حديقة خلفية لاقتصادها وحارسة لبوابتها الشرقية.. أيّ شكلٍ حقيقي للعلاقة بين أوروبا وتركيا؟

بين الحين والآخر، يطلّ التوتر بين تركيا وأوروبا، في صيغة يقرأها المراقبون السياسيون على أنها إعلان بدء حالة العداء بينهما، قبل أن تتدفق المعاملات الاقتصادية المتقدمة بينهما، وتطغى على مشهدية العلاقة بين أوروبا وتركيا، فتُسكت أصوات التوتر بينهما، مما يعيد طرح تساؤل مهم، ما هو الشكل الذي يحكم علاقتهما؟

بعد أكثر من 20 عاماً على بدء العلاقات الاقتصادية والتعاونية بين تركيا والاتحاد الأوروبي، تزايدت مؤخراً حدة حالات الشد والجذب السياسي بين تركيا ودول أوروبا، على خلفية التطورات في المنطقة والمواقف التركية منها التي تعارضت غالباً مع الموقف السياسي للاتحاد الأوروبي.

على الجانب الآخر، بدا مهماً تسليط الضوء على طبيعة هذه العلاقة، وتحديد شكلها الذي يرتدي ثوب الشراكة تارة، وثوب الصدام والعداء تارة أخرى.

رصدٍ موجز لموجة التوتر بينهما: غاز قبرص والهجوم على شمال سوريا واللاجئين والتقارب مع روسيا

تصاعدت حدة التوتر بين الاتحاد الأوروبي وتركيا مؤخراً،  وكان أحد الأشكال الرئيسية لهذا التوتر، قد برز بعد تحويل تركيا ملف اللاجئين إلى ورقة ابتزاز ضد أوروبا، وبدء التنقيب عن الغاز قبالة سواحل قبرص في البحر الأبيض المتوسط، متجاهلة التحذيرات الأوروبية، ثم شن الهجوم العسكري على شمال سوريا، وليس أخيراً التقارب العسكري مع روسيا. 

وقبل ذلك كله، يقدّر مراقبون، أن أحد أسباب التوتر المتجدد بين تركيا وأوروبا، هو ابتعاد تركيا، عن القيم الديمقراطية  الرئيسية التي يتبناها الاتحاد الأوروبي، في ظل الهيمنة الاستبدادية التي يتعامل بها أردوغان، بعد محاولة الانقلاب المزعومة عام 2016.

بالإضافة إلى توجه تركيا في ظل قيادة أردوغان نحو دولة استبدادية أحادية القيادة, وتعيد وسائل إعلام من وقتٍ لآخر التذكير بالمقولة المنسوبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والتي نقلت عنه: بأن "الديمقراطية هي قطار ينقلنا من محطة إلى أخرى وعندما نصل إلى هدفنا نتخلى عنها".

وترى أوروبا، أن التحول المفصلي الذي مرت به تركيا عقب محاولة الانقلاب المزعومة، انعكست على المستوى الداخلي بشكلٍ واضح، إذ أن: "الحريات وحقوق الإنسان في أدنى درجاتها بعد فرض قيود غير محدودة على الإعلام وحرية التعبير وسيادة القانون أصبحت في وضع يرثى له".

 

وبالإضافة إلى ذلك، تحول تعاطي تركيا مع ملف اللاجئين كورقة ابتزاز ضد أوروبا، إلى مادة زخمة لتجدد التوتر بينهما من وقتٍ لآخر، إذ ترفض أوروبا أسلوب الابتزاز التركي فيما، تصر أنقرة على التعامل بشكلٍ غير أخلاقي مع قضية اللاجئين ضد أوروبا، على حدّ تقدير محللين سياسيين.

وكذلك، شكَّل كل من بدء التنقيب عن الغاز قبالة سواحل قبرص، والهجوم التركي على شمال سوريا، فصلاً حقيقياً من التوتر بين أوروبا وتركيا، وأعلن الاتحاد الأوروبي يومها، أنه بصدد إقرار عقوبات اقتصادية حازمة ضد تركيا، رداً على تنقيب الغاز،  فيما دعا إلى جلسة لمجلس الأمن لبحث تداعيات الهجوم التركي, وما كشفه هذا الهجوم من حجم الانتهاكات ضد الإنسانية وجرائم الحرب.

إضافة إلى ذلك، كان التوجه العسكري التركي نحو روسيا والتسلح بصواريخ إس 400 والابتعاد عن حلفائها في الناتو، فصلاً آخر من مسببات التوتر بينهما.

موجة التوتر هذه: " شراء صواريخ اس 400 والهجوم على شمال سوريا وقبرص"  امتدت لفترة، قبل أن تصبح موجة توتر نافقة لا تختلف عن سابقاتها بين تركيا وأوروبا، رغم بقاء ظلالها قائمة إلى حدّ ما.

تركيا وأوروبا: الاقتصاد يُمحي أخطاء السياسة

وسعياً لتحديد طبيعة العلاقة بين تركيا وأوروبا،  لا يمكن تجاوز الاقتصاد كـعامل ورابط مؤسس للعلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي، إذ بعد أكثر من 20 عاماً من توقيع الاتحاد الجمركي بين الجانبين،  تضاعف حجم التبادل التجاري بين أوروبا وتركيا إلى 4 مرات عن السنوات  الأخيرة. إذ تقدّر تقارير مراقبة، أن حجم التبادل التجاري السنوي بين الاتحاد الأوروبي وتركيا  بمبلغ 200 مليار يورو (222.3 مليار دولار), لتشكل أوروبا بذلك، ما نسبته أكثر من 40 % من التجارة الخارجية لتركيا.

"الاقتصاد يمحي الأخطاء" هكذا يصف محللون ومختصون اقتصاديون، الأساس الذي يزيل عادة التوتر بين أوروبا وتركيا، إذ بعد عاصفة من الاتهامات والتصريحات الهجومية بين الطرفين، فجأة، تتدفق التقارير الاقتصادية عن حجم التبادل التجاري بين أوروبا وتركيا، إذ في نهاية العام الماضي تباهى رئيس وفد التجارة والسياسة لدى الاتحاد الأوروبي، بارتوز برزيوارا، بأن اقتصاد الاتحاد الأوروبي وتركيا بات أكثر تجذراً ومتداخلاً أكثر من السابق،  وأن التبادل التجاري بينهما تضاعف أكثر من 4 مرات.

رغم الحاجة التركية الملحة للرابط الاقتصادي مع أوروبا، إلا أن الأخيرة أيضاً ترى في تركيا، موقعاً تجارياً مهماً، إذ أصبحت تركيا، في المرتبة الخامسة على قائمة أهم الشركاء التجاريين للاتحاد الأوروبي ومقصداً هاماً للاستثمارات الأوروبية.

ووفق ما يقدره مراقبون، تمثل تركيا، بوابة شرقية لأوروبا، وأرضاً وسوقاً خصباً من الناحية الاقتصادية، لذلك، تتجاوز التحركات السياسية لتركيا في المنطقة على حساب حاجتها الاقتصادية, فعلى الرغم من أن العلاقات السياسية في حدها الأدنى، إلا أن أوروبا وتركيا، تحافظان على علاقات تجارية في مستوى متقدم، وهي العلاقات التي "تضع في فم أوروبا ماء من تحركات تركيا" على حد تعبير مراقبون.

تركيا كحديقة خلفية لاقتصاد أوروبا وحارسة لبوابتها الشرقية

 رغم كل المقدمات الأخيرة، يقدر الباحث في العلاقات الدولية والمقيم في فرنسا طارق زياد وهبي خلال حديثه مع وكالة أنباء "هاوار":  "إن العلاقات التركية - الأوروبية تمر بعصر الرئيس اردوغان في أصعب أوقاتها".

لكن الغريب وفق ما يراه الباحث وهبي: " أن تركيا ترفع من نسبة النمو لأنها أصبحت الحديقة الخلفية للاقتصاد الأوروبي، فهي تفتح أسواقها للبضائع الأوروبية كما أنها الدولة الأولى في محيط المتوسط المسهلة لفتح الشركات لديها، وهو ما يدفع أهم الشركات الأوروبية، على فتح مصانع لها وهذا من أهم أنواع الجذب الاقتصادي الذي تنتهجه  تركيا الآن، لأن اليد العاملة رخيصة والأهم هو حركة النقل القريبة".

ويشير وهبي إلى أن تركيا تزعج أوروبا بملفين مهمين هما: سوريا والتنقيب عن النفط في المتوسط.

"في هاذين الموضوعين" يرى الباحث: "أن تركيا ترتفع في مكانتها، لقوة إقليمية من الطراز الأول لأنها على نفس النمط السياسي كروسيا رغم تصادمهما المسرحي في إدلب، إذ أن تركيا تحاول وستصل إلى ما تريده في ملف التنقيب الذي ابتدأ مع قبرص التركية وأكمل بالاتفاقية مع رئيس حكومة الوفاق فائز السراج في ليبيا، تحت ظلِ قبولٍ روسي لهذا التدخل غير القانوني وفقاً لقانون البحار الدولي".

ويضيف وهبي: "أيضاً، يشكل موضوع اللاجئين القادمين إلى تركيا والذي تهدد بهم أوروبا، أزمة حقيقية، لدى الأوروبيين".

ويذكر: " أن أوروبا بحاجة ماسة لشرطي حقيقي يحمي حدودها الشرقية ولأرض خصبة لشركاتها للإنتاج الموجه للشرق والغرب، وهو ما تمثله تركيا".

يلفت وهبي إلى أن: " علاقة تركيا بأمريكا وبالتحديد بفترة ترامب سهلت الطريق، أمام أردوغان، للارتماء  في أحضان الأوروبيين، وأهم ما رأيناه أنه رغم الشحن الأوروبي ضد تركيا والمجازر ضد الأرمن التي ارتكبها الأتراك سابقاً لا يزال الرئيس أردوغان يصدح بالقوة التركية العسكرية والاقتصادية وحتى التفاوضية أمام الأوروبيين وحصل ذلك في اجتماع الناتو الأخير".

غير أن، تقديراتٍ أوروبية، نشرت في أكثر من تقرير صحفي، تشير إلى أن: "العلاقات الثنائية بين أوروبا وتركيا، قد تستمر في التدهور، مع وجود  تحركاً من الجانبين، للمحافظة على عدم الوصول إلى نقطة الصدام".

(ي ح)

ANHA


إقرأ أيضاً