جانب التهديدات التي تصل إلى ممثلين للشعب في الإدارات الذاتية الديمقراطية المتشكلة في جغرافية شمال شرق سوريا, وبحسب المعلومات التي وردت إلى وكالتناANHA ممن يتلقون التهديدات بأن أغلبها تحاول إبعادهم عن دورهم في إدارة المنطقة, وأن مجمل تلك التهديدات مصدرها تركيا والمرتزقة التابعة لها.

رغم وضوح كل الأدلة ووجود العشرات من الإثباتات والاعترافات الحية على تورط تركيا في عمليات اغتيالات بحق أبناء الشمال السوري, ووضوح الذرائع الكاذبة للتدخل التركي في سوريا و اجتياح بعض مناطقها, إلى جانب صدور المئات من التقارير الإعلامية المثبتة بالأدلة تلطخ يد تركيا بدم الشعب السوري, يبقى المجتمع الدولي صامتاً حيال تلك الانتهاكات, والتي تشجع بصمتها تركيا في الاستمرار في إراقة الدماء في سوريا.

ANHA


إقرأ أيضاً