تصعيد إدلب بين الصراع على السياسة والغاز بانتظار المخرج الروسي الأميركي

قال الدكتور والأكاديمي السوري مهيب صالحة بأن التفاهمات التي تمخضّت عن اتفاق أستانا منذ البداية كان المراد منها تقسيم سوريا إلى كانتونات طائفية وقومية, وأكّد أن روسيا تمارس سياسة العصا والجزرة مع تركيا حيث العصا في إدلب والجزرة في شمال غرب سورية.

تشهد مناطق ما تسمى منزوعة السلاح السورية وفق التفاهمات الروسية التركية المستندة على نتائج اجتماعات أستانا تصعيداً عنيفاً ومعارك كر وفر دامية, على الرغم من ترويج روسيا لهدن ووقف إطلاق للنار في هذه المناطق.

واختلفت آراء المراقبين والمحليين حول طبيعة ما يجري ومصير هذه المناطق ما بين وجود خلاف جدي بين روسيا وتركيا قد ينتج عن مواجهة مباشرة, وبين أن ما يحدث هو لتمرير صفقة جديدة على حساب الشعب السوري.

ولمحاولة فهم مسار الأحداث في عموم مناطق ما تسمى منزوعة السلاح وفهم ارتباطاتها بالعلاقات الإقليمية والدولية، أجرت وكالة أنباء هاوار حواراً مع الكاتب والأكاديمي السوري مهيب صالحة والذي أسهب في تقييمه للوضع هناك.

تركيا لم تنفذ تعهداتها لشركائها في أستانا والتي احتلت مقابلها مناطق سورية

صالحة تطرق في بداية حديثه لوكالتنا على خلفية التصعيد الأخير وقال "من ضمن تفاهمات أستانا وسوتشي هو تأمين منطقة عازلة خالية من السلاح الثقيل والمتوسط, وذلك لتأمين طريق حلب ـ دمشق وطريق حلب اللاذقية، وتأمين المصالح الروسية في الساحل السوري, وأيضاً أن تقوم تركيا بإنهاء أي دور أو قوة لـ(هيئة تحرير الشام) النصرة سابقاً، والتي تُشكّل قوة معطلة في المستقبل لأية تفاهمات سياسية للمسألة السورية, لكن تركيا لم تتمكن خلال المهل الممنوحة لها من تنفيذ تعهداتها والتزاماتها، والتي أخذت مقابلها سلفاً من شركائها في أستانا كلاً من جرابلس والباب واعزاز ومارع وعفرين".

وأوضح صالحة "من الواضح، في ظل هذا الوضع، أن صبر روسيا على تركيا قد نفذ، لذلك حرّكته بعمليات عسكرية محدودة في البداية وثم عمليات واسعة، ظناً منها أنها تقلب معادلات إدلب وتمارس ضغوطاً على تركيا لتنفيذ التزاماتها، وترافق هذا مع ضغوط أمريكية على أنقرة من أجل التخلي عن صفقة منظومة الصواريخ الروسية S4oo".

روسيا تلعب كما في السيرك وتمارس العصا والجزرة مع تركيا

وأردف في كلامه "إلا أن الدقة جانبت الحسابات الروسية، ولم تتمكن قوات النظام وروسيا من تعديل الخرائط على الميدان في إدلب وفي الريف الحموي الشمالي بسبب القتال الشرس هناك من قبل (الجماعات الإسلامية) ودعم تركيا لها بالمعلومات والأسلحة النوعية, مما اضطر روسيا لطلب الهدن من أجل إعادة حساباتها, وتكون تركيا قد حسمت أمرها حيال صفقة الصواريخ الروسية".

وحول ترويج روسيا للتفاهم مع تركيا من جهة ودعمها لهجمات النظام من جهة أخرى قال صالحة "إن روسيا تلعب على حبلين كما في السيرك وبيدها عصا التوازن, فمن جهة أولى لم توقف التنسيق مع تركيا في ملفات إدلب ومنظومة الصواريخ وشمال غرب سورية على الحدود مع تركيا، ومن جهة ثانية تحاول الضغط عليها من خلال ملف إدلب وشمال غرب سورية لتكسب في ملف الصواريخ, وفي الجهتين تمارس سياسة العصا والجزرة، العصا في إدلب والجزرة في شمال غرب سورية، من هنا فإن الحرب الجارية في إدلب هي حرب بالوكالة, وطالما الطرفان الروسي والتركي لا يخسران في لعبة إدلب فإن الواضح على السطح الخلاف بينهما، لكن في العمق الاتفاق بينهما أقوى بكثير، والمسألة مسألة وقت مرتبطة بتقديري بالتسوية النهائية، التي ستكون من إخراج أمريكا وروسيا. وتركيا تدرك هذه المعادلة لذلك لا تريد قطع شعرة أردوغان مع أي منهما".

وبخصوص دور تركيا الحقيقي في إدلب واستثمارها لمرتزقة تحرير الشام أوضح الأكاديمي صالحة "إن تركيا منذ الجولة الأولى لأستانا سعت أن تصبح هي الوحيدة التي تمثل (المعارضة السورية) وهذا كان أحد أسباب انتكاس العلاقات التركية السعودية, وروسيا أبدت تجاوباً منقطع النظير مع رغبة تركيا، لتمسك السعودية بهيئة المفاوضات وبالقرارات الدولية، ولوقوفها جانب أمريكا في التحالف الدولي ضد داعش ومساندة الإدارة الذاتية شمال شرق سورية, لذلك كان الاتفاق الروسي التركي الإيراني على تجميع (الفصائل الإسلامية) في إدلب ومن جميع المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، بما فيه (جيش الإسلام) المدعوم من السعودية و(فيلق الرحمن) المدعوم من قطر من الغوطة الشرقية والقلمون الشرقي، وشجّع ذلك الخلاف السعودي القطري، الذي اختارت تركيا الاصطفاف فيه إلى جانب قطر".

وأشار الكاتب "إن تجميع المجموعات الراديكالية في إدلب وشمال غرب سورية يسهل على تركيا ليس فقط بسط نفوذها على هذه المنطقة الحيوية والاستراتيجية من منظورها، بل يساعدها على إدارة هذه المعارضة، سياسياً وعسكرياً، لما يخدم مصالحها في سورية، ويجعلها لاعب أساس في المسألة السورية يحسب له حساب في أي حل أو تسوية دولية وإقليمية لها, وفي هذا السياق فإن (هيئة تحرير الشام) جبهة النصرة سابقاً ما هي سوى مجرد ورقة تلعب بها تركيا، من جهة في وجه شركائها في أستانا لتحسين شروطها التفاوضية معهم، ومن جهة ثانية للضغط على (الفصائل) الأخرى وإرهابها لتبقى في الحضن التركي ولا تتحرك إلا بإمرته، ومن جهة ثالثة استعمالها شوكة في خاصرة النظام السوري وخزانه الطائفي".

روسيا تسعى لتأمين طريقين حيويين وقطع الطريق عن خطي الغاز القطري والإيراني

ويستقرئ صالحة مصير هذه المناطق ومسار الأحداث قائلاً "إن هدف روسيا هو تأمين طريقي حلب ـ دمشق و حلب ـ اللاذقية الحيويين بالنسبة لربط مناطق سورية المفيدة من الشمال إلى الساحل وإلى الجنوب، وتأمين مصالحها  في حميميم وقاعدة طرطوس، وفي البادية السورية من الشرق تأمين مصالحها الحيوية في استغلال الموارد الطبيعية من نفط وغاز وفوسفات إنتاجاً ونقلاً وتسويقاً، وقطع الطريق عن خطي الغاز القطري والإيراني المنافسين للغاز الروسي باتجاه تركيا والساحل السوري".

وأضاف "لذلك فإن روسيا ستبقى تتمسك بالمنطقة العازلة وستعمل كل ما يمكن عمله، عسكرياً وسياسياً ، من أجل الحصول عليها, وفي هذا السياق من غير المستبعد أن توسع روسيا عملياتها العسكرية في إدلب وريف حماه الشمالي، ولكنها ستحافظ على حد توازن طبيعي فرضته هناك يمنع تطوير النزاع بينها وبين تركيا إلى درجة السقوط في الهاوية وانتهاء أيام العسل بينهما, كما يمنع فلت زمام المبادرة من يدها في العلاقة بين أنقرة ودمشق، لذلك من غير المتوقع أن تسمح روسيا بحرب شاملة بين تركيا وسورية في منطقة إدلب والشمال الغربي".

وأوضح "بتقديري فإن الولايات المتحدة الأمريكية تنسق مع روسيا في هذا الصدد للحؤول دون تورط الأطراف الداخلية والإقليمية بخطوات غير محسوبة العواقب تؤدي إلى سقوط الهيكل على رؤوس الجميع, ومن هذا المنطلق فإن عملية عض الأصابع بين روسيا وتركيا ستستمر في الأيام والأسابيع القادمة طالما لم يتوصلا إلى تفاهم نهائي حول إدلب" .

تل رفعت أكثر منطقة تتقاطع فيها مصالح شركاء أستانا ولن يكون فيها عمل عسكري

وحول علاقات مسار الأحداث في مناطق منزوعة السلاح بما يجري في الشهباء وتل رفعت يقول صالحة "ما يهم تركيا هنا ألا يؤثر الصراع الدائر في إدلب على نفوذها في المناطق التي تحتلها, وستعمل كل ما يمكن لمنع تدهور علاقتها بروسيا التي أعطتها في سوريا ما لم تعطها لها أميركا, ولكن هذا لا يمنع من استخدام روسيا كل وسائل الضغط على تركيا خدمة لأجندتها في الشمال السوري، وفي الوقت نفسه لا يمنع أيضاً من قيام تركيا بالرد أو الضغط على روسيا خدمة لأجندتها أيضاً, وفي هذا السياق تأتي التحركات العسكرية الروسية وعمليات إعادة الانتشار في منطقة تل رفعت وتحريك دوريات مشتركة مع وحدات حماية الشعب في منطقة الشهباء".

ويوضح صالحة "لكن إعادة الانتشار والتحركات والتعزيزات العسكرية المحدودة لا توحي بعمل عسكري قادم يُغيّر موازين القوى المتفاهم حولها بين روسيا وتركيا في الريف الحلبي, وربما تكون التحركات العسكرية الروسية في تل رفعت هو من قبيل الضغط المزدوج، على إيران لكي تخرج منها، وعلى تركيا لتوقيف الدعم (للمجموعات الإسلامية) في جنوب إدلب وفي ريف حماة الشمالي".

ويرى صالحة "إن منطقة تل رفعت تُعتبر من أكثر مناطق الشمال السوري التي تتقاطع فيها مصالح الشركاء في أستانا, فكل طرف يستعملها للضغط على الأطراف الأخرى لتحقيق مآرب سياسية مؤقتة, فإيران تعتبرها حامية لنبل والزهراء وخسارتها تعني خسارة حلب، وتركيا تعتبرها حامية لعفرين وشرطاً لاستقرارها، وروسيا تستخدمها في التفاوض مع شركائها لكي تحصل على مكاسب إضافية تؤدي إلى حماية مصالحها في الساحل وشرقي حماه وحمص, والولايات المتحدة الأمريكية الموجودة في شمال شرق سورية تراقب الوضع عن كثب لتمنع تدهور الوضع في خاصرتها شمال غرب سورية".


إقرأ أيضاً